لم يأتِ مصطلح «المثقّف» من عدم. هو نتاج النخبة الفكريّة السائدة التي روّجت لتراتبيّة قيَميّة في تقسيم العلم بين يدوي وذهني. وعليه، فإن العمل اليدوي لا يحظى باحترام، ولا يحظى بتقدير في المكافأة الماليّة. على العكس، يلقى العمل اليدوي احتقاراً ويفترض انه من المستحيل على العامِل القيام بوظيفة غير يدويّة لأن قدراته العقليّة لا تسمح له بغير المهنة الوضيعة. أما العمل الذهني، فيُكافأ اجتماعيّاً لأن له ألقاباً تصاحبه (من «أستاذ» إلى «مفكّر» و«ناقد» أو «بروفسور»). كذلك انه يحظى باحترام مَن يظنّ ان لا قدرة على المثقّف للقيام بالعمل اليدوي لأن قدراته الذهنيّة لا تسمح له بذلك. هذا نتاج فكر «أسطورة المعادن» في «جمهوريّة أفلاطون».
لا شكّ في أن مواقف المثقّفين والصحافيّين العرب تباينت وصعدت وتغيّرت على مدى العقود الماضية. هناك من ناصر عبد الناصر وهتف له، ثم عاد وذمّه في عصر غيره، هناك من زعم أن الحلّ علماني، ثم ناصر الثورة الإسلاميّة في إيران، ثم عاد وذمّها، وهناك أيضاً من كان من عتاة الستالينيّين في زمن الاتحاد السوفياتي ثم عاد وزعم أنه لم ينضوِ في الحركة الشيوعيّة إلا من أجل الديموقراطيّة.
تبدو التقلّبات المتعدّدة والمتباعدة نافرة في لبنان وفي العالم العربي، لكن من اللافت أن أقصى متطرّفي الستالينيّة في زمن الاتحاد السوفياتي باتوا أقصى متطرّفي الحريريّة في زمن الحقبة السعوديّة.

لكن ليس تغيّر المواقف سمة لمثقّفي لبنان فقط. لا، هناك ظاهرة الانتهازيّة والتلوّن والزئبقيّة والحربائيّة، وحتى تغيّر المواقف في عدد من الدول، وهي ظاهرة جديرة بالدرس في كل بلد على حِدة. هناك مثل ألماني أصبح عالميّاً: «الذي لا يكون ليبراليّاً في العشرينيات يكون بلا قلب، والذي لا يكون محافظاً في الأربعينيات من العمر يكون بلا عقل». إن الخلاصة الانتهازيّة من هذا المثل لا تقبل الشرح، هي تفترض ان المصلحة الماديّة تتحكّم بالإنسان في سن ما بعد الأربعين وإن الذي يحافظ على مبادئ سنوات الشباب يكون فاقداً للحكمة، وهناك أمثلة عن تحوّل من اليسار إلى اليمين أكثر مما هناك تحوّلات من اليمين إلى اليسار، هذا ملحوظ في الغرب بالفعل، كما أنه ملاحظ في الشرق. من خلال سنواتي في أميركا، لا أستطيع ان أعثر على مثال لمَن تحوّل من اليمين إلى اليسار إلّا أريانا هافنغتون (صاحبة موقع «هافنغتون بوست») وديفيد بروك الصحافي في مجلّة «أميركن سبكتيتر» الذي تحوّل من دعائي حادّ ضد بيل كلينتون إلى دعائي حادّ ضد خصومه. وظاهرة المحافظين الجدد بدأت كحركة من قبل شيوعيّين سابقين تحوّلوا إلى محافظين متطرّفين في عدائهم ضد الشيوعيّة واليسار بصورة عامّة (خلافاً لما يكتب في الإعلام العربي، لم يكن الجيل الثاني من المحافظين الجدد يضمّ شيوعيّين سابقين: إن بول وولفويتز وديفيد بيرل تحوّلوا من الحزب الديموقراطي — الذي لا يمكن ان يُحسب على اليسار — إلى الحزب الجمهوري).

