من الطبيعي للغرب الاستعماري حالما يحتل دولة ما أن يحيك نظاماً سياسياً فيه من التناقضات والنزاعات ما يكفل ديمومة السلطة المحتلة. هذا لا يعني أن هذه التناقضات ليست موجودة في المجتمع، إنما يستغلها المحتل ويؤججها ويدخلها تركيبة النظام الذي يظل في حال تشظٍّ دائمة من الداخل. هذا ما فعلته فرنسا حين حكمت لبنان مع نهاية الحرب العالمية الاولى، وهذا ما يحرض على اتباعه العديد من السياسيين والباحثين الاميركيين في العراق وسوريا. بالطبع لن يعترف المستعمرون انهم يقضون على المجتمع المحتَل، بل يلجأون الى تعابير حديثة تظهر وكأنهم يعملون لخير البلد وبناء ديمقراطيته، إنما يشددون على أن هذه الديمقراطية ليست على شاكلة النمط الغربي للدولة القومية الوطنية، فوضعنا مختلف عن تاريخهم كما يقولون، وبالتالي ليس لنا إلا اتباع نظام خاص أسموه «الديمقراطية التوافقية».


يكفي أن تظهر كلمة الديمقراطية السحرية كي نصدق أننا فعلاً نتبع النهج الديمقراطي.
هذه «الديمقراطية التوافقية» التي يريد الغرب تطبيقها عنوة في العراق وسورية بعد أن جربها في لبنان وتلمّس نجاحها في ابقاء البلد تحت السيطرة، تقوم على ركائز مدمرة تمنع المجتمع من الاتحاد أو حتى ايجاد قواسم مشتركة بين مواطنيه للاسباب التالية:

التقسيم العمودي للمجتمع

تنطلق «الديمقراطية التوافقية» من فكرة بناء نظام سياسي يمثّل الاصول الاثنية والطائفية الا أنه قطعاً لا يمثّل الشعب. اطلاق تسمية «ديمقراطية» هي تسمية زائفة، لأن كلمة ديمقراطية تعني سلطة الشعب وسلطة المواطنين لا سلطة النظام الاقطاعي او الديني او العشائري الذي كان موجوداً ما قبل الدولة القومية ــ الوطنية.
من الممكن تحديد بنية المجتمع من وجهتي نظر مختلفتين تماماً، فإما ان نقسّم المجتمع الى فئات لا مجال فيها لتداخل بين فئة وأخرى كالتقسيم الجندري (رجل، امرأة)، أو الديني، أو العرقي، أو ننظر الى فئات المجتمع المختلفة كخطوط أفقية ينتقل فيها المواطن من فئة الى أخرى بناء على مستواه التعليمي، أو مدخوله المادي، أو مركزه الاجتماعي.
الفئة الاولى، تمثل الانقسامات العمودية وهي انقسامات «اسمية» (nominal) يولد من ضمنها المواطن، فلا خيار له مثلاً في أن يكون ذكراً أو أنثى، مسيحياً أو مسلماً، شيعياً أو سنياً، أرثوذوكسياً أو مارونياً، شركسي الاصل، أو عربياً أو كردياً أو غيرها من الاصول الاثنية.

إن دراسة آليات
«الديموقراطية التوافقية»
تُظهر بكل وضوح أنها تقود الى تقسيم المجتمع

