«سيريزا» هو الاسم اليوناني المختصر لـ«تحالف اليسار الراديكالي» الذي نشأ بعد اتحاد ثلاثة عشر تنظيماً ومجموعة يسارية يونانية متنوعة تشمل شيوعيين (منشقين عن الحزب الشيوعي اليوناني) واشتراكيين وماويين وتروتسكيين وبيئيين ويساريين ديمقراطيين، وذلك عام 2004 كتحالف سياسي وفي عام 2012 كحزب موحد. ورغم تنوع الآراء داخل هذا التحالف بشأن قضايا أساسية مثل البقاء أو الخروج من اليورو والاتحاد الاوروبي، إلا أن الكثير من القضايا تجد حولها إجماعاً كبيراً في الرأي مثل فصل الدين (الكنيسة الأورثوذكسية اليونانية) عن الدولة، ورفض سياسات التقشف المفروضة أوروبياً على اليونانيين.


أما زعيم الحزب فهو ألكسيس تسيبراس الذي أصبح رئيساً للحكومة اليونانية منذ أيام قليلة، وهو كان زعيم أكبر هذه المكونات الثلاثة عشر المتحدة واسمه «سيناسبيسموس» أي «تحالف حركات اليسار والبيئة». تيسبراس الذي أصبح أصغر رئيس للحكومة اليونانية منذ الحرب العالمية الثانية عن عمر أربعين سنة كان عضواً في الشبيبة الشيوعية اليونانية والحزب الشيوعي اليوناني في بداية نشأته السياسية عام 1992، قبل أن يلتحق بصفوف المجموعات اليسارية المستقلة التي خرجت من الحزب وكوّنت لاحقاً، بعد أن أجرت نقداً للتجربة الشيوعية التاريخية وتراجعت عن بعض المفاهيم وتخلت عن مطلب الاشتراكية وتأميم وسائل الانتاج فور تسلم السلطة (حزب «سيناسبيسموس» ثم «سيريزا»).

«سيريزا» يعي أن الصراع
في وقته الحالي يتطلب حكومة من اليسار

لم تستطع الاحزاب المنضوية في «سيريزا» أن تحصل على النسبة التي تؤهلها لدخول البرلمان منذ خروجها من حاضنة الحزب الشيوعي اليوناني عام 1990 حتى عام 1996 حيث حصل سيناسبيسموس على 5% واستطاع دخول المجلس. وحافظ الحزب على نسبته هذه حتى بعد التوحد تحت حزب «سيريزا» حتى عام 2009 من دون تغير يذكر، وظلت كتلته البرلمانية أصغر من كتلة الحزب الشيوعي اليوناني بعدة نواب.
لكن آثار الأزمة الاقتصادية في اليونان وسياسات التقشف المرهقة للطبقات الفقيرة وارتفاع نسب البطالة والفقر، أحدثت نقمة شعبية واسعة استطاع «سيريزا» المراكمة عليها بعكس الحزب الشيوعي اليوناني، وطرح نفسه بديلاً رافضاً لسياسات التقشف وطالب برفع الحد الأدنى للأجور وزيادة الانفاق الاستثماري وإلغاء الديون الجائرة التي قدرت بنسبة 50% من مجمل الدين العام من دون أن يطرح الاشتراكية والتأميم، فأخذت نسبة أصواته ترتفع من 17% أيار 2012 إلى 27% في الانتخابات الاستثنائية في حزيران 2012 وصولاً إلى حوالى 37%، والمركز الأول ورئاسة الحكومة في بداية عام 2015.

برنامج الحزب

في 13 أيلول 2014، أطلق «سيريزا» برنامجه السياسي المستند إلى أربعة مبادئ أساسية أسماها «الرافعات السياسية للحزب»، وذلك في بيان سياسي اسمه «بيان تسالونيكي»، وهي ثاني كبرى المدن اليونانية.
الرافعات الأربع من أجل إعادة البناء الوطني كما أسماها البيان كانت:
1. مواجهة الأزمة الانسانية في اليونان.
2. إعادة تأسيس الاقتصاد والعمل بالعدالة الضريبية.
3. خطة وطنية للتشغيل ومكافحة البطالة.
4. تغيير النظام السياسي وتعميق الديمقراطية.
ورافق المبادئ الأساسية برنامج واسع تضمن المطالبة بـ «اتفاق أوروبي جديد» للاستثمار في اليونان من خلال مصرف الاستثمار الأوروبي، وزيادة التيسير الكمي الأوروبي وخفض الديون المتوجبة على اليونان ودول الجنوب. كذلك تضمن البرنامج مطلب إعادة بناء دولة الرفاه الاجتماعي واعتماد الديمقراطية المباشرة في النظام السياسي، والتخلي عن سياسة التقشف وإعادة التوظيف في القطاع العام وتأمين الموارد المالية من خلال الضرائب التصاعدية ومكافحة التهرب الضريبي والاستثمار من خلال الصناديق الأوروبية المعنية.

