محيِّرة هي السياسة السعودية الخارجية كما الداخلية، ومعّقد تفسيرها وفهمها. فإذا كان المراقب والمتابع يتفهم صعوبة الظرف الذي تمرُّ به المملكة السعودية في إطار التحولات التي تصيب البيئة الإقليمية وعلاقاتها الدولية التقليدية على السواء، فإنّه يقف عاجزاً عن استيعاب أو تفسير بعض قراراتها الجسورة كتلك المرتبطة بقضية النفط اليوم.


ــ إنّ التراجع الجزئي للاستراتيجية الأميركية عن المنطقة و«فراغ القوة» الذي خلّفته وما أثّره ذلك من عامل الثقة والاطمئنان اتجاه حلفائها الخليجيين من سقوط الصيغة التقليدية التي تأسّست على مبدأ الحماية مقابل المصالح منذ انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع التسعينيات، إن لم نقل منذ إعلان «مبدأ كارتر» الشهير بشأن الخليج.
التنامي الكبير للنفوذ الإيراني، الذي تثبّت بصمود سوريا وتجاوز «عقدة» الأزمة إلى الفعل والمبادرة، ودخول العراق الدائرة الإيرانية بالمعنى الاستراتيجي للكلمة بما لم يكن متوقعاً ــ ولعلّ الإرهاب وداعش من ساعد وسرّع ذلك ــ وبتدحرج الإنجازات في اليمن لمصلحة المحور الإيراني، والتقدم مجدداً في فلسطين من خلال المراجعة الحمساوية، ومع ذلك وقبله التقدم في الملف النووي والتفاوض حوله.
ــ ضغط وكابوس، ضرورة الإقدام على الإصلاح الداخلي حتّى لو لم تظهر إرهاصات الأزمة إلى اليوم بقوة.