أما في الفئة الثانية ينتقل المواطن من وضع اجتماعي الى وضع أفضل أو أسوأ بحسب اجتهاده الشخصي وكفاءته وإتقانه مهارات تؤمن له النجاح، أي أن تقدمه منوط بإرادته الى درجة كبيرة، لا بوضعٍ فُرِض عليه ولا مناص من الخروج منه حياً أو ميتاً.
يظهر الاختلاف جلياً بين هذين النموذجين حين يبادرنا أحدهم بالسؤال عن هويتنا الاجتماعية، فالمجتمع الذي ينظر الى نفسه بناء على التقسيم العمودي يبادرك بالسؤال عن هويتك الدينية أو الاثنية ليحدد مكانتك الاجتماعية، بينما المجتمع المبني على اسس متحركة سوف يسألك عن عملك وخلفيتك الثقافية لأنها الدليل على مركزك الاجتماعي، لا عامل الوراثة الذي لا يعني شيئاً في المجتمعات الحديثة المبنية على الانتاج والمجهود الشخصي.
الفرق شاسع بين تراتبية أفراد المجتمع الواحد بناء على اسس اقتصادية ــ اجتماعية، وتراتبية أخرى مركّبة من مجموعات طائفية واثنية مُغلقة تمارس الزواج الداخلي وتحصره ضمن أفراد الطائفة لتضمن بقاء هذه المجموعات. فالانعزال والتقوقع ضمن بيئة جغرافية محددة هو الذي يضمن لها البقاء كطائفة، والاختلاط مقتلها، ذلك أن بقاءها يرتكز إلى الحفاظ على هويتها عبر الولادة، فأعضاؤها يولدون ويتوفون ضمن الطائفة. بكلمات أخرى كلما ازدهرت الطوائف تفكك المجتمع، والعكس صحيح كلما توحد المجتمع تلاشت الروابط الطائفية.
لا حرية إذاً للفرد في اختياره طائفته وموقعه ضمن التقسيم العامودي، فهو موروث يوصم به شاء أم أبى، وإن تجرأ على الخروج من دائرته تحوّل الى صعلوك منبوذ اجتماعياً وسياسياً، كما أن حريته محدودة جداً، فهو لا يستطيع أن يتقدم الا ضمن حدود طائفته، والحراك المجتمعي الوحيد في هذه الحالة هو انتقال الطائفة ككل من تراتبية دنيا الى تراتبية عليا، مع ما يستوجب ذلك من نزاعات تصل الى حروب ضد الطوائف الاخرى التي ترفض التنازل عن مواقعها الموروثة.
«الديمقراطية التوافقية» هي فعلياً نقيض الديمقراطية لأنها تمنع الشعب من ممارسة حقوقه السياسية وتعطيها لرؤساء طوائف يتكلمون ويقررون باسم الشعب، لا بل إنهم يسعون الى شرذمته لأن ذلك يؤمن لهم الاستمرارية في الحكم.

آليات الديمقراطية التوافقية

إن دراسة آليات «الديمقراطية التوافقية» تُظهر من دون أي التباس، وبكل وضوح أنها تقود الى تقسيم المجتمع بعكس أدبيات الغرب التي تدعي أن هذه المرحلة موقتة في الطريق الى الديمقراطية الحقة.
تُمعن الطوائف والمذاهب والاثنيات الممثلة للديمقراطية التوافقية في الاستيلاء على سلطات الدولة من مؤسسات اجتماعية واقتصادية وسياسية، وحجبها عن المواطن الذي يصبح تحت رحمتها من مهده الى حتفه، لا بل ما بعد موته كونه يُجبر هنا أيضاً على الالتحاق بمقبرة طائفته، ويُمنع منعاً باتاً دفنُه على أرض لا تخص طائفته وكأنه سيدنس تلك الارض، رغم أنه نظرياً ينتمي الى الوطن نفسه!

