لم تقف أزمة السوريين عند حدود الدمار والموت اللذين يتعرضون لهمت لكنهم تحولوا إلى ضحايا سياسات اقتصادية ارتجالية جائرة. وهذا لا يتوقف على فترة الأزمة كما يدعي البعض، فأزمة السوريين المعيشية، وكذلك إشكالية السياسات الاقتصادية تعود إلى قبل الأزمة. وهذا لا يلغي تأثير الحرب على بنية الاقتصاد السوري وانهيار آلاف القطاعات الإنتاجية إضافة إلى تراجع الإنتاج الزراعي والحيواني، وكان لذلك تأثيرات كبيرة في تفاقم الأوضاع المأساوية، إضافة إلى كونها شكَّلت مناخاً خصباً لتفاقم مظاهر النهب والتخريب، والخطف والقتل وسرقة الممتلكات العامة... والحكومة في ذلك المستوى تتحمل قسطاً كبيراً من المسؤولية. وكنا نوهنا سابقاً إلى ضرورة أن تتخذ الحكومة زمام الاقتصاد للحد من سيطرة تجار الحرب على أحوال السوريين، لكن ارتباط السياسات الحكومية قبل وأثناء الأزمة بمصالح شريحة من التجار وأصحاب النفوذ قلَّص من إمكانية اتخاذ قرارات كهذه. مقابل ذلك صرَّح مستشار وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية الدكتور غسان العيد في لقاء مع صحيفة "الوطن" المحلية إنه «لا يمكننا أن نضع اللوم في الفقر الذي وصلنا إليه على أي مؤسسة حكومية، سواء كان البنك المركزي أم الحكومة السورية الحالية، فالمؤسسات الرسمية والشعبية خلقت من الضعف قوة لمواجهة الأزمة، ما أدى إلى تقوية العلاقات الاجتماعية في المجتمع السوري». و«لا يوجد علاقة لأي جهة حكومية بموضوع الغلاء الذي يحصل حالياً، فالغلاء هو نتيجة ارتفاع أسعار المستوردات أولاً ونتيجة تمنع الشركات العالمية عن بيع سورية للمنتجات الغذائية والدوائية، ناهيك عن المستلزمات المعيشية التي لا يمكن للمواطن الحصول عليها بسبب الحصار... مع ذلك تمكنت الحكومة من مواجهة هذا الحصار من خلال سياسيات وضعتها لكبح جماح ارتفاع الأسعار وبالتالي توجيه السياسية النقدية بما يخدم الاقتصاد السوري والمواطن السوري من حيث النتيجة»، موضحاً أنه «إذا تم العمل بهذه الخطط، فإن الاقتصاد السوري سيتعافى بمدى لا تتجاوز الأشهر إلى السنة».
جذور الأزمة الاقتصادية

الحالية تعود إلى
ما قبل الأزمة

نذكِّر أصحاب القرار والمسؤولين عن السياسات الاقتصادية بما فيها النقدية والتجارية، أن جذور الأزمة الاقتصادية الحالية تعود إلى ما قبل الأزمة، فسياسات الفريق الحكومي الذي كان يقوده السيد عبد الله الدردري، كانت بمجملها تعمل للقضاء على ما بقي من سياسات اقتصادية اجتماعية وتنموية، وكان ذلك يتم في سياق تحرير الاقتصاد وخصخصته وإطلاق يد التجار بذريعة أن المدخل إلى التنمية يكمن في تحرير التجارة، ورافق ذلك تحرير الأسواق والأسعار وبشكل خاص حوامل الطاقة، إضافة إلى تراجع الدولة عن دعم بعض الصناعات والقطاعات الأساسية. هذا في وقت ما زالت أكبر الدول الرأسمالية تتمسك بدعم بعض القطاعات الإنتاجية الأساسية حرصاً على دورها وعلى مصالح شرائح اجتماعية معينة. فكانت الحكومة السورية سبَّاقة في التخلي عن دعم وتطوير قطاعات اقتصادية حيوية واستراتيجية، وبشكل خاص التنموية. وأطلقت العنان إلى حيتان السوق للتحكم بمصير السوريين. وكان ذلك يثير كثيراً من التساؤلات حول طبيعة العلاقة التي تربط الحكومة مع هؤلاء. فكان الاستنتاج الأكثر موضوعية هو أن سياسات الفريق الحكومي تمثل شريحة من التجار والمتنفذين. وهؤلاء كانوا في معظمهم، نتاج مرحلة سابقة تمكنوا خلالها بحكم الأوضاع السياسية، وانتشار الفساد والبيروقراطية، من تعطيل ونهب القطاع العام. وفي السنوات الأخيرة بات هؤلاء يتحكَّمون بأشكال ومستويات مختلفة، في وضع السياسات الاقتصادية والنقدية الكفيلة بتوظيف ثرواتهم. ويتزامن ذلك في الوقت الراهن مع ظهور تجار الحرب، الذين يمارسون أشكال الانتهاكات والتجاوزات كافة لتجميع ثروات طائلة، مصدرها جيوب الفقراء وبطونهم. وقد حذرنا سابقاً من مخاطر تحرير الأسواق، ومن عدم وضع سياسات صارمة لحماية الصناعية الوطنية غير القادرة على منافسة سلع مستوردة تتمتع بكثافة تقنية عالية، وقدرة تنافسية تفتقد إليها الصناعات السورية. ونذكِّر في هذا السياق بأن الحكومة وقَّعت قبل الأزمة بفترة قصيرة أكثر من خمسين معاهدة واتفاقية تجارية مع تركيا وحدها... حينها حذرنا من خطورة تلك