من أهمّ حجج مدرسة نقد الاستشراق التشكيك في ثنائية «شرق ــــ غرب»، التي تكرّست في الثقافة والمخيال الجماعي الغربي (ومن ثم العربي والاسلامي)، حتى صار مستخدموها يعتبرون، بداهةً، أنّ هناك كتلة ماديّة اسمها «الشرق» تواجه «غرباً» ذا صفاتٍ مختلفةً عنها – أي كـ «فسطاطين» حضاريين لكلّ منهما جوهره الخاص.


في الحقيقة، قال المؤرخون المعاصرون، الشرق والغرب هما مفهومان سياسيان اصطناعيان، ولا يعكسان حقيقة جغرافية يمكن تلمّسها أو اثباتها أو تتبعها تاريخياً. لا يمكن تقرير «حدود» واضحة تفصل «الشرق» عن «الغرب»، وأي تقسيم من هذا النوع نجد انّه قد تغيّر وانزاح مراراً عبر الزمن. في الوقت نفسه، تقدّم هذه الثنائية الزائفة المفهومين (الشرق والغرب) ككتل صمّاء ومتّسقة داخلياً، ما يطمس حقيقة أنّ «الشرق» و»الغرب» (بأي فهم لهما) هما عوالم متنوّعة، وأنّ تاريخ حوض المتوسّط هو تاريخ تفاعل وتداخل بين ضفافه، وليس تاريخاً لمسارين منفصلين.
من اسوأ النتائج «الجانبية» لأحداثٍ مثل 11 ايلول والرسوم الدانماركية، أو هجوم باريس الأخير، انّها تكرّس هذه الثنائية وتؤطّر النقاش حول هذه الأحداث كحوارٍ متخيّل بين «الشرق» و»الغرب». هنا، يستوي – بمعنى معيّن – من ينادي بالعداء الحضاري ومن ينادي بـ «حوار الحضارات»، طالما انّهما يرتكزان على الأرضية نفسها والتقسيم نفسه للعالم (تماماً كما أنه، ضمن الدولة الوطنية، يتشابه خطاب العداء الطائفي مع خطاب الاخاء بين الطوائف في انهما يفترضان وجود أممٍ متمايزة ضمن «الوطن»).
من يبدأ من منطلقات سيئة يصل دائماً الى خلاصات رديئة، وهذا ما رأيناه بجلاء في حالات كالرسوم الدانماركية، حيث رُسم ميدان «الحوار» كمسرحٍ رمزيّ متخيّل، يمثّل الغرب فيه أمثال صحيفة «يولاند بوستن» وحزب الشعب الدانماركي العنصري، وينطق باسم الشّرق الشيخ القرضاوي (الذي قدّم حينها مبادرة لـ «الحوار مع الغرب»). فيتمّ حصر العلاقة بين المجتمعات ضمن هذه الثنائية الاستشراقية، حيث يتمثّل الشرق والغرب باسوأ ما فيهما – وهذا طبيعي، فالمنظمات العنصرية والشيوخ الرجعيون هم أكثر من يستثمر في هذه التقسيمة الحضارية ويعتاش عليها ويتماهى معها.
هذه عملية شبيهة بقواعد الاجتماع اللبناني، حيث يتم اختزال الشعب الى فئات و»أطياف»، وهذه الفئات يمثّلها امراء حرب وزعماء طوائف ومجرمون ولصوص، يتحاورون ويختلفون ويجسّدون «الشعب» اللبناني رمزياً. لهذا السبب، من الضروري للانسان أن يحافظ على نقديته في وجه خطاب القوّة وتمثّلاته، ولو كان يتدثّر بمفاهيم «نبيلة» كالتضامن الانساني والحرية، والا وجدت نفسك تقف في خندق جورج بوش وشركائه في حربهم ضد «الارهاب». هذا المنطق هو الذي أوصلنا الى مشهدٍ كالذي رأيناه في باريس منذ يومين، حيث تصير حرية الرأي والانسانية والحضارة ومعاداة الارهاب تعني أن تسير خلف أمثال هولاند ونتنياهو والملك عبد الله.