من بين الذين عاصروا اغتيال الملك فيصل عام 1975، على يد أحد أفراد الأسرة المالكة (كانت الحكومة قتلت أخاه بسبب خلاف فقهي حول حرمة التلفزيون)، يندر أن تجد عربياً مشرقياً يصدّق أنّ الاغتيال كان الّا تدبيراً من المخابرات الأميركية للتخلّص من الملك «العروبي» والاتيان بخلفٍ أكثر طواعية.


هذا مردّه أن الاعلام السعودي قد خلق، لحظة وفاة الملك، فيصلاً آخر، لا علاقة له بالشخصية التاريخية للرجل: ملكُ اصلاحي يحبّ فلسطين ويرفد العرب في حروبهم، ويقاوم اميركا ويشارك في الحظر النفطي عليها. صحيحٌ أنّ الزعيم العربي «الراحل» غالباً ما يبدو مهيباً، بل ووطنياً، مقارنة بخلفه، ولكن هذا لا يكفي لتفسير الظاهرة، حيث يصير موت الملك، في بلادنا، بمثابة ولادة جديدة له.
فيصل الحقيقي، مثلاً، لا علاقة له بالصورة التي زُرعت في المخيال الشعبي عنه بعد وفاته. سُمعته كـ «اصلاحي» ليست غير مستحقّة فحسب (تخلّى مبكراً عن حلفائه من الامراء «الاصلاحيين»)، بل انّه كان مسؤولاً عن ما هو اسوأ: تحديث منظومة الاستبداد في السعودية وجعلها قابلة للاستمرار في القرن العشرين.
عرف الملك فيصل – بمساعدة لصيقة من الخبراء الأميركيين – كيف يبني بيروقراطية تسمح للنظام الملكي بمواكبة العصر واحتياجاته، من دون احداث أي تغيير في بنية الحكم، أو اطلاق حريات عامة من أي صنف.
تمكّن الملك من الاستفادة من التكنوقراطيين الشباب، بالترافق مع اقصاء أي تأثير تقدمي أو سياسي عن مؤسسات الدولة. ولو كان لفيصل أي ارثٍ «تحديثي»، بالمعنى التنموي الحقيقي، لكنّا نعاين آثاره اليوم في المجتمع السعودي، بعد أكثر من أربعين عاماً على «اصلاحاته» وتعاقب العديد من الحكماء بعده على العرش.
في الحقيقة، تمثّل «الانجاز» الأساس للملك فيصل في أن شركة «ارامكو» (الأميركية يومذاك) صارت تنتج أضعاف كمية النفط التي كانت تستخرجها أيام سلفه، فتضاعف الريع واتسع الانفاق بشكلٍ كبير. فيصل لم يحدّ من الانفاق المهول للعائلة المالكة الذي عُرف به عهد الملك سعود، بل وسّع اطاره وخلق طبقة تجارية تشارك الأمراء اسلوب حياتهم الباذخ، وجعل نمط الحياة الاستهلاكي القائم على الاستيراد نموذجاً معمماً، تسعى اليه وتحاول تقليده كلّ الطبقة الوسطى السعودية.
بالتوازي، شنّ فيصل حرباً لا هوادة فيها ضدّ كل التيارات التقدمية في المنطقة، ونقل المملكة المحافظة من حالة الدفاع الى الهجوم ضد منافسيها الاقليميين. قاتل الناصرية في كلّ مكان، حتى هُزمت؛ ربط السعودية استراتيجياً بأميركا، وكان من أطلق موجة الهوية الاسلامية في مواجهة «الالحاد» العلماني (وهذا دأب آل سعود الى اليوم في صناعة واستغلال صراعات الهوية وتناقضاتها، فهم يعرفون جيداً أن الناس لن تتبعهم اعجاباً بفكرهم أو بمشروعهم).
رغم ذلك كلّه، خرج الملك فيصل من تأبينه بصورة الملك المقاوم السموح (مع انّه يصعب أن تجد صورة يبدو وجهه فيها منفرجاً وذا سماحة)، فعاداتنا في ذكر «محاسن» موتانا يستغلّها الاعلام المهيمن أفضل استغلال، منذ أيام فيصل، كي يضمن أن لا يُحاسب هؤلاء السلاطين – ولو بمعنى قول كلمة الحق وتوثيق التاريخ – في حياتهم، وفي مماتهم ايضاً.