1. الآليات السياسية للديمقراطية التوافقية

هي الاخطر لأنها تغيّر طبيعة المجتمع على الاصعدة كافة النفسية والاجتماعية والاقتصادية انطلاقاً من تحديد هوية الفرد فتمنعه من امكان تطوره كمواطن وتنقله الى مسار آخر يتعارض مع أي مفهوم لوحدة المجتمع، ويتراءى له المواطن الآخر كمنافس وعدو يتربص به ويريد القضاء عليه.
مجرد إنشاء هيئات سياسية قائمة على ركائز اثنية أو طائفية يعني استحالة دمج المواطنين، والاعتراف بعدم قدرة بناء الدولة ــ الوطن. ففي نظام «الديمقراطية التوافقية» هوية الفرد السياسية محددة سلفاً منذ ولادته وقسرياً على أساس مذهب الأب، ومهمة الدولة تأمين استمرارية الطائفة، فيتم تسجيل السكان بحسب هوياتهم الطائفية، أي إن الدولة هي شاهد زور على عدم وجودها كهيئة مستقلة تمثل المواطنين.
لا حرية للفرد إذاً، هذه الحرية التي تمثل القاعدة الرئيسة للمفهوم الديمقراطي والتي من دونها لا مجال لوجود المواطن الطامح لبناء مجتمعه أو التواصل مع الآخرين بشكل يلغي المرور الإلزامي عبر الطوائف.
إن الالتقاء الوحيد الممكن هو المبني على الاعتراف سلفاً بالاختلاف عن الآخر بسبب الانتماء الطائفي، بحيث لا يمكن الوثوق به أو السماح له باختيار من يمثلني، وأن أبناء طائفتي هم الوحيدون الذين أركن اليهم. وللدلالة على الفصل الطائفي العنصري تقوم الدولة باختيار أمكنة خاصة لكل طائفة حين يحل موعد الانتخاب، كما يترشح ممثلو الطوائف، لا ممثلو الشعب، على أساس هوياتهم الدينية. أما بالنسبة للمواطن العلماني الذي يؤمن بفصل الدين عن الدولة، كما يؤمن بأن له الحق أن ينتخب من يشاء من النواب بمعزل عن دينهم؛ هذا المواطن المؤمن بوطنه لا حقوق سياسية له، ولا تمثيل على صعيد السلطة. بكلمات أخرى لا وجود له البتة، فهو في المضمار السياسي إما مسلم أو مسيحي، أي إن وجوده الاسلامي أو المسيحي شرط لهويته السياسية. أما الطامة الكبرى فهي أن القرارات المصيرية بيد الطوائف الكبرى التي عليها «التوافق» لتنفيذها، ما يعني أن لا قدرة «للمواطن» على تحديد مصيره أو مصير بلده، وبدلاً من الاستفتاء الذي يسمح للشعب باختيار دربه، يتم احتكار قراره من قبل نخبة اوليغاركية طائفية تسير بالبلد بناء على مصالحها الخاصة. ولأن «التوافق» شرط للتنفيذ، ينتقل البلد من أزمة الى أخرى، ويستحكم «الكباش» بين رؤساء الطوائف من سياسيين ورجال دين فتقع الدولة في شلل لا تخرج منه الا للدخول فيه حالما يطرأ موضوع جديد يحتاج إلى توافق.
من نتائج «الديمقراطية التوافقية» ليس فقط إلغاء المواطنة، واحتكار السلطة من قبل نخبة طائفية، بل أيضاً منع فصل السلطات، بين تشريعية وتنفيذية وقضائية، وهو المبدأ الاساس في الدولة الوطنية الحديثة، كما أن التوافق يلغي مفاعيل القوانين كونه أعلى من القانون وله الاولوية في القرارات الاساسية.
والاخطر من ذلك كله تقييد الجيش وعدم السماح له بأن يلعب دوراً وطنياً حقاً لأنه هو أيضاً عرضة للتقسيمات العمودية والنزاع حول الكوتا المطلوبة لكل طائفة. ومن الضحك أن تجد سلطات «التوافق» ترفض العديد من اللبنانيين الذين يريدون الانخراط في الجيش لأنهم سيكسرون قاعدة التوازنات الطائفية. وفي حال لم تتوافق الطوائف والاثنيات على قرار أمني يصبح الجيش إما مشلولاً أو مقسّماً.
دول سوراقيا تعرضت لتدمير جيوشها عبر إثارة النعرة الطائفية ــ الاثنية العنصرية بدءاً من الحرب الاهلية في لبنان، ثم في العراق حيث تُقترح إقامة جيش في كل اقليم بحسب الهوية الاثنية أو الطائفية، والآن في سوريا حيث لم تيأس الولايات المتحدة الاميركية من بناء جيش رديف للجيش النظامي السوري مبني على أساس طائفي، وكذلك إقامة حكومة انتقالية يجرى انتقاء أعضائها بناء على التمثيل المذهبي والاثني.
المراد من رغبة الغرب تطبيق «الديمقراطية التوافقية» هو شرذمة المجتمع، ومنع الجيش من أن يكون موحداً وقوياً لأن الهاجس الاكبر بخاصة للولايات المتحدة الاميركية هو ضمانة تفوّق «إسرائيل».

2. الآليات الاجتماعية

تعمل «الديمقراطية التوافقية» على تمزيق الروابط بين أعضاء المجتمع الواحد، فأي وحدة شعبية حول مطالب اقتصادية أو اجتماعية تؤدي الى الغاء دور رؤساء الطوائف والاثنيات وتُبطل مبدأ التوافق، فضمانة بقاء هذا الأخير وجود الاختلاف واستعاره. ولتمكين الآلة السياسية الوفاقية وديمومتها تلجأ هذه الاخيرة الى فصل عنصري ضمن مجمل المؤسسات المجتمعية من مستشفيات وطبابة، ومدارس خاصة، وجامعات، ومصارف ما يلزم المواطن/ة باللجوء الى طائفته كي يتمكن من تيسير أمور حياته وحياة عائلته.

