أتقن خصوم حزب الله منطق المزايدة كما أتقنها من قبلهم خصوم المقاومة الفلسطينيّة في لبنان وفي خارجه. ويحكم (لا) منطق المزايدين تهافت منبعه تبدّل وتقلّب مواقف رعاتهم عبر السنوات. والمزايدة فنّ في السياسة العربيّة، والكلمة تصعب ترجمتها إلى لغات أخرى، خصوصاً أن صياغاتها تستعير من صنع لا علاقة لها بالسياسة. الكتب والمقالات التي تحدثت عنها - أي المزايدة السياسّة العربيّة - بلغات أخرى لاحظت كثرة الاستعمال في الخطاب السياسي العربي المعاصر. والمزايدة حكمت التاريخ المبكّر في الإسلام.


كانت منطق المزايدة آنذاك في الظهور بمظهر الحاكم بما أمر الله به والحكم على معصيّة الآخرين. وشعار الخوارج الأوّل هدف إلى المزايدة على الحكم الإسلامي من معيار الحكم الإلهي. والمزايدة العربيّة المعاصرة صنعة لعبها البعثيّون بمهارة فائقة وإن خفتت فعاليّتها بعد عقود من الحكم والإفراط في الاستعمال. وليس من المبالغة القول ان إحراج عبد الناصر واضطراره إلى سحب القوّات الدوليّة من سيناء عام 1967 كان نتيجة المزايدة التي حاصرته: من اليمين من قبل النظام الأردني - المُرتبط عضويّاً دوماً بمصالح العدوّ الإسرائيلي - ومن اليسار من قبل حزب البعث في سوريا. كان على عبد الناصر، الذي لا يختلف عن القادة الفاعلين في قدرته على التحكّم بعواطفه ودراسة قراره بعناية ودراية غير خاضعة لمزاجه أو لمزاج المزايدين، أن يقاوم رغبة التجاوب مع الضغوطات التي فرضها عليه خصومه.

المزايدة تكون أحياناً تلبية لمُشغّل خارجي يريد تنفيذ مآربه من خلال أدوات محليّة
ما علينا، تصعب إعادة التاريخ القهقرى من أجل منع الهزيمة الشنيعة، وإن أغرانا الخيال بذلك.
إن فن المزايدة ليس وليد العفويّة في المواقف. المزايدة تكون أحياناً كثيرة تلبية لمُشغّل خارجي يريد تنفيذ مآربه من خلال أدوات محليّة. وعندما سخر النظام الأردني عشيّة عدوان عام 1967 من نيّة عبد الناصر في خوض المعارك ضد العدو وفي تحرير الأرض، لم يفعل ذلك لأن رغبة التحرير كانت تحرّقه وتؤرقه. النظام الذي تواطأ مع العدوّ في كل مراحل الصراع العربي ــ الإسرائيلي سخر من نيّة ورغبة النظام الناصري في تحرير الأرض، ربّما بهدف تحقيق خدمة (غير) مجانيّة للعدوّ، فيما كان النظام السوري يدفع بالنظام المصري إلى مواجهة لم يكن مستعدّاً لها (هذا لا يعفي النظام الناصري من المسؤوليّة، طبعاً).
لكن رياضة المزايدة باتت هي السائدة في إعلام آل سعود وآل ثاني (والتوابع في آل الحريري) في التعاطي مع حزب الله. لا يخوض خصوم حزب الله مناظرة او نقاشاً معه بل هم يتصيّدون كلمات امينه العام فقط من اجل المزايدة عليه والسخرية منه وإحراج الحزب في أنظار الرأي العام. والأوامر العليا هي الطاغية. لو اعترف حزب الله بالكيان اللبناني، يأتون بتسجيلات قديمة لحسن نصرالله كي يقولوا: لكن ماذا عن مواقف قديمة للحزب؟ واللعبة التي يمارسها كتّاب الحريريّة بانتظام تنطبق أكثر على الأمير والشيخ الراعي. ماذا لو أتينا بتصريحات للسنيورة وجنبلاط والملك عبدالله والحريري (الأب والابن) في مديح النظام السوري وفي مديح المقاومة وسلاحها (بعد 2000)؟ ماذا لو أتينا بتصريحات يقول فيها كل هؤلاء بضرورة تحرير مزارع شبعا بكل الوسائل؟ ولو حثّ الحزب على التهدئة والسكينة، لقالوا: لكن ماذا عن 7 أيّار؟ ولو جزم أنه لم يطرح يوماً المثالثة، لقالوا: لكن قرأنا لمواطن يقطن في الضاحية كلاماً يُشتم منه نيّة المثالثة؟ وقس على ذلك.
