تتسارع التطورات وتزداد التعقيدات والأخطار محلياً وإقليمياً، وبعضها وجودي، ويستمر تأجيل المؤتمر المنتظر للحزب الشيوعي اللبناني بقرار من قيادته التي تستسيغ التمديد لنفسها، للمرة الثالثة على التوالي، محققة بذلك فوزاً – يتيماً - على النظام السياسي اللبناني وخصوصاً برلمانه الممدد لنفسه، أيضاً. في الواقع لا شيء يمنع الحزب من عقد مؤتمره في وقت قريب، سوى المماطلة والتسويف في الاستجابة لشروط حسن التحضير، خصوصاً ما يتعلق بالآلية والإجراءات ولجنة الإشراف. يقود ذلك إلى وضع الشيوعيين امام معادلة صعبة، من صنع قيادتهم، تقوم على المفاضلة بين مؤتمر سيء الإعداد والتحضير والنتائج أو القبول بالتمديد للقيادة نفسها التي فشلت على مدى يقترب من دزينتين من السنوات، في القيام بما من شأنه وضع الحزب على سكة الخروج من أزمته. مؤدى هذا الواقع المؤلم هو إبقاء الحزب خارج الصراعات الدائرة، واحتجاز اليسار عموماً في قلعة فوق تلة لمراقبة الأحداث.


لا تخرج مبادرة اللجنة المركزية الأخيرة عن هذا السياق بالتحديد، رغم بعض ما تضمنته من إشارات إيجابية في نص متداخل ومرتبك ومتناقض، يبدو كأنه صيغ على عجل أو بهدف ضمان الغموض غير البنّاء فيه. ويتطلب الأمر عملية تفكيك وإعادة تركيب لبنود المبادرة كي يتضح مضمونها الفعلي الذي نناقشه في هذه المقالة.
حملت النهاية الدراماتيكية لحياة المناضل الشيوعي المعروف حسن اسماعيل، رسالة قوية إلى عموم الشيوعيين الذين تلقفوها بسرعة قياسية فاحتشدوا لوداعه على إيقاع غضب متصاعد كان تطلبه واضحاً وشبه معلن: انتفاضة على الوضع المزري القائم الذي وجد الشيوعيون انفسهم فيه منذ عقدين من الزمن. أرادت غالبية الجموع ترجمة رسالة حسن وصون دمه من خلال تحويل الاستجابة الواسعة لندائه إلى فعل تغييري، حقيقي وملموس، فلاقاها الأمين العام للحزب، د. خالد حداده، في منتصف الطريق، بعد ان أدرك أن الأمور قد تتخذ منحى خطيراً. فأعلن في الاحتفال التأبيني عناوين مبادرة، تختلف عما كان قد وعد به الذين كانوا يفاوضون باسم حسن ورسالته. وكان قد سبق ذلك بيومين صدور أول نداء باسم القيادات والكوادر في الحزب (إطار معارض) يحذر فيه من مؤتمر تقسيمي ويقترح عناوين واقعية للذهاب إلى مؤتمر توحيدي وجدي للحزب. يؤشر ذلك إلى ظروف نشأة المبادرة، باعتبارها رد فعل شبه اضطراري على وصول سقف الاعتراض الداخلي وحجمه وشكله، إلى نقطة متقدمة ومختلفة نوعياً عما سبقها. ستعكس هذه الظروف نفسها لاحقاً في الشكل النهائي للمبادرة التي أقرتها اللجنة المركزية، في نصّ يتسم بالتراجع عن جوهر خطاب التأبين لأنه، بالتعريف، دفاعي على طريقة الهروب إلى الأمام.
«تستمر الهيئات القيادية في ممارسة دورها إلى أن تقر ما ستقترحه، بعد وقت غير محدد، لجنة حوار تشكلها هذه الهيئات نفسها». «كل من مر على الحزب ولم يلتحق بحزب آخر هو عضو تلقائي فيه ما عدا من فصلتهم القيادة الحالية، لأسباب تنظيمية بحتة، في ظروف من الكيدية والاستنسابية ضمن حملة التخلص من المعارضين». هذه هي المبادرة بعد تخليصها من الإنشاء وإعادة ترتيبها، ويتضح بجلاء أنها تعني عملياً تأجيلاً إضافياً للمؤتمر بتغطية مرجوة من لجنة حوار ستشكل ويمكن أن تضم أفراداً غير منظمين، لا صلاحيات تقريرية لها،

