«إن شلل المؤسسات الدستورية وانتظار الحلول من الخارج يدلاَّن على ضعف الإرادة الوطنية، فيما المطلوب اللقاء والتشاور والاتفاق على القرارات المصيرية التي تجنِّب البلاد مزيداً من التردي على الصعد السياسية والأمنية والاجتماعية».

لم يصدر هذا الكلام البارحة، بل صدر قبل خمس سنوات تقريباً. صاحبه ليس جهة تقدمية أو يسارية بل «مجلس المطارنة الموارنة» («النهار» 2/12/2010).

وهو قيل في سياق إحدى محطات التعثر المتواصلة منذ الاستقلال إلى اليوم. هذا التعثر، في لحظات الانقسام والاستعصاء الكبيرين، أدى إلى حروب أهلية (1958، 1975)، وإلى عقد مؤتمرات دولية وإقليمية بشأن لبنان، وإلى استقدام قوى «ردع» وأمن عربية إلى الداخل اللبناني، وإلى تسويات عامة وجزئية («الطائف» و«الدوحة»)، وإلى وضع لبنان، رسمياً، تحت وصاية استمرت خمس عشرة سنة بالتمام والكمال (1990 – 2005)، وإلى إنشاء محكمة خاصة بلبنان في امتداد تحقيق دولي متواصل منذ عشر سنوات ومستمر حتى عام 2018 على الأقل...
منذ خمس سنوات لم يكن موقع رئاسة الجمهورية شاغراً؛ ولا كان المجلس النيابي قد مدَّد لنفسه على دفعتين (ولمدة ولاية كاملة) دون سبب قاهر أو مسوغ دستوري وقانوني؛ ولم تكن كل مؤسسات السلطة قد تعطلت وأصابها الشلل الكامل (باستثناء المؤسسات الأمنية المهددة الآن بعدم دفع رواتب أفرادها).
منذ خمس سنوات، أيضاً، لم يكن لبنان يواجه ما يواجهه الآن من تحديات أمنية وسياسية وخدماتية تفاقمت جميعاً إلى المستوى المخيف الذي بلغته، مثلاً، فضيحة أزمة النفايات التي إن دلَّت، فعلى مستوى الدرك المخيف والسحيق الذي وصل إليه الوضع في لبنان. هذا فضلاً، طبعاً، عن التحدي الأمني الذي ما زال إلى تصاعد: بإنشاء وتمدد الخلايا الإرهابية، وباستغلال قوى التطرف للانقسام المذهبي، المستشري أكثر من أي وقت مضى، في لبنان والمنطقة عموماً. هذه الخلايا، ومن خلفها تيارات إرهابية وحكومات إقليمية تراهن على التطرف والتكفير، ما زالت تتربص بالبلد بعد أن نفذت العديد من العمليات الإجرامية والإرهابية في أكثر من منطقة لبنانية.
كذلك الأمر، منذ خمس سنوات لم يكن الوضع الإقليمي على ما هو عليه اليوم من التوتر والتقاتل، ما جعل منطقة الشرق الأوسط، منذ أكثر من أربع سنوات وحتى اليوم، المنطقة الأكثر معاناة، من العنف والدمار والتهجير والقتل والإجرام، في العالم. لبنان يكاد يقف الآن على فوهة البركان، خصوصاً أنه الأضعف، والأقرب من نار الأزمة السورية ومن شظاياها. هذا فضلاً، طبعاً، عن أن مرجعيات القوى السياسية اللبنانية في الخارج (وهي مرجعيات يزداد رجحان دورها، باضطراد، في التقرير بشأن تطورات الوضع الداخلي اللبناني) منخرطة في صراع شامل ومعقَّد ومفتوح حتى إشعار آخر. هذا الصراع حرم اللبنانيين من إدارة خارجية كانت «ترعى» صراعاتهم وتوفر لهم التسويات ولو بعد خسائر واستعصاء. كما أدى، في المقابل، إلى مفاقمة أزمتهم، فاضحاً، أكثر من السابق، عجزهم وفئويتهم وتبعيتهم في الوقت نفسه.
الأكثر استفزازاً هو محاولة تطبيع هذا الواقع الشاذ وتحويله إلى نوع من القدر الذي تتخطى المسؤولية عنه كل المسؤولين! فمنذ «السين – سين» إلى اليوم يجاهر المسؤولون بمعادلة التبعية وكأنها مسألة مفروضة رغماً عن القوى السياسية اللبنانية التي تدير شؤون البلاد، وليس باختيارها المكرس في ممارساتها وعلاقاتها، وأساساً في صلب النظام السياسي اللبناني الذي تتمسك به هذه القوى: نظام المحاصصة الطائفي والمذهبي الذي يقايض بالتبعية عملية الاستقواء بالخارج لتغيير التوازنات في داخله أو للحفاظ عليها.