سياسة «خاسر ــ خاسر»
أعْيَت منطقتنا ولم تُكسِب إلا إسرائيل وأميركا

ــ تهديد «الإخوان» الوجودي لها بقراءتها، وما قبل ذلك وبعده من تهديد حركات الإرهاب التي أصبحت على تماس جغرافي وديموغرافي مع المملكة الخليجية الأكبر.
وإذ يتفهم المرء حداثة التجربة السعودية لبناء سياسة خارجية في لحظة «فراغ» مفاجئة، وسعيها للاعتماد على الذات في المساحات والهوامش المتزايدة، إلّا أنّ المؤشرات الأولى لذلك تبدو غير مشجعّة، إن لم نقُل صادمة لجهة العمق والرشد. وليس أدلّ على دعوانا، فيما لو أخذنا سياستها الأخيرة بضخّ النفط وتوفيره للسوق حتى لو وصل سعر البرميل إلى 30 دولاراً، كما عبّر وزير خارجيتها بالأمس القريب، كأحد مؤشرات التقويم.
بقرارها غير المتوقع، اقتحمت المملكة لعبة العمالقة والكبار، قافزة فوق كل أزماتها وكل الوقائع الإقليمية المتغيّرة، السائرة في غير مصلحتها بتقويم الجميع. بكلمة أدقّ وأصحّ، أقحمت نفسها في فضاء صراعٍ دوليٍ ليست معلومة قدرتها الواقعية وجاهزيتها له.
أرادت المملكة تأكيد حضورها ووزنها الفاصل عالمياً من بوابة الطاقة مصدر قوتها الرئيسي، والإثبات للولايات المتحدة «المراقِبة» قدرتها لأداء دور وظيفي فعّال كشريك استراتيجي يُعتمد عليه قُبيل أي تسوية محتملة بين إيران و«5+1» بعد أشهر، وللحؤول دون حصولها.
القرار السعودي، وإن يكن تكتياً وقصير المدى للاعتبارات الذاتية أولاً، فاقتصادها أُحادي البعد الاعتماد (مورد النفط)، والخارجية المرتبطة بمصالح حلفائها ومنهم الولايات المتحدة - حينما تستفيد الدول الصاعدة والاقتصادات الكبيرة، كالصين والهند و... إلخ - من منافسة السلع الأميركية في الأسواق العالمية، لكنها ربّما أغفلت مخاطر وتهديدات وتداعيات من جملتها:
1. انطباع الدولة «غير المسؤولة» في منظمة الأوبك، بعدم مراعاتها واحترامها ظروف وأوضاع دول تعاني اقتصاداتها من أزمات معقّدة وترزح تحت ديون ترهق كاهلها، فمنظمة الأوبك لا تقتصر على السعودية وإيران فحسب لتكون اللعبة صفرية.
2. إنشاء عداوات ليس مع الأنظمة، بل مع الشعوب. والعداوة مع الجماهير واللعب بأقواتها يحفر عميقاً على المدى البعيد ويُنشئ أزمات عميقة يصعب رتقها، وهذا يُخالف ما اعتادت المملكة تقديم نفسها به، وخطابها وفقاً له واستثمارها من مدخلية الجيو – ديني والأخلاقي.
3. لحساب من الخطوة؟ في لحظة تداعٍ وتعاون لقوى وشعوب المقاومة ورفض الهيمنة والأحادية الأميركية على العالم وعلى مقدّراتنا، وتكاد تقترب منها، فالتاريخ سيُسائل ويُحاسِب.
4. ماذا يعني أن تُسهم المملكة بتراجع قيمة الروبل الروسي، لتشارك بذلك أميركا بإضعاف روسيا الاتحادية؟ كيف ستلائم بين هذه الخطوة ودعاوى السنتين الأخيرتين بضرورة إعادة رسم سياستها الخارجية وفق استراتيجية تقضي بالانفتاح على القوى الدولية الرئيسية أو ما يُعرف بتنويع الاعتماد والعلاقة، وفي مقدّمها الاتحاد الروسي المتوثب لدور يُعيد شيء من التوازن على الخريطة الأكبر.
5. أين موقع هذه الخطوة من جهدها في العقد الأخير لتحقيق «الاتحاد الخليجي» ومساعيها لإقناع المتحفظين من دوله خشية استفراد المملكة بقراره وتوريطهم بحسابتها، وتذويب خصوصياتهم الاجتماعية والسياسية وهوياتهم وتمايزها، لتأتي هذه الخطوة كإضافة ورصيد إضافي لمخاوفهم وهواجسهم.
6. ماذا لو ذهبت بعض الدول لمقابلة الأذى الاقتصادي بالابتعاد سياسياً وتعميق التمايز في مواقفهم السياسية ومواقعهم من قضايا النزاع الإقليمية (العراق – الجزائر – الكويت – سلطنة عمان، وغيرهم).
7. ثمّ ماذا لو أضّرت هذه السياسة ببعض دول الخليج التي لا تمتلك وفرة وفوائض كافية للتعويض أو التي يمكن أن تتهدد درجات ائتمانها، ورياح الحراك العربي وسياقاته وأسبابه المتداخلة وتناقضاته لا تزال تطرق ولو ببطء أبواب دول الخليج، لكن بإلحاح.
8. ماذا لو صمدت الدول المستهدفة من القرار السعودي وفي مقدّمها إيران أكثر ممّا يُتوقع (الحّد النهائي المفترض نظرياً لاستمرار القرار السعودي)؟ وماذا أيضاً لو لم تتحمل روسيا إذا ما طالت الأزمة أكثر من المتوقع لها؟ هل ستتحمل السعودية ساعتئذ تبعات إخفاق نهوض القيصر الروسي؟
9. ألا يمكن أن تذهب بعض الدول المتضررة عميقاً بخطوة إلى الأمام في مواجهتها مع السعودية فتدفع أوراقاً إضافية إلى الواجهة، ولا يزال في الجعبة الكثير. فمصالح السعودية وبيئتها الإقليمية مهدّدة، فضلاً عن داخلٍ مهيّأ لبذور إرهاصات يمكن أن تنمو بسرعة وتُفاجئ.
10. وأخيراً، وإذا طالت الأزمة واستفحلت، حينها لن تكون إيران والعراق المتضرريْن اللذين سيتقدمان جبهة سياسة حافة الهاوية من مضيق هرمز إلى باب المندب، بل سيجدان غيرهما وإلى جانبهما كثيراً من القوى العربية والدولية الحاضرة لمؤازرتهما سياسياً، وأكثر، للدفاع عن حقوق شعوبهم، وستتلاقى مصالح البعض بمبررات حقوق شعوبهم لتغيير قواعد اللعبة بالكامل. فاللعب على اقتصادات الشعوب ولقمة عيشهم أمر لا يُحتمل، وتداعياته تتدحرج بأسرع ممّا يُتصوّر. هكذا علّمنا التاريخ، والأكيد أيضاً أنّ الولايات المتحدة ستقول للسعودية في تلك اللحظة، إذا ما أحسّنا الظن بها: شكراً على المعروف... وفقط.
أغلب الظّن أنّ القرار السعودي ينمُّ عن انفعال لا عن رشد سياسي. والأمل كل الأمل أن تعود عنه قريباً، فسياسة «خاسر ــ خاسر» أعْيَت منطقتنا ولم تُكسِب إلّا إسرائيل وأميركا. والمملكة إذا ما تدهورت الأمور ستكون حتماً أكبر الخاسرين... وما أهلك قوماً شيء مثل سوء التقدير.
* باحث سياسي