الفصل العنصري

فيما المفترض أن ترسي مؤسسات الدولة أسس الاندماج بين مجمل العناصر ضمن وحدة مجتمعية تؤمن مساواة المواطنين، تتحلل دول سايكس ــ بيكو عندنا بدءاً من لبنان (1920)، وفلسطين (1948)، والعراق (2003)، وسوريا (2011) الى دويلات طائفية واثنية، تنشد في أفضل الحالات «الديمقراطية التوافقية» التي ليست الا مشاريع دول فاشلة يتحكم الغرب
بمآلها.
وإمعاناً في العنصرية أخذ العديد من الكتاب والسياسيين العرب يتكلم أخيراً ليس عن «الاثنية الكردية» أو غيرها من الاثنيات، بل عن القومية الكردية، وكأن تاريخ الاثنية الكردية منفصل عن تاريخ سوراقيا فيما كل الدلائل والاكتشافات تشير الى أنهم من صلب تاريخ هذه المنطقة حتى ان كردستان العراق قائمة على أنقاض المملكة الاشورية (راجع مقالتي في «البناء» 5 يناير 2015).
ما هي الحلول التي تطرحها بعض الاصوات في الادارة الاميركية للعراق وسوريا لتتوقف الحرب؟ تقسيم العراق الى ثلاثة أقسام: سنة وشيعة واكراد؛ وفي سوريا، اما حكومة انتقالية تمثل السنة أو مناطق عازلة تأوي السنة، وحكم ذاتي للأكراد، أي ممنوع وجود مواطنين يقررون مصير مجتمعهم المشترك. لقد تنبه العراقيون وايران لهذا الفصل العنصري المتعمّد وباشروا الى إعادة المواطنين العراقيين الى بيوتهم بمعزل عن هويتهم الطائفية، والمطلوب مزيد من الجهد في هذا الاتجاه والتوعية الوطنية ورفض شرذمتهم الى فئات متناحرة تؤدي الى سقوط الجميع من دون استثناء.
تنمو الديمقراطية التوافقية وتزدهر كلما انعزلت الطوائف والاثنيات بعضها عن البعض الآخر في مناطق محددة. هذا الانكماش سيجعل الثقة مفقودة الا ضمن الطائفة التي ستنشط لتأمين مؤسسات اجتماعية ترعى ابناء الطائفة فتتحول المدارس الخاصة الى مؤسسات مهمتها الاساسية إذكاء روح الطائفية لا الوطنية، والتشديد على الاختلاف لا التشابه في الملبس والزي (خصوصاً بين النساء) والمسكن، والتصرف في الاماكن العامة. وحتى المدارس الرسمية تتحول الى تجمعات طائفية من جراء الفصل الجغرافي العنصري، فيصبح الاساتذة والطلاب من لون طائفي واحد ويجرى نبذ الطلاب والاساتذة الذين يشذون عن هذه القاعدة. ينسحب هذا الامر على المؤسسات كافة بما فيها مؤسسات الدولة التي تصبح عرضة للنهش من قبل الطوائف والاثنيات.
ويتطلب الحفاظ على الفصل العنصري ــ الطائفي الابقاء على قانون الاحوال الشخصية الذي يحدد الهوية السياسية ــ الاجتماعية للفرد ما قبل ولادته، ما يلغي اولوية دولة القانون، ودولة الكفاءات، ودولة الشعب، وتصبح المهمة الاساسية للدولة تأمين تراتبية التمييز العنصري في نظام «الديمقراطية التوافقية» التي يُراد تعميمها في أرجاء
سوراقيا.
هذه «الديمقراطية التوافقية» تحصر السلطة بالخاصة لا العامة، وتؤسس للتفرقة بين أفراد المجتمع، فلا مساواة تُرتجى، ولا عدالة تُحقق، ولا حرية تُسبغ، ولا مواطنة حقة.
* باحثة وأستاذة جامعية