ليس الخيار أمام
الإعلامي العربي هو بين الدعاية لسلالات النفط والغاز وبين محاربتها

لكن الغرب يجعل ساحة التصارع الفكري والسياسي أكثر إنصافاً وتوازناً لأن هناك من المؤسّسات والوسائل الإعلاميّة ومن الأثرياء الذين يموّلون الحركات السياسيّة المتصارعة (بين وسط ويمين فقط) ما يسمح للمرء بالانتقاء لو أراد ذلك. لكن الساحة لا تتسع خارج نطاق الحدود الإيديولوجيّة للحزبيْن السائديْن إن في أميركا أو في فرنسا أو في ألمانيا. الخيار اليساري الاشتراكي ليس له من يدعمه أو يموّله، وكانت هناك مؤسّسة أبحاث اشتراكيّة في واشنطن («مؤسّسة دراسات السياسات» حيث تعرفتُ إلى إدوار سعيد للمرّة الأولى في حياتي). لكن المؤسّسات اليمينيّة تتمتّع بوفرة ماليّة أكثر بكثير من المؤسّسات الليبراليّة. كان مرتّب ديفيد بروك، المذكور أعلاه، أكثر من 300000 دولار في السنة في التسعينيات. ليست هناك هذه المرتّبات المرتفعة في المؤسّسات الوسطيّة والليبراليّة.
لكن ليس كل تغيير في المواقف يحدث بداعي الانتهازيّة والنفاق. لا، هناك حالات لتغيير في المواقف لا تكون مصحوبة بمنفعة ماديّة، هناك من تقاعد من حركات اليسار وانزوى في المنزل، وهناك من هجر اليمين إلى مواقع أخرى عن قناعة لا مصلحة ماديّة فيها.
أما في العالم العربي، فيمكن الخروج بهذه الخلاصة: إن الفئة المثقّفة السائدة تتبع النظام العربي السائد وتستفيد منه بحكم سيادته. في الحقبة الناصريّة، كان عدد الكتّاب والمثقّفين الموالين لعبد الناصر أكبر بكثير من المعارضين له. وكان المعارضون له، من صنفيْن: صنف البعثيّين والسوريّين القوميّين الذين عارضوه لأسباب عقائديّة صرفة، وصنف المثقّفين الذين تبعوا الأنظمة المعارضة لعبد الناصر والذين تلقّوا تمويلاً منها (إن كان النظام الأردني او السعودي أو الكويتي أو الحكومات الغربيّة). لكن الفارق آنذاك أن الحكومة المصريّة كانت مقتّرة في تمويل الإعلام العربي لأنها تمتّعت بدعم شعبي قوي، ما ضغط على الإعلام العربي كي يركب الموجة ويعبّر عن عواطف وتطلّعات الرأي العام. (كان دعم المطبوعات الناصريّة في لبنان، مثلاً، ينحصر في تقديم الورق المدعوم لهم من قبل السفارة المصريّة، فيما كانت الأنظمة الخليجيّة تغدق العطاءات الماليّة على أبواقها).
لكن التعدّديّة الإيديولوجيّة في زمن الخمسينيات والستينيات (الذي يُذمّ يوميّاً في إعلام النفط والغاز لأن آل سعود وتوابعهم الذين لم يتحرّروا من عقدة جمال عبد الناصر بعد) سمحت بتنوّع حقيقي في الآراء والأهواء والعقائد عند المثقّفين العرب. وكانت هناك مروحة هائلة من الأحزاب التي يستطيع المرء ان ينضوي فيها ومن دون مردود مالي. على العكس. كانت ظاهرة الأحزاب في بداياتها طوعيّة (لم يكن الانتماء إلى حزب البعث، قبل وصول الحزب
إلى السلطة في العراق وسوريا، مصلحيّاً منفعيّاً بل كان المرء يتحمّل أعباء الانضمام بما فيها السجن او القتل).
لكن الحال تغيّرت بعد الزمن الناصري. تقلّصت المروحة السياسيّة ولم يعد خيار الأحزاب متاحاً، إما لأن الأحزاب تعرّضت للقتل والإفناء (مثل الحزب الشيوعي السوداني أو «الإخوان المسلمين» في مصر وسوريا) أو لأن عقائد تلك الأحزاب بادت وتلوّثت بتجربة السلطة، أو لضمور وعد التغيير من قبل أحزاب لم تستطع ان تحافظ على سمعتها وصدقيّتها. والأنظمة على أنواعها (الملكيّة والجمهوريّة) إما منعت الأحزاب بالكامل أو سمحت فقط بأحزاب الطاعة.