ومزايدات خصوم حزب الله لا تعير الحقيقة أهميّة. لكن هذا هو عصرنا، العصر الذي يجلس فيها مروان حمادة في محكمة الحريري الدوليّة (شاهداً، على ماذا؟) كي يعترف إنه كتب مدائح لحافظ الأسد ونظامه لكن تفسيره هو أنه فعل ذلك لأنه «قومي عربي». لكن هو أيّد عدوان تمّوز (كما قرأنا في «ويكيليكس»، وهل نشر خرائط شبكة اتصالات المقاومة من منطلق قومي عربي أيضاً؟) وغطّاس خوري (شاهد آخر) يجلس في قاعة المحكمة ويعترف أنه زار رستم غزالي لكن يعترض على وصف الزيارة بأنها كانت للتهنئة ويقول إنها كانت «للمجاملة» فقط. وسليم دياب (شاهد آخر) يشرح للمحكمة أن الحريري لم يدفع رشى بل كان يقدّم مساعدات ماليّة (هل كان هذا الوصف يسري في أي محكمة من دول الغرب التي تدعم المحكمة؟) وتستطيع جماعة 14 آذار أن تستفيض في ادعاء البطولات الوهميّة وفي اختلاق السيناريوهات المجيدة وفي تقيّؤ أكاذيب تتناقض مع سيرهم الذاتيّة لأن الفريق الآخر - خصوصاً حزب الله - لا يحسن الردّ، ولا يرتأيه. هي مناظرة من طرف واحد، ومن أصول المناظرة ان الغائب عنها يخسر حكماً.
وقد ردّ حزب الله على العدوان إسرائيلي في القنيطرة، وقد ردّ وأصاب. وقد ردّ بعد أيام من جزم جماعة 14 آذار أنه لن يردّ. أستاذ علوم سياسيّة في الجامعة الأميركيّة في بيروت جزم في حديث مع «واشنطن بوست» قبل أيّام فقط من رد الحزب أنه «لن يردّ». وفارس سعيد خلص على «تويتر (قبل الردّ) إلى القول إن عدم ردّ الحزب «يؤكّد ان الحزب يضع في أولويّاته دعم نظام الأسد». وقد ردّ الحزب بطريقة شلّت قدرة العدوّ على الردّ وقطعت عليه طريق استغلالها. أي ان الردّ كان فعّالاً وماهراً ومُفحماً. والمقاومة في لبنان ترمي وتصيب، على طريقة السهل الممتنع. أذكر انه في سنوات منظمّة التحرير كانت الفصائل (اللبنانيّة والفلسطينيّة) تجهد كثيراً كي تصيب جنديّاً إسرائيليّاً واحدّاً. هذه مقاومة من نوع وصنف آخر في المهارة والفعاليّة. وعندما يهدّد حسن نصرالله العدوّ الإسرائيلي تكون تهديداته (وهي مصوغة بعناية ودقّة) ذات مصداقيّة، وتصيب العدوّ بالرعب. هذا عنصر جديد في الصراع مع العدوّ. لم يكن العدوّ يعير تهديدات ياسر عرفات أي اعتبار يُذكر.
لكن ما مشكلة المزايدين على حزب الله؟ هي متنوّعة.