نقد أحزاب اليسار اليوناني ورد «سيريزا»

مواقف «سيريزا» أثارت نقداً حداً من أحزاب اليسار اليوناني الأخرى وتحديداً من الحزب الشيوعي اليوناني الذي يتهم «سيريزا» بالانتهازية لدخوله لعبة التحالفات والمساومات الفوقية مع مؤسسات النظام، وجبهة اليسار المناهض للرأسمالية (أنتارسيا) التي ترفض التعاون السياسي والانتخابي مع «سيريزا» بسبب برنامجه المعتدل الذي لا يمثل «بديلاً راديكالياً» للنظام.
كذلك تعتبر قوى يسارية في دول أخرى أن برنامج «سيريزا» هو برنامج إصلاحي يهدف إلى إدارة الأزمة من دون تهديد بنية النظام القائم. وحتى على الصعيد الداخلي الحزبي ضمن «سيريزا»، تقول بعض التيارات إن الحزب ليس جذرياً بالقدر الذي يريدونه ولكن دعمه سياسياً وانتخابياً هو حاجة ماسة لعدم تقويض آمال اليسار في الحكم تحت الشروط والموازين الحالية.
من الجهة الأخرى، تبدو هذه الانتقادات غير دقيقة بالنسبة لـ«سيريزا»، لأسباب عدة. أولاً، ليس من الواضح ما هي البدائل الجدية التي تطرحها هذه القوى، وبعضها يفتح السجال مع «سيريزا» لا من أجل نقد وتعديل البرنامج الاصلاحي للحزب، بل مشكلتها الأساسية هي مع فكرة تشكيل الحزب لحكومة من ضمن المؤسسات السياسية للدولة الرأسمالية، وهذا ما يدفع هذه القوى إلى اعتبار أي دخول لحزب سياسي إلى مؤسسات الدولة الرأسمالية، وإن كان يعمل على تغييرها، هو حزب خائن لمبادئه السياسية.
لكن سنوات النضال الطويلة في اليونان والتي تضمنت التظاهرات الشعبية الحاشدة واحتلال مبان حكومية ونفذ خلالها أكثر من ثلاثين إضراباً عاماً لم تنجح في إيقاف سياسات التقشف، ومن المؤكد أنها لم تنجح على الإطلاق في تحقيق الاشتراكية. وبالتالي يصبح واضحاً بالنسبة إلى «سيريزا» أن الحراك الاجتماعي لا يكفي وحده، ويجب على الأحزاب الجدية أن تطرح مسألة الإمساك بالسلطة السياسية. يحتاج اليونانيون إلى وسيلة سياسية تقود العمل من أجل تحقيق مطالبهم.
وفيما يطرح خصوم «سيريزا» الماركسيون ضرورة تشكيل مجالس محلية للعمال على الطريقة السوفياتية، لم تظهر في اليونان أية محاولات عمالية حقيقية في هذا الاتجاه رغم سنوات طويلة من النضال الاجتماعي ظلت هذه الأفكار طروحات مجردة، أو على الأقل طروحات مجردة في الوقت الحالي، وتشكل نوعاً من التفكير الحالم الذي لا ينتج بدائل صلبة وجدية «الآن، هنا». وهؤلاء المنتقدون لا يستطيعون الخروج بطرح حقيقي باستثناء العبارات الطنانة الملتبسة حول كيفية ظهور ونمو مجالس العمال الثورية. «سيريزا» يعي أن الصراع في وقته الحالي يتطلب حكومة من اليسار تستغل المؤسسات السياسية الموجودة، ومستعد لتولي هذه المسؤولية رغم كل أخطارها ومآزقها والإشكاليات التي ستثيرها.
وعليه، يعتقد «سيريزا» أنه الوحيد الذي يملك طرحاً جدياً وعملياً لمواجهة الوضع الطارئ في اليونان. بالمقارنة، تبدو العديد من القوى اليسارية الأخرى غير قادرة على تقديم برنامج يصلح للمشاكل العملية المستجدة، وكيف يمكن تحقيق ما يريده الناس الذين يجاهدون من أجل إطعام عائلاتهم ودفع إيجاراتهم، ولهذا السبب يبتعد الناخبون، بمن فيهم اليساريون، من هذه الأحزاب ويتجهون إلى «سيريزا».

التحديات والأخطار

تشكل الإصلاحات التي يطرحها «سيريزا» أجوبة على حاجات ومطالب طارئة لليونانيين مثل حق العمل وتحسين الأجور والسكن الجيد وتخفيض الأسعار. ولم يكن من الوارد أن تلاقي طروحات حزب حديث العهد هذا التأييد الشعبي الكبير خصوصاً بين الفئات المهمشة لولا مقاربته للمشاكل الحقيقية للناس. بوصول الحزب إلى السلطة اصبحت نقطة التغيير أقرب على جدول الأعمال وهو تغيير حقيقي لم تكن الطروحات الثورية المجردة قادرة على الوصول إليه.
من الواضح أن برنامج «سيريزا»، رغم كل براغماتيته، سيضعه في مواجهة مباشرة مع القوى الرأسمالية المحلية والعالمية لأنه ليس برنامجاً لإدارة الرأسمالية وفق إرادة رأس المال نفسه. فحكومة بقيادة «سيريزا» سوف تواجه عدائية عالية من المصارف قد تجد نفسها أمام إضرابات للمستثمرين ورؤوس الأموال، وستهدد الكثير من الشركات المتعددة الجنسيات بسحب أموالها من البلاد وهذه كلها وسائل ابتزاز وتعطيل ستضاف إليها وسائل ابتزاز وتعطيل الاتحاد الأوروبي. كذلك ستجد الحكومة نفسها في مواجهة مع مؤسسات الدولة اليونانية، حيث أن المؤسسة الأمنية المتمثلة بالشرطة هي مؤسسة رجعية كانت قد أعطت نصف أصواتها في الانتخابات إلى أحزاب عنصرية ويمينية متطرفة.
وسوف تكون التحديات كبيرة حيث سيكون التحدي الأول المطروح: التراجع تحت ضغط المواجهة والاعتراضات أو المضي قدماً ما يعني الاستعداد لاتخاذ إجراءات إشكالية مثل إلغاء الديون ووقف الخصخصة واستعادة أملاك الدولة. التراجع بعد كل الوعود الانتخابية سيعني حتماً القضاء على شعبية هذا الحزب وإنهاء حياته السياسية في صناديق الاقتراع، أما المضي قدماً فسوف يحتاج إلى دعم شعبي ضاغط على الحكومة من أجل الإيفاء بتعهداتها، وبالتالي قد يمثل تشكيل «سيريزا» الحكومة دفعاً للحراك الشعبي والعمالي وليس انتهاء له. وفي هذا الإطار، ينبغي ترقب مسارات الأمور حيث أن تطبيق الوعود الانتخابية والدفاع عنها سياسياً وشعبياً قد يدفع بالأمور إلى المزيد من التجذر وأبعد مما يطرحه الحزب، وبالتالي هذا الاعتدال يحمل في بنيته الداخلية وطبيعة برنامجه دينامية صراعية قد تؤدي إلى تجذير الطرح السياسي. ومن المؤكد أن خطوات جدية على طريق تحقيق مطالب الناس سوف تدفع الناس إلى الالتفاف حول خطها السياسي وتحمي تطوير الصراع مع الرأسمالية.
في هذا الإطار يمكن القول بأن المستقبل هو الذي سيحدد طبيعة التغيير الذي حصل في اليونان. سوف يكون تغييراً يسارياً إن وفى «سيريزا» بوعوده ونجح في خلق كتلة شعبية ضاغطة تحمي خياراته الصعبة بوجه الطبقة الرأسمالية اليونانية والأوروبية، وسيتحول إلى تغيير شكلي ينتهي معه دور «سيريزا» لاحقاً إن تراجع عن تطبيق الوعود الانتخابية أو فشل في خلق الكتلة الشعبية الحامية للمشروع السياسي.
* ناشط يساري ــــ لبنان