ويمكن تخفيف الحكم على المثقّف والصحافي العربي لو أخذنا في الحسبان بعض الخصائص المُعذرة: 1) لا يوجد في معظم الجامعات في بلادنا نظام التثبيت الذي يُعطي الأكاديمي دخلاً دائماً غير خاضع لتدخّل الحكومة مهما صدر عن الرجل أو المرأة من آراء. 2) لا يُسمح في بلادنا بإعلام مدعوم من قبل القرّاء أو المشاهدين فقط، وعليه فإن الاعتماد يكون على الدولة أو أصحاب الميليارات المرتبطين بها. 3) فقد التنوّع في وسائل الإعلام العربي الذي كان سائداً في زمن الخمسينيات وما بعد حتى السبعينيات. لكن في فترة السبعينيات انحصر التنوّع في أنظمة النفط فقط: الليبيّة والعراقيّة والسعوديّة والإماراتيّة. 4) ليس هناك اليوم إعلام غير نفطي (أو غير غازي) في العالم العربي. وإمكان العمل الصحافي خارج السيطرة السعوديّة - القطريّة صعب للغاية، صحيح ان هناك وسائل إعلام مدعومة من قبل النفط الإيراني لكنها أقلّ بكثير من وسائل الإعلام الخليجيّة كما أنها لا تدفع المرّتبات الضخمة، أي أنها تجذب إليها الميّالين إلى خطّها السياسي، وليس الساعين وراء تراكم المرتّبات.
لكن هناك أسباب غير تخفيفيّة. ليس الخيار امام الإعلامي العربي هو بين الدعاية لسلالات النفط والغاز ومحاربتها. يستطيع الصحافي ان يعمل في وسائل إعلام نفطيّة وان يحافظ على حد معيّن من الكرامة والخفر السياسي، ليس كل كتّاب إعلام أمراء النفط سواء. هناك منهم من يعمل من دون ان يتنطّح إلى دور البوق الدعائي المبتذل، والذي يجد عرضاً كبيراً لأنه يدرّ مالاً أكثر خصوصاً أن الصحافة المكتوبة تفتح الطريق أمام إطلالات تلفزيونيّة تدرّ بضعة آلاف الدولارات الإضافيّة في الشهر لمَن لا يزعج أنظمة النفط والغاز التي تسيطر على الشاشات. لكن الخيار في وسائل الإعلام هو بين العمل المتواضع وبين المرتّب الضخم ونيل منزل منيف في لندن. يقول لي مصدر في جريدة «الحياة» في لندن ان المثل المُحتذى عند العاملين في الجريدة هو جهاد الخازن لأن خالد بن سلطان منحه منزلاً في «حيّ راق» في العاصمة البريطانية، هذا السعي ليس من ضرورات الحياة، والذي يسعى إليه — من دون ان يناله — يفعل ذلك بعلمه انه سيضطرّ إلى دفع ثمن أكبر في الولاء. (جهاد الخازن نفسه أعلن في «الحياة» قبل أيّام أن هناك «مساحة حريّة واسعة للكتّاب» في الإعلام السعودية، لكن الرجل لم يتقلّب مثل غيره. هو واظب عبر العقود على موالاة آل سعود).