أولاً، وضع مزارع شبعا. يسوق إعلام 14 آذار لكذبة ان الأمم المتحدة تعتبر ان مزارع شبعا هي سوريّة. لا، إن تيري رود لارسن (الموالي للحريري وللعدوّ الإسرائيلي بقوّة) هو الذي قرّر انها سوريّة (يروي فاروق الشرع ذلك في كتابه الصادر حديثاً). يجب ان يُفرض على كل جماعة 14 آذار مادة في التمهيد للعلاقات الدوليّة كي يعلموا ويعلمن ان الأمم المتحدة لا تقرّر الحدود بين الدول، وليس ذلك في صلاحيّتها أو سلطتها على الإطلاق. سوّق تري رود لارسن للكذبة وابتلعها فريق 14 آذار لأنها تصبّ في مصلحة العدوّ الإسرائيلي (ومصلحتهم هم، يا للصدفة). إن تعيين وترسيم الحدود يخضع لمعاهدات واتفاقيّات بين الدول، وتُحفظ الاتفاقيّات في أدراج الأمم المتحدة. أي أن دور الأمم المتحدة ينحصر في التخزين فقط. سركيس نعّوم طوّر المقولة تلك هذا الأسبوع في إطلالة وقال إن «المجتمع الدولي» قرّر ان مزارع شبعا سوريّة. وكيف قرّر المجتمع الدولي ذلك؟ وهل قرر المجتمع الدولي الحدود المُتنازع عليها بين المملكة السعوديّة وعمان أيضاً؟
ثم لنفترض أنها سوريّة، هل هذا يعني أنه يحق للعدوّ الإسرائيلي ان يحتفظ بها جائزة من الجوائز؟ أم ان ذلك يعني أن لبنان يتخلّى عن قطعة من أرضه، أو من أرض سوريّة، فقط كي ينزع عن المقاومة مشروعيّة مقاومتها، أو تطبيقاً لتفسير ميشال سليمان لإعلان بعبدا؟ لكن العدوّ نفسه يفشل مخطّطات أعوانه في لبنان، إذ أنه يحتلّ أراض أخرى غير شعبا، لكن ميشال سليمان حرص على ضرورة «إخلائها» قبل ان يترك سدّة الرئاسة.
ثانياً، هناك مقولة إن الحزب ردّ لكن بالنيابة عن النظام الإيراني. لكن كيف يعرف خصوم حزب الله نواياه ومقاصده؟ وماذا لو أن نواياه كانت إيرانيّة أو صفويّة فيما النتائج هي عمليّة ناجحة ضد جنود الاحتلال؟ وهل كانت هناك مقاومة في العالم (من فييتنام إلى الجزائر إلى جنوب أفريقيا) لم تكن تعتمد على دعم خارجي؟ لكن مهما فعل الحزب ومهما أصاب العدوّ سيتدافعون كي يجدوا الأسباب التخفيفيّة للعدوّ، وكي يجعلوا من حزب الله هو العدوّ (مع إضافة كليشيهة أن «إسرائيل عدوّ» وإن كنا - أي هم - نحرص على مصالحها).
ثالثاً، ماذا يفعل حزب الله في سوريا وتدخّله هناك منع عنه التعاطف حتى مع شهادئه الذين سقطوا على يد العدوّ الإسرائيلي. بصرف النظر عن الجدال في شأن التدخّل من قبل الحزب في سوريا، لماذا يكون التدخّل سبباً لحظر التعاطف مع شهداء له سقطوا على يد العدوّ؟ ألم يتدخّل الحريري (الأب والابن بعده) في الشأن السوري والعراقي والفلسطيني؟ ألم يرتبط الحريري ماليّاً وسياسيّاً مع دمية الاحتلال الأميركي، اياد علاّوي؟ ألم يكن الحريري يرتبط ماليّاً مع قادة في المخابرات والنظام السوري لإحداث تغيير ملائم للمصالح السعوديّة (وكان يعوّل على الداعية الديمقراطي، غازي كنعان في التغيير)؟ والغريب ان فريق 14 آذار قاد حملة مؤثّرة على وسائل التواصل الاجتماعي هذا الأسبوع للتعاطف مع الطيّار الأردني الذي قتلته «داعش» مع أنه هو كان يتدخّل (بالطائرات الحربيّة وبأوامر أميركيّة) في الشأن السوري؟ انتشرت حملة تعاطف مع الطيّار الأردني الذي كان يتدخّل في سوريا ضد المجموعات نفسها التي يتدخّل حزب الله ضدّها. لكن لا يجوز التعاطف مع جنود ومقاتلين لا يرتبطون بنظام غير مُطبّع.