الانفتاح الفعلي يصبح
قابلاً للتصديق حين يبدأ بنبذ الإقصائية كنهج


بل تخضع نتائج أعمالها لقرار الهيئات القيادية نفسها! لا شكّ أن فتح ابواب الحزب أمام عودة النازفين منه، هو تطور إيجابي بحد ذاته، رغم أن صيغته الإطلاقية قد لا تكون سليمة، وهو لاقى استحساناً واسعاً من قبل المئات من الشيوعيين الذين تسربوا على مدى السنوات الماضية من الحزب. كما أن تشكيل لجنة حوار يشاركون فيها هو أمر إيجابي أيضاً، بحد ذاته، رغم أن تجربة مماثلة منذ سنوات بعيدة أفضت إلى ظهور «اليسار الديمقراطي»، بعد أن تبين أن المتحاورين في واد وحسابات القيادة الحزبية في واد آخر. ولكن هل تقاس المبادرة بناء على هذين التفصيلين، المهمّين والإيجابيين مبدئياً، أم على نتائجها المتوقعة؟ ثم هل يمكن الحديث فعلاً عن «روح إيجابية وبنّاءة» في هذه المبادرة، أم عن تشاطر حوّل لحظة الاحتقان إلى فرصة للحفاظ على الوضع القائم؟ تكشف مناقشات اللجنة المركزية لعدد من التعديلات التي اقترحت على مشروع المبادرة، وسقطت، استمرار وجود التشدد حيال مسألتين، هما الأكثر أهمية في مجرى الصراع الدائر حول شروط التحضير لمؤتمر الحزب. وجوب احترام النظام الداخلي وإلغاء مفاعيل قرارات الفصل المتعسفة. ويخطئ من يقلل من معاني ونتائج التشدد حيال هاتين المسألتين فهما شديدتا الارتباط، عضوياً، بجوهر الدعوة لعودة الشيوعيين وإمكان نجاحها. لا بل إن المجاهرة، غير المسبوقة وغير الاعتيادية، بعدم احترام النظام الداخلي هي إعلان واضح عن سقوط فكرة الحزب كاتحاد طوعي يحكم النظام الداخلي العلاقات بين أعضائه، لمصلحة فكر حزب الزعيم الذي يقوم على الولاء، لا على الحقوق والواجبات، الواحدة لجميع أعضائه. ويتناقض ذلك مع أصل الدعوة لعودة غير المنظمين، خصوصاً أولئك الذين نزفوا لأسباب تتصل بالحياة الحزبية الداخلية وغياب الممارسة الديمقراطية السليمة. فكيف ستستجيب الضحية لدعوة شرطها الخضوع المسبق؟ التفسير الوحيد الممكن هو الرهان على عودة النازفين خلال المرحلة السابقة على تولي القيادة الحالية مسؤولياتها. وهذا الأمر له دلالات سياسية خطيرة كون القيادة الحالية تقدم نفسها على أنها امتداد لعملية القطع السياسي التي حصلت في المؤتمر التاسع، مع نهج تأييد الدعوة للديمقراطية على ظهر الدبابة الأميركية. وفي هذا السياق، تحديداً، يمكن تفسير التشدد الآخر في رفض إلغاء مفاعيل قرارات الفصل التي اتخذتها القيادة الحالية، لأسباب ملفقة، تنظيمية وغير مثبتة، بحق معارضين لممارستها السياسية والتنظيمية، بعد المؤتمر الأخير. فمؤدى المبادرة النهائي هو الصعود، مجدداً، على أجساد ضحايا القيادة الحزبية، بتغطية من ضحايا غيرها ممّن ستكون عليهم مواجهة التحدي الأخلاقي الذي تخلقه هذه العملية الملتبسة. وفي الواقع فإن العديد من هؤلاء يتبنون الهواجس نفسها ويميلون للتعاطي الحذر مع ما يعتبرونه «هروباً إلى الأمام».
ليس في الرصيد ما يشجع على الثقة ولا تنفع الرغبوية في تحويل الأوهام إلى حقائق. ومن الواضح ان عملية «استجلاب» عائدين جُدُد هدفها الوحيد خلق تناقضات تأمل القيادة الحالية توظيفها من أجل التمديد لنفسها مجدداً، خلافاً للنظام الداخلي. فالانفتاح الفعلي، المطلوب والمفيد، يصبح قابلاً للتصديق حين يبدأ بنبذ الاقصائية والإلغائية كنهج، وهو ما فشلت اللجنة المركزية في تحقيقه.
* قيادي يساري ــــ لبنان