كيف نعزو هذه التقلّبات: هناك نظريّتان في الموضوع. نظريّة أولى يروّج لها المتقلّبون وتفيد أن التقلّب هو بناء على وحي عقلي لا علاقة له بأسباب أو ظروف أخرى. أي ان التقلّب هو نتاج جهد ذهني يقود المرء من الحزب السوري القومي الاجتماعي إلى الساداتيّة أو السعوديّة، مثلاً. والنظريّة الأخرى، المُناقضة، تردّ السبب ماركسيّاً إلى العنصر المادّي، أي ان المنفعة الماديّة هي المؤثّرة. كيف تفسّر مثلاً من ناصر نظام القذّافي عندما عمل في وسائل إعلامه وعاد وذمّه في وسائل إعلام حريريّة وسعوديّة؟ كيف يمكن تفسير حالة صاحب مجلّة «الوطن العربي»: المجلّة كانت بوقاً للنظام العراقي لسنوات طويلة وهي جاهرت بتأييد النظام العراقي بعد اجتياح الكويت في آب 1990، وعادت وناقضت موقفها السابق بعد أسابيع فقط عندما ابتاعها (أو استأجرها، لا فرق) خالد بن سلطان عندما جال في رحلة شهيرة في صيف 1990 ليبتاع وسائل إعلام عربيّة كي لا يكون هناك نقد لمواقف أنظمة الخليج في الحرب التي كانت أميركا تعدّها لنا، أم أن نظريّة الوحي والإلهام هي الصائبة، وان الشراء المالي هو صدفة؟
إن التقلّبات في أهواء المثّقفين والكتّاب العرب هو فحوى كتاب ثناء عطوي الجديد «حوارات في المسارات المتعاكسة»، والذي يستحقّ قراءة واسعة. وحسناً فعلت في إيلائها لهذا الموضوع الذي لا يفوت أي قارئ أو مشاهد. هناك مَن انتقل في غضون أشهر بعد اغتيال الحريري من ضفّة إلى ضفّة متعاكسة وذلك بسبب قدرة المال الحريري والسعودي على الجذب. وعطوي نجحت في تكوين صورة عن تقلّبات كل من الذين (واللاتي) سآلتهم في الكتاب وإن كانت مُقلّة في الأسئلة المتوالية او المتعاقبة.
هي تبدأ الكتاب بتجربة حازم صاغيّة، وهناك أسئلة أجاب عنها وأسئلة لم تُطرح عليه، وهي تنطبق — للانصاف — على فئة من الكتّاب في العالم العربي. هل يمكن الركون إلى نظريّة الصدفة في تفسير تغيير الموقف من الدعوة إلى قتل أنور السادات إلى اعتناق مواقف ساداتيّة؟ وماذا عن حالات أخرى تسم الإعلام العربي حيث يتغيّر موقف الكاتب جذريّاً بمجرّد تغييره للوسيلة الإعلاميّة التي يعمل فيها؟ ماذا عن الذي (أو التي) يناصر المقاومة في وسيلة إعلام مناصرة للمقاومة، ثم يعود لهجاء المقاومة عندما ينضمّ إلى وسيلة إعلاميّة نفطيّة أو غازيّة؟ هذا النوع من التغيير يصعب ان يردّ إلى الإلهام الربّاني او العقلي.
وهناك مقطع لافت لصاغيّة في الكتاب، إذ يقول في تفسير التوفيق بين ليبراليّته المُعلنة وبين النظام السعودي: «أعتقد ان الفرق بين السعوديّة وإيران، هو أن النظام السعودي أكثر تقدّماً من المجتمع السعودي وهو يتمنّى ان يخفّف من تشدّده» (ص. 22). لكن أليست هذه الحجّة هي حجّة الفاشيّة في أنها تقود المجتمع المنصاع لأنها تتقدّم عليه وتعرف مصلحته أكثر منه؟ وما هي مظاهر التقدّم في المجتمع السعودي؟ هل رائف بدوي (والذي أختلف مع الكثير من آرائه التي هي أقرب إلى آراء صاغيّة من آرائي) هو مثال للمواطن الذي لا يشاطر «تقدّم» النظام السعودي؟ وما سرّ ان بدوي هذا لم يجد مناصراً واحداً في صفّ كل الليبراليّين العرب الذين يستعينون بليبراليّتهم فقط لمناصرة حريّة الفرد في الأنظمة التي تعادي آل سعود؟ أي ان التقلّب ليس السمة الوحيدة بل المواقف المعلنة لا تنسجم مع الإيديولوجيّة المعلنة، والتي تتعارض مع توجّهات الوسيلة الإعلاميّة التي يعمل بها الكاتب. هذه أسئلة تحتاج إلى إيضاح لم يرد في الكتاب.