رابعاً، أن الردّ على عدوان إسرائيل كان محدوداً. هنا مكمن المزايدة. لو أن الحزب فتح نيران صواريخه على العدوّ ولو أن العدوّ تدخّل بوحشيّة ضد لبنان ولو قتل الآلاف كعادته، لصاحت كل الأصوات المزايدة مُحمّلة الحزب - لا العدوّ - المسؤوليّة عن الخراب والدمار. أما إذا كان ردّ الحزب محدوداً ومدروساً وماهراً - كما كان - فإن محترفي المزايدة يسخرون من حجم الردّ وكأنهم يطالبون الحزب بالمزيد. وهم لا يريدون المزيد إلا من أجل تحميل الحزب المسؤوليّة عن جرائم إسرائيليّة متأتيّة. لا، ليس التطابق مع مصلحة العدوّ الدعائيّة صدفة من الصدف.
خامساً، يعترض المزايدون على أي ردّ على عدوان إسرائيلي من قبل الحزب ويذكّرون ان الشعب اللبناني لن يقف «صفاً واحداً» هذه المرّة إلى جانب الحزب. صفّاً واحداً؟ متى كان ذلك؟ متى وقف اللبنانيّون في تاريخ مسخ الوطن صفّاً واحداً في صفّ مقاومة العدوان؟ في كل تاريخ لبنان، كان هناك من يقف في صفّ العدوان ومن يقف في صف المقاومة. وقد وقفت كل قوى 14 آذار في صف العدوان في تمّوز 2006، ولاحظنا ذلك قبل صدور تسريبات «ويكيليكس» بكثير. وهناك من يذكّر بجميل مَن استقبل هؤلاء النازحين، مع ان النازحين يذكرون الكلام المهين الذي قيل لهم في مناطق خاضعة لسيطرة 14 آذار، خصوصاً في مناطق نفوذ المغرّد الديمقراطي الوهّابي جنبلاط.
سادساً، هناك من يأخذ على الحزب ولاءه للنظام الإيران. وتحالف الحزب الوثيق للنظام الإيراني ليس سرّاً. لكن السؤال هو: إن حزب الله موالٍ للنظام الإيراني، كما أن كل فريق 14 آذار موالٍ للنظام السعودي (يجب قراءة مرثيّة وهبة قاطيشا من بين كل مرثيّات فريق 14 آذار عن عبدالله من عبد العزيز، والذي قدّم عنها الزميل غسّان سعود عرضاً وافياً). لكن: هل ولاء حزب الله للنظام الإيراني يفوق ولاء فريق 14 آذار للنظام السعودي؟ أو لنسأل بطريقة مختلفة: مَن تتصوّر (أو تتصوّرين) أن له هامش المناورة والحركة والنقاش أكثر: حسن نصرالله إزاء إيران أم سعد الحريري إزاء النظام السعودي؟ ليس هناك من يتردّد في الإيجابة الواضحة، بعيداً من الدعاية والسجالات السياسيّة الرائجة.
سابعاً، هناك أيضاً المزايدة الإيديولوجيّة عن أن الحزب منع اليسار من القيام بمقاومة ضد العدوّ الإسرائيلي. ينسى هؤلاء، أو ينتاسى، ان محسن إبراهيم (واحد من مؤسّسي الصيغة الثانية لجبهة المقاومة عام 1982 - إذ أن الصيغة الأولى أطلقها حزب العمل الاشتراكي العربي ــ لبنان في ربيع 1978) كان في عام 1983 يتمهل في إصدار حكم على نظام أمين الجميّل ويوحي - ربما بإيعاز من ياسر عرفات - بأن العداء لبشير الجميّل لا يجب بالضرورة ان ينعكس عداء ضد أخيه.
ثامناً، هناك من يردّ فذاذة حزب الله في المقاومة إلى المال الإيراني الوفير ناسياً ان منظمّة التحرير كنزت من المال أكثر بكثير من ميزانيّة حزب الله، كما أن أحزاب الحركة الوطنيّة اللبنانيّة - أو رصائد أمنائها العاميّن - كانت تتلقّى مبالغ مقطوعة طائلة من النظام الليبي أو (و) من النظام العراقي.
