منذ أن أعلن طرح انتخاب رئيس تيار المردة سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية، استنفرت القيادات المسيحية الأخرى معبّرة عن رفضها، وامتعاضها من الموقف، وتتهيأ، وفق الأنباء والمواقف الصادرة عنها، إلى مواجهة ربما تصل إلى الشارع، لاعتقادها أن انتخاب فرنجية ما هو إلا طعن في ظهرها، خصوصاً أنه ليس القوة المسيحية الأقوى في لبنان.
ويبدو أن القيادات المسيحية لم تتعلم أي دروس من تاريخها، وتاريخ الصراعات الداخلية التي خاضتها في ما بينها على خلفية الأحقية برئاسة الجمهورية، والوصول إلى سدتها.
لا تزال هذه القيادات، كما في ماضيها، تعتقد أن الذي يحدد الرئاسة في لبنان هم المسيحيون، أو من يتوافق عليه المسيحيون. ونسوا، أو تناسوا، أو أن طموحاتهم، إذا لم نقل الطمع في الرئاسة، أغمض عيونهم عن حقيقة أن "المسيحية" ككل لم يعد لها دور في السياسة، وتقرير أي مصير في الشرق منذ سقوط الامبراطورية البيزنطية في القرن الخامس عشر.
ويبدو أن هذه القيادات لا تزال تهجس بحب الغرب، وتفضيله لها على باقي الفئات لأنها لا تزال تعتقد بالغرب المسيحي الرافض لهذا الاعتبار. يوم توقيع الاتفاق على الاتحاد الأوروبي، خذلت القيادات الأوروبية بابا روما عندما طلب منها راجياً إيراد عبارة بسيطة في دستوره أن دول الاتحاد الأوروبي كانت مسيحية ذات يوم. حتى ذكر هذه العبارة رفضها الأوروبيون العلمانيون البعيدون كل البعد عن كل ما هو ديني. إلا أن قيادات في بلادنا لا تزال تتوهم أن الأوروبيين اختاروا المسيحيين للحكم في لبنان نظراً لتعاطفهم مع جذورهم المسيحية، ونظراً لحنانهم الأمومي عليهم، وليس لأن الأوروبيين وجدوا فيهم مطية يعبرون عبرهم إلى الشرق لأهداف شتى تحقيقاً لمصالحهم الاقتصادية والسياسية.

القيادات المسيحية تتهيأ
لحفلة جديدة من المواجهة
الداخلية والصراع

ويبدو أن بعض القيادات المسيحية تستيقظ فيها اليوم غريزة الصراع على السلطة بغض النظر عن المقتل الذي أصابها سابقاً في صراع كهذا في العقود الماضية، صراع أفقدهم، أو كاد، السلطة التي يتعلقون بها ويربطون وجودهم ومصيرهم بركابها وهماً، وأفقدهم الكثير من دورهم الريادي الثقافي في الحداثة، وحضورهم السياسي في المنطقة، والديمغرافي فيها حتى باتوا لا يعدون إلا فئة صغيرة، ربما الأصغر بين بقية الفئات، بعد أن كانوا الأكثر عدداً منذ قرون.
القيادات المسيحية تتهيأ لحفلة جديدة من المواجهة الداخلية، والصراع، دفع بالبطريرك الماروني بشارة الراعي للمناشدة باللجوء إلى الحوار حول انتخاب فرنجية، وليس على خلفية هاجس فقدان الرئاسة من أيديهم، لأنه يعرف تماماً أن أي صراع حاد داخلي في طائفته، سيقضي على آخر ما تبقى لها في السلطة، وفي التاريخ. لذلك دعاهم إلى الحوار قبل تفجر الصراع لأن ذاكرته لا تزال تحمل بوضوح أحداثاً جسيمة أفضت إلى خسارات جديدة لا يمكن تحديد حجمها وحدودها، ولا تزال مواجهة حرب الإلغاء ١٩٨٩، وما حملته من مفاعيل ومؤثرات على الساحة المسيحية تقلقه، وها هي اليوم تطل من جديد على الخلفية عينها، وبالقيادات المسيحية عينها.
يذكر الراعي يومئذ، عندما اجتمع المبعوث الأميركي ريتشارد مورفي بالرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، واتفقا على سلة أمور إقليمية منها، لبنانياً، تسمية مخائيل ضاهر كمرشح توافقي لرئاسة الجمهورية. رفضت القيادات المسيحية القرار لأنها كانت لا تزال تعتقد أنها هي التي تحدد مصير الرئاسة في لبنان، أو أن مصير لبنان برمته تحدده قواه الداخلية، غافلة أن لبنان لم يكن في يوم من الأيام إلا قراراً دولياً، وأن المواقف الاستراتيجية فيه كانت ثمرة لتوازنات إقليمية دولية، ولم يسأل أحد في العالم اللبنانيين في مفاصل هذه المسارات، عما يرغبون، وماذا يريدون، أو يختارون.
رفضت القيادات المسيحية القرار الاقليمي، رغم أنه قيل لها على لسان أعلى مرجع في العالم في حينه -الولايات المتحدة الأميركية- مخائيل ضاهر أو الفوضى. لكن هوس السلطة، ورئاسة الجمهورية، أفقد القيادات المسيحية القدرة على فهم التطورات السياسية، واصرت على الرفض، ودخلت في صراع دموي أدى في ما أدى إليه، إلى تهجير المسيحيين، وتدمير بيوتهم، فهربوا بكل اتجاه، ولجأوا إلى البيئات التابعة لدول الخلافة التي عاشوا في كنفها لخمسة عشر قرناً، ولا تزال أجراسهم تقرع فيها، وطقوسهم تمارس بكل حرية دون عدوان إلا عندما كان الغرب يتدخل مع بعض فئاتهم بهدف محاربة الدول القائمة في المنطقة، وآخرها الخلافة العثمانية.
البيئات الإسلامية، يومئذ، احتضنت المسيحيين الفارين من القتال المسلح بين قياداتهم، وقدمت لهم المأوى وكل متطلبات الحياة، بعد أن دمرت منازلهم، ومآويهم، خصوصاً في منطقتي المتن وكسروان، وحيث لا تزال آثار القذائف، وتبادل إطلاق النار موجودة حتى اليوم على جدران المنازل في فرن الشباك، والدكوانة، وسن الفيل، والجديدة، تنطق بعنف المواجهات من شباك إلى شباك ومن باب إلى باب. وما زالت في ذاكرة البلدات الكسروانية والمتنية وقراها آثار التهجير تحت وطأة القذائف الأخوية الشقيقة. مواجهة أفضت إلى رحيل قطاع كبير من الشباب بحثاً عن حياة خارج مسقط الرأس، فتحولت مناطقهم إلى ساحات خاوية، أو كادت.
ولم تكن تلك المواجهة هي الوحيدة بين أبناء الصف المسيحي الواحد في الصراع على الرئاسة. فلا تزال في ذاكرة من يريد أن يتذكر، مجزرة الصفرا في تموز عام ١٩٨٠ التي طالت آل شمعون، ورثاء رئيس الجمهورية الأسبق كميل شمعون، ومجزرة إهدن ١٣ حزيران ١٩٧٩ التي طالت آل فرنجية، ومحاولات إلغاء كل منافس على مركز الرئاسة من قبل القيادات المسيحية الفاعلة أثناءها.
حالياً، تتدخل روسيا في سوريا، فينقلب ميزان القوى لصالح الحلف الشرقي. ميزان يمكنه الإتيان بسليمان فرنجية إلى رئاسة الجمهورية. كل الرؤساء وصلوا إلى مراكزهم بمعادلات دولية-إقليمية مشابهة. والمشهد يتكرر اليوم، والغرابة فيه أنه أنبأ عما لم يكن في الحسبان، وعما أفضت إليه الضربات الروسية في سوريا، مترافقة مع أحداث جسام عالمياً، منها أحداث باريس الأخيرة على يد "الدولة الإسلامية"، وحادثة كاليفورنيا، وغير ذلك من تطورات، أدت فيما أدت إليه، إلى إقلاع قوى مؤثرة عن المطالبة برحيل الرئيس السوري بشار الأسد، والبحث عن حلول للمنطقة تقيها شرورها، ووصول هذه الشرور إليها.

ميزان إقليمي-دولي جديد قد يكون أفضى إلى محاولة إيجاد تسوية بسليمان فرنجية، ورئيس الحكومة السابق سعد الحريري. ترفضها قيادات مسيحية كان يمكن أن تقبل بها من دون شك لذاتها، تعيد برفضها الساحة المسيحية إلى حالة الصراع التي، من إيجابياتها، أنها ستنهي بها رئاسة الجمهورية للمسيحيين، فتنقذهم من الصراعات الداخلية التي أدت بهم إلى الضعف والهزال والهجرة التي باتت تعانيها بيئتهم.
ربما بذلك، سيبقى بعض مسيحيين يعملون مع المسلمين المتنورين لبناء حضارة جديدة للمشرق العربي القادم.

* كاتب لبناني