وهناك حالة «الثورة الإسلاميّة» في إيران والتي جذبت الكثير من اليساريّين العرب (لم أكن أنا وصحبي من الطلاّب اليساريّين الثوريّين منهم) مثل صاغيّة وروجيه عسّاف (الحالة الثانية من الكتاب). تبدو حالة عسّاف مقنعة لأن انضواءه في صف النظام الإيراني حرمه من فرص ماديّة وفنيّة كان يمكن ان يستفيد منها. تبدو حالة عسّاف للقارئ كما وصفها هو، وإن كان يجد صعوبة في شرح تطوّر نقده (الطفيف جدّاً) للنظام الإيراني. وأنا — قد أكون وحيداً — لا أفهم كيف ان «الثورة الإسلاميّة» يمكن لها ان تزعزع القناعة الماركسيّة للفرد.
لكن حالة القلق التي اعترت التوجّهات والقناعات السياسيّة للمثقّفين العرب حقيقيّة وليست وهميّة. هناك من كان يسعى بصدق لتحرير فلسطين، وهناك من كان يسعى بصدق للوحدة العربيّة وهناك من كان يسعى بصدق للتنمية الاقتصاديّة. لكن هناك أيضاً مَن كان يسعى لعرض خدماته على أقرب أمير أو شيخ نفطي، وهناك مَن كان هو لا يحترم قناعاته وكتاباته وكان مستعدّاً ان يناصر عبد الناصر في زمن عبد الناصر، وأن يناصر السادات في زمن السادات وان يناصر الملك السعودي — كائناً من كان الملك السعودي حتى لو اختار آل سعود قرداً من القردة — في زمن الطغيان الإقليمي السعودي. هذه التناقضات لا يمكن ان تحلّ بطريقة اللجوء إلى نظرية التجوال الفكري المحض.
أما شهادة فوّاز طرابلسي فكانت أكثرها صدقاً وممارسة للنقد الذاتي، وهو كان على حقّ عندما لاحظ «الجهة الوحيدة التي تلطم نفسها هي اليسار. اليمين يرتكب المجازر ويدمّر ومن دون أن يرفّ له جفن، فيما اليساريّون لا يخرجون من دائرة حساب أنفسهم، وهذا نتيجة ثقة اليسار الضعيفة بأنفسهم». (ص. 79) وهذا النقد ينطبق خصوصاً على محسن إبراهيم الذي قدّم اعتذاراً مجانيّاً (بالنيابة عن اليسار!) عن حرب تجنّب اليسار إشعالها وخوضها. وقدّم طرابلسي أيضاً وجهة نظر عن مسؤوليّة القادة في توجيه شباب إلى القتال (ص. 84)، خصوصاً تلك المسؤوليّة التي تحكم مَن ينظّر للحرب في غضونها ويتملّص منها في ما بعد (كما فعل إبراهيم، مثلاً).
أما دلال بزري فتقدّم حالة أخرى من تحوّل ذريع من أقصى اليسار إلى اليمين (وهي أيضاً من خلفيّة منظمة العمل الشيوعي، التي أسهمت أكثر من غيرها في إنتاج حالات التقلّب الكثيرة في أوساط المثقّفين والكتّاب في لبنان). وهي تعترف بالمحظورات التي فرضتها عليها جريدة «الحياة» لكنها تقول إنها في جريدة «المستقبل» همّها هو «الحريّة» (ص. ص. 95). هل هي تقول إن همّ الحريّة هو أيضاً همّ جريدة عائلة آل الحريري؟ وانتقلت بزري من حمل السلاح للدفاع عن الثورة الفلسطينيّة إلى «رفض الحرب مع إسرائيل» (ص. 93). لكن الذين يرفضون الحرب مع العدوّ الإسرائيلي لا يجيبون عن سؤال بديهي: ماذا نفعل عندما يشنّ العدوّ حرباً علينا؟ هل نكتفي بقرع الطناجر احتجاجاً مثلاً؟
أما شهادة عبّاس بيضون فهي تفتقر إلى الصدقيّة عندما يقول إنه انضمّ إلى منظمّة العمل الشيوعي لأنه كان «ليبراليّا ديموقراطيّاً» (ص. 112). لماذا لم ينضم مثلاً إلى «الكتلة الوطنيّة» في حينه؟ لا، أكثر من ذلك، يعترف بيضون أنه بقي منضوياً في خط الحركة الوطنيّة لسنوات طويلة «بحكم العادة». (ص. 118). وفشل بيضون في شرح أسباب انتقاله من منظمّة العمل الشيوعي إلى كتابة مرثيّة عن بشير الجميّل لأن خطاباً له أعجبه، ثم عاد وكتب نقداً له لأن خطاباً له لم يكن قد قرأه له نُشر ولم يعجبه (ص.127).
