أجواء من التفاؤل والإيجابية رافقت طرح موسكو لفكرة عقد لقاء يجمع اطراف المعارضة السورية بأكثرِ تنوعٍ ممكن لإيجاد تقارب وتوافق في ما بينها على نقاط ومواضيع محددة، يحملها وفدٌ يمثل المعارضة بأوسع اطيافها قادرٌ على ملء المقاعد الفارغة على طاولة الحوار السياسي مع الحكومة السورية، وقادرٌ أيضاً على إقناع المجتمع الدولي في تقديم كامل الدعم له، وبالتالي توفير متطلبات ترجمة ما ينتج من طاولة الحوار السياسي والبدء بالسير في طريق الحل السلمي الذي يستدعي من جميع الاطراف حشد كل الطاقات والإمكانات المطلوبة لإنجازه.

منذ البداية لم ترفع موسكو من سقف المطلوب من هذا اللقاء، بل كان حراكها يهدف بشكل اساسي إلى تحقيق فكرة إنجاز لقاء بين أطرافٍ وشخصياتٍ من المعارضة التي لم تكن تلتقي أو تجتمع سابقاً بل كانت مختلفة بشكل كبير في ما بينها على غالبية الخطوط العريضة والتفاصيل الصغيرة في رؤية شكل وآلية الخروج من الأزمة. لذلك، كان هناك نشاط كثيف قبل نهاية العام المنصرم في العاصمة الروسية موسكو وعواصم ومدن أخرى، التقى فيها الجانب الروسي شخصيات سورية معارضة مستقلة وأخرى تمثل الائتلاف وهيئة التنسيق ووفودٍ من معارضة الداخل والخارج، في محاولة لخلق وتهيئة أرضية مشتركة بإمكانها أن تجمع أطراف المعارضة لإجراء حوار مثمر يفضي إلى وثيقة تفاهم تكون بيد المعارضة عند طرح أي مبادرة للحل تمكن مناقشتها مع وفد الحكومة السورية.

ترى موسكو أن الحل
السياسي يبدأ من التوافق بين أطراف المعارضة في ما بينها للوصول إلى صيغة اتفاق ترتضيها جميع أطرافها

لم تقدم موسكو مبادرة للحل في سوريا تتطلب اجتماعاً بين وفد من الحكومة وآخر من المعارضة لمناقشتها، ومن المبكر تسمية ما سيجري في موسكو حواراً بين المعارضة والحكومة أو لقاء تشاورياً أو مفاوضات أو غير ذلك من مسميات قد تخلق حساسية لدى البعض الذي لا يزال رافضاً للحوار إلا بشروط غير قابلة للتنفيذ وبالتالي معرقلة للحل.
موسكو كانت واضحة في هدفها الأساس وهو استقطاب المعارضة السورية بمختلف مكوناتها والدخول كشريك اساسي مع أميركا والغرب في إمكان التأثير في تلك المعارضات بالاتجاهات التي تحقق مصلحة السوريين، ومصلحة موسكو وحلفائها في المنطقة والعالم الذين أصبحوا متأثرين بشكل ملحوظ بما يجري على الساحة السورية، لارتباطات هذه الساحة بباقي ساحات وقضايا الصراع في المنطقة والعالم. وترغب موسكو بشدة في تحقيق انجازات كبيرة إن أمكن، لكنها ترضى في النهاية بتحقيق خروقات مهمة وتُسَجَّل في رصيدها في بعض الاتجاهات، كونها تدرك تماماً صعوبة وتعقيد المسألة السورية، وتداعيات أي حل يُتفق عليه على عدد من دول الإقليم التي لا تزال متمسكة برهانات تحولت إلى شَرْطيَّة أصبحت خسارتها تهدد استقرار حكم تلك الدول واستمرار وجودها. من هنا لم ترفع موسكو من سقف توقعاتها لما قد ينتج من حراكها، ويُحسب لها حتى الآن أنها حققت خرقاً مهماً على مستوى الحل السياسي السوري ويتمثل بتمكنها من خلق حراك جدي في ساحة المعارضة السورية باتجاهات إيجابية من المفترض أن تتلقفها وتعمل عليها كل الأطراف لتكريس التقارب والوصول إلى توافق. بدأ هذا الحراك من موسكو وينتقل إلى أكثر من مدينة أخرى كالقاهرة وأبو ظبي واسطنبول وغيرها.
ترى موسكو أن الحل السياسي يبدأ من التوافق بين أطراف المعارضة في ما بينها للوصول إلى صيغة اتفاق ترتضيها جميع أطرافها، ووفد يمثلها بشكل متوازن لتكون قادرة على تثبيت نقاط تلاقي بينها وبين وفد الحكومة للوصول إلى مخرجات حوار تُرضي السوريين جميعاً وقابلة للتنفيذ بدعم داخلي وإقليمي ودولي. الحكومة السورية رحبت بالحراك الروسي وأبدت استعدادها للمشاركة. موسكو حددت اسماء المشاركين من المعارضة ووجهت لهم الدعوة بصفتهم الشخصية. 28 معارضاً سورياً من الداخل والخارج يمثلون غالبية المعارضة السورية باستثناء الإخوان المسلمين.
بدأ الحراك السياسي الذي أرادته موسكو. اجتماعات بين أطراف من المعارضة في أكثر من مدينة وأكثر من تاريخ، لا بد أن تفضي في النهاية إلى حضور من المأمول أن يكون أوسع طيفاً وأكثر تمثيلاً للمعارضة في موسكو، وهو ما يجب النظر إليه بإيجابية حيث لم تتمكن اللقاءات السابقة في مؤتمر جنيف واحد وجنيف اثنين من تحقيق أدنى نسبة تمثيل يشمل أطراف متعددة للمعارضة، بل كانت إقصائية وحكراً على جهة واحدة شاركت وهي تعاني من انقسامات وانشقاقات داخلية كبيرة.
بدأت صورة اللقاء تتضح وترتسم معالمه الأساسية، انتخابات الائتلاف السوري المعارض في تركيا أعادت لتركيا دورها القوي وحصتها الكبرى فيه وأفرزت رئيساً سارع إلى رفض المشاركة في لقاء موسكو. وخوَّن وهدد بفصل اي عضو من الائتلاف يحضر هذا اللقاء وإن كان بصفته الشخصية. تركيا لم تُخفِ وجهة نظرها التي عبر عنها الخوجة رئيس الائتلاف. بدوره معاذ الخطيب الذي سوَّقت له موسكو دوراً محتملاً في المستقبل وفي حل الأزمة أعلن رفض المشاركة في هذا اللقاء. أميركا تلعب دور المراقب الواثق من خواتيم الأمور وتلتف حولها فرنسا والغرب. السعودية برجالاتها في المعارضة تعرقل أي مسعى لا يحقق مطلبها الذي يُمثِّلُ لُبَّ رهانها الذي نسفته المعطيات على الأرض وما يحققه الجيش السوري والمتغيرات في أولويات التعاطي الدولي مع ما يجري في المنطقة وسوريا بالتحديد. لكن رغم كل ما سبق لا يزال في القائمة ما يستحق الانتظار.
هي قراءة لواقعٍ ليس بجديد لكن من الضروري فهمه لنكون منطقيين في تحركنا إلى موسكو، ومن الضروري أيضاً أن نتمسك بإنجاز وإنجاح هذا اللقاء ليؤسس لحوار سوري ـ سوري بين أطراف المعارضة المختلفة بدايةً، والتي من المفترض أن يُعوِّل عليها الشعب السوري آمالاً كبيرة حين يقتنع ويثق أن منطلقاتها وأهدافها سورية ووطنية بحتة. هي التي خذلته حتى الآن إما لضعفها وهزالتها، أو لفظاظة ارتهانها للخارج وارتباطها بأجندات غير وطنية. ثم ينطلق الحوار بين المعارضة والحكومة لتكون البداية الحقيقية للخروج من الأزمة، وليست مجرد إضافة جديدة لمحطات الإخفاق والفشل على مستوى الحوار والحل السياسي، والإحباط والألم على المستوى الشعبي والوطني.
* اعلامي سوري