لم يعد أحد يستطيع تجاهل مسألة ترابط شلل وتعطيل المؤسسات الدستورية، فضلاً عن استشراء الفساد والنهب والفئوية... مع نظام المحاصصة وواقع تعمق الارتباط بالخارج والتبعية شبه الكاملة له. الغريب أن أطراف السلطة في لبنان، وهم أطراف الأزمة أيضاً، يتقاذفون التهمة بالتبعية للخارج وبتنفيذ أوامره ومقتضيات أجنداته. بعضهم، في الوقت عينه، لا يتورع عن رفع شعارات السيادة والاستقلال. متابعة بسيطة تشير إلى أن مبدأ التبعية ليس هو المرفوض، بل الجهة التي يتم الالتحاق بها عندما تكون سياساتها متعارضة مع مصالح هذا الفريق اللبناني أو ذاك. تناول السيد حسن نصر الله في خطابيه الآخرين هذه المسألة. جزم بأن «حزب الله» يقرر سياساته الداخلية دون أن تتدخل مرجعيته الإقليمية في ذلك.
ينبغي تشجيع مثل هذا التناول العلني والمباشر لمسألة العلاقة مع الخارج. كلام السيد نصر الله يتسع، حتماً، للكثير من النقاش والتدقيق، وحتى للاعتراض. لكن يجدر القول بأن «حزب الله» يملك من عناصر المشروعية والقوة والتأثير، في الداخل والخارج، ما يؤهله لأن يكون شريكاً في التحالفات وليس مجرد تابع. هكذا يستطيع «حزب الله» أن يصبح صاحب سابقة في بناء علاقة مشاركة وتقرير كما كان متميزاً في حقل المقاومة والتحرير.
يطرح موضوع العلاقة مع الخارج، أولاً صحة التحالفات في المديين المحلي والإقليمي. يطرح ذلك من زاوية المصالح العامة: الوطنية والقومية. يطرح ثانياً طبيعة العلاقة مع الخارج، أي خارج، والتي لا ينبغي أن تكون على حساب الولاء الوطني في ثوابته المتفق عليها، والتي يشكل الإخلال بها إخلالاً بالوحدة الوطنية وبالمصلحة الوطنية وبالانتماء الوطني. في ظروف حركات التحرر وأولوياتها التي يحددها، غالباً، واجب التصدي لعدوان أو احتلال أو غزو خارجي، يكون السعي من أجل تأمين دعم خارجي عنصراً مهماً في دعم مشروع المقاومة وفي كفاحها لتعديل التوازنات المختلة لمصلحة العدو. لا بد من دفع ثمن ما. هذا الثمن يجب أن يكون محدوداً وخاضعاً لمعادلة الربح والخسارة والمؤقت والدائم. لا ينبغي طبعاً، استبدال هيمنة خارجية بأخرى على شاكلتها. ذلك سيضيِّع الهدف الأساسي ويكرر ما فعله، مثلاً، فريق سياسي لبناني كبير حين ارتضى نقل الوصاية عام 2005 من «عنجر» السورية إلى «عوكر» الأميركية (في ظروف كانت ملائمة لإحداث تغيير جوهري في العلاقات الداخلية ولتشييد مدماك صلب في صرح الوحدة الوطنية).
في معطيات وضعنا كان لا بد إذاً من أن يؤدي نظام المحاصصة إلى التبعية للخارج، وأن يؤديا معاً إلى الفساد والهدر والفئوية وتهميش الدولة لمصلحة الدويلات... أي إلى فشل مشروع الدولة برمته، وهذا ما نشهد ذروته اليوم بدءاً من أزمة النفايات مروراً بأزمة المؤسسات وصولاً إلى تعطيل كل الشرعيات...
تململ أوساط شعبية واسعة من اللبنانيين هو أمر يقع، حالياً، في ظروف تمادي السلطة في الازدراء باللبنانيين وفي ظل فراغ وعجز قوى التغيير التقليدية التي يكرر بعضها أسوأ ممارسات السلطة اللبنانية (التمديد، الفساد، تعطيل الشرعية بالتعسف والتخلف والفئوية...). لا بد من رعاية هذا التململ الشعبي. أساساً، لا بد من بناء الحاضنة السياسية له: أي توفير خيار وبديل جديدين لبناء وطن المساواة والقانون والحرية والعدالة الاجتماعية.
من جهتهم، سيواصل المطارنة الموارنة وسواهم إصدار بيانات قلق وتحذير تكرر مضمون موقفهم الذي ورد في بداية المقالة إذا اكتفى، مثلاً، كبيرهم، البطريرك الراعي بالمطالبة، فقط، بانتخاب رئيس للجمهورية دون تبني خيار إنقاذي للرئاسة وللبنان: خيار تحرير النظام السياسي من نظام المحاصصة أي، من مجمل منظومة التبعية والفساد والعجز والفشل التي يعاني منها لبنان واللبنانييون.
* كاتب وسياسي لبناني