أما الفضل شلق فيفشل أيضاً في شرح التلاقي بين الماركسيّة الثوريّة وبين المشروع الحريري في لبنان، والذي لم يختلف معه علنيّاً إلا بعد موت رفيق الحريري. ويقول إن الرأسماليّة لم تجلب «لنا إلا الحروب» (ص. 150) من دون أن يعترف لنا ان رأسماليّة الحريري هي أيضاً جلبت لنا الحروب، في لبنان وفي المنطقة. ويعترض شلق على تنقّل المثقّفين لأنه لا يرى في انتقاله من الماركسيّة الثوريّة الى الحريريّة تعارضاً. لكن شلق بقى على الأقلّ محافظاً على عدائه المطلق للعدوّ الإسرائيلي.
وحالة هاني فحص هي أكثر نفوراً في تحوّلاتها. هو تدرّب على السلاح ودرّب غيره على السلاح لكنه يقول: «لم أكن عنفيّاً». (ص. 172) لكن، لماذا تدرّب على السلاح إذاً؟ وفحص يعتب على النظام السعودي لأنه سحب دعوة له لحضور مهرجان «الجنادريّة» المعظّم لأن ابنه أعلن موقفا مع انتفاضة البحرين (كتب فحص مقالة في تسويغ ذلك شارحاً انه ربّى أولاده ديمقراطيّاً (ص. 191)). وشهادة توفيق الهندي مذهلة، إذ إنني لم أكن أعلم عن عمق تجربته مع اليسار اللبناني والفلسطيني قبل أن ينضوي في صف اليمين المسيحي الطائفي (لكن عطوي لم تسأله عن قصّة «تخابره» مع العدوّ الإسرائيلي).
وتبقى شهادة محمد عبد الحميد بيضون الأقلّ فائدة بين كل الشهادات، لأنها الأقلّ صدقاً وإخلاصاً: قد يكون اسمه هو الحقيقة الوحيدة في الشهادة. يقول بيضون استهلالاً إنه كان «ليبراليّ الاتجاه منذ البداية».(ص. 237) يا رجل، تنضمّ إلى منظمّة العمل الشيوعي ثم إلى حركة «امل» لأنك كنت ليبراليّاً «منذ البداية»؟ كيف تنطلي هذه؟ أما الكذبة الكبرى في شهادته فهي في زعمه أن موسى الصدر كان ضد تدخّل النظام السوري عام 1976. (ص. 247) الأرشيف لا يزال موجوداً وهو يزخر بأقوى تأييد من موسى الصدر وحركة «امل» للتدخّل حتى ان قيادة الحركة وعناصرها هربوا من لبنان بعد ان شنّت قوى المقاومة الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة حملة ضد الميليشيات المؤيّدة لتدخّل النظام السوري عام 1976. لم يكن موقف الصدر يختلف قيد أنملة عن موقف منظمّة «الصاعقة»، الحليفة القويّة للحركة في ذلك الحين. لكن شهادة بيضون لم تكن سياسيّة أو شخصيّة بل كانت أقرب إلى النفسيّة وتنمّ عن حسرة لعدم تمكّنه من تحقيق حلم راوده (ولم أكن أعرفه) بأن يصبح رئيس المجلس النيابي اللبناني.
من الضروري ان يكتب جيل مؤسّسي وقيادات اليسار اللبناني شهاداته كي يتسنّى للجيل الجديد استخلاص العبر. أنا من جيل ما بعد جيل أصحاب الشهادات في الكتاب. جيلي لم يصل إلى مرتبة القيادات وكانت إسهاماته قليلة، وصدمه اجتياح 1982. على الجيل الجديد ان يستفيد من تجارب أجيال سبقته، كي يتجنّب خيباتها ويتجنب هزائمها.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:angryarab.blogspot.com)