السياسات على الصناعة الوطنية. ورغم أن تلك الاتفاقات لم تجد طريقها إلى التطبيق بسبب اندلاع الأزمة، لكن أصحاب القرار استمروا في ذات الآليات وذهبوا بعيداً في سياساتهم الاقتصادية التحريرية، في لحظة كان من الأجدى أن تمسك الحكومة بزمام الاقتصاد. وما نشهده حالياً يشكِّل نتاجاً لسياسات حكومية تتزامن مع مفاعيل وتداعيات الحرب. في هذا السياق ننوه إلى خطورة استمرار الحكومة في استنزاف السوريين من خلال زيادة المعدلات الضريبية ورفع أسعار حوامل الطاقة، إضافة إلى تخليها عن دعم وحماية المواد الأساسية، وعن ضبط الأسعار والأسواق، وجميعها أسباب ساهمت في تحويل الأسواق إلى ساحة حروب ضحاياها الفقراء والمعدمون، أما أبطالها، فهم شرائح من التجار والنهابين. ومن الواضح بأن حركة الأسواق والأسعار باتت رهينة سعر صرف الدولار الذي يتحكم به تجار النقد الأجنبي، وهؤلاء إضافة إلى بعض المسؤولين، يروجون بأن سبب ارتفاع الأسعار يكمن في ارتفاع سعر المواد المستوردة وتوقف الإنتاج، في خطوة تهدف إلى تأكيد أن الأزمة هي محض مستوردة، ولا علاقة فيها للحكومة وتجار الحرب والفاسدين والمتنفذين. أما أن ما يمر به الاقتصاد السوري هو أمر آني ومؤقت وسينتهي مع نهاية الأزمة، فإنه يتنافى بشكل كامل وصريح مع التحولات العميقة التي طالت بنية الاقتصاد السوري، وأيضاً آلية اتخاذ القرار. ويعود ذلك إلى تسعينيات القرن الماضي، والمتابع للشأن الاقتصادي والسياسات التي كان يتم اتباعها على مدار السنوات الماضية وبشكل خاص منذ عام 2005 «اقتصاد السوق الاجتماعي» يدرك بأن مآلات الاقتصاد ستكون رهينة مصالح شريحة معينة من التجار، وذلك نتيجة تراجع دور الحكومة الاقتصادي مقابل تنامي دور رأس المال الخاص. أما نتائج ذلك فإنها تجلت في ارتفاع معدَّل الإفقار والبطالة. وقد تزامنت تلك السياسات مع احتكار القرار السياسي، وتكثيف الضغط على أي ميول سياسية تعارض التوجهات الحكومية. ونذكِّر بأن القطاع الخاص قبل 2011 كان يستحوذ على 65% من الصناعة (عدا الصناعة الاستخراجية) و75% من النشاط التجاري، أما اقتصاد الظل «ورش، حرف، مصانع، مشاغل، غير مرخصة» فإن حجمه كان يتراوح بين 30 و40% من الاقتصاد السوري. أما وأن الحكومة تمتلك حسب تصريح الدكتور غسان العيد خططاً تستطيع من خلالها تجاوز تداعيات الأزمة وتعيد ترميم الاقتصاد وإعادته إلى الحالة التي كان فيها قبل الأزمة في فترة أقصاها عام، فهذا يجافي الواقع. فالتقديرات الأولية تشير إلى أن حجم الضرر العمراني والاقتصادي يبلغ حوالى 425 مليار دولار، ومبلغ كهذا تعجز عن تأمينه خلال عام واحد أغنى الدول الأوروبية. وهذا يعني أن إعادة الأعمار وترميم وتأهيل البنى الاقتصادية يحتاج إضافة إلى المفاعيل والموارد والخبرات الوطنية إلى دعم ومساعدة الدول الصديقة والمنظمات الدولية. في ذات السياق يستوجب تكليف الدول التي ساهمت بتدمير سوريا في المشاركة المالية لإعادة الأعمار. ونشدد على ضرورة ألا يشكِّل إعادة الأعمار مدخلاً لتحويل سوريا إلى مجال مفتوح للاستثمارات الخاصة والشركات الدولية الكبرى، كونه يساهم في مزيد من النهب والإفقار للسوريين وللموارد الوطنية. وإذا كان ما يقصده الدكتور غسان العيد من أن الحكومة ليست مسؤولة عن فقر مواطنيها يعود إلى أن لا دور اقتصادياً لها، فهذا لا يصب في مصلحة الحكومة ولا يخدمها، لكنه يزيد من تعريتها. ويؤكد أنها تخلت عن مواطنيها قبل الأزمة وأثناءها. وهذا يحمِّلها مسؤولية إضافية، وقد نوَّهنا قبل الأزمة، إلى أن استمرار الحكومة بسياساتها الاقتصادية التحررية سيكون سبباً في نشوء أزمة اقتصادية واجتماعية لن يكون فيها للقوى السياسية المعارضة أي دور جماهيري، ذلك نتيجة المناخ السياسي العام، والأوضاع الذاتية للمعارضة، وانقطاع التواصل بينها وبين القاع الاجتماعي. وألمحنا حينها إلى أهمية أن تعيد القوى السياسية المعارضة تقييم أوضاعها في سياق صياغة سياساتها وبرامجها وآليات اشتغالها وشكل علاقتها بالمجتمع. لكن أياً من الحكومة والمعارضة لم يتخلَّ عن سياساته، أو يقوم بمراجعتها. وها نحن الآن نحصد نتائج ذلك... بتحوُّل سوريا إلى ساحة مفتوحة للإرهاب والتطرف، والتدخل الخارجي بأشكاله وأهدافه المتعددة والمختلفة. * باحث وكاتب سوري