لكن أطرف مزايدة كانت من رئيس تحرير موقع «المدن» القطري. ورئيس التحرير هذا عُرف في مستهلّ إطلاق الموقع (المدني جداً، إيّاك ان تنسى) بمقالة شهيرة عن التغيير الديمقراطي في قطر (أي ان صبّ اهتمام الكاتب المذكور هو في الديمقراطيّة وما خلافه مع حزب الله إلا حول الديمقراطيّة). وقال في مقالة «تنحّي الأمير» (والتي أزيلت عجائبيّاً عن الموقع، وأدّت عند نشرها إلى احتجاج وإضراب لم يطل من العاملين والعاملات فيه) «والأمير تميم يريد ان يكون هو المثال الجديد الذي يثبت ان الربيع العربي الذي بشّرت به قطر حلّ في أرجائها». (والمقالة نُشرت قبل عاميْن، ولقد أتيح لنا التمتّع «بالربيع العربي» الذي بشّرنا الكاتب به بالنيابة عن قطر). لا، ويصف الكاتب ربيعَه بأنه «الربيع القطري» والذي بسبب إيغاله في الديمقراطيّة (لأن الابن تسلّم السلطة من أبيه - أوّاه) لا يسمح بوجود مقاومات لأن الشعب منصرف في التفيّؤ بالربيع القطري (ويمكن ان نضيف السعودي أيضاً). أما الأمير السابق فهو، كما يعلمنا الكاتب، فقد دخل «إلى كتاب التاريخ». هذه المقدّمة ضروريّة قبل النظر في مسألة عتاب الكاتب مع حزب الله ومقاومته كي نفهم مقاصدها الديمقراطيّة السمحة.
ويعمد الكاتب «المدني» إلى السجال مع حزب الله لكن ليس مع حزب الله عبر تصريحات قادته وبياناته الرسميّة. هو يلجأ إلى تلك الحيلة التي يلجأ إليها كل إعلام آل ثاني وآل سعود وآل الحريري في مساجلة كاتب ما على «فايسبوك» وإلصاق المسؤوليّة إلى حسن نصرالله. يكفي أن يكون اسم الكاتب حسين أو عبّاس كي يُتهم نصرالله بالإيعاز إلى الكاتب. لكن ليس هناك من شيعي يتحرّك من دون أمر خطّي من نصرالله (هذا ما يعنونه بعبارة «بيئة حزب الله» والتي يريدونها مصطلحاً مهذّباً عن الطائفة الشيعيّة «الكريمة» طبعاً، لأن اللبنانيّن واللبنانيّات لا يصفون طائفة بـ«الكريمة» إلا قبل ان يعيّروها ويحقّروها بأقذع الأوصاف). يقول الكاتب ان الردّ كان متواضعاً جداً لأن «التهديدات التي أطلقت في أعقاب الغارة» كانت كبيرة جداً. لكن متى أطلق الحزب تهديدات (كبيرة أم صغيرة بعد عدوان القنيطرة؟ ومتى كان الحزب يلجأ إلى العنتريّات الذي برع فيها ياسر عرفات والذي لا يزال يحظى بتأييد فريق في 14 آذار (من خرّيجي الحركة الوطنيّة اللبنانيّة) مع ان تجربته في المقاومة لا تقاس بحجم تجربة حزب الله الفذّة؟ ولو أن الحزب ردّ بقوّة هل كان الكاتب المذكور سيدافع عن الحزب، أم أنه سينشغل حينها في مديح «الربيع القطري»؟
والأطرف أنّ الكاتب أخذ على الحزب أنّه ليس «قوة حاسمة» وأنه «لاعب منضبط» في المعادلة الإقليميّة. لكنه كتب ذلك قبل خطاب نصرالله الذي أعلن فيه أن الحزب لن يلتزم «قواعد الاشتباك» التقليديّة في التصدّي لإرهاب العدوّ. هل هذا سيعجب صاحبكم؟ هل سيكتب كلاماً في مديح ذلك؟
لا، أكثر من ذلك. يريد الكاتب فتح جبهة الجولان وخوض حرب شاملة مع العدوّ، مع أنه هو وأترابه سيكونون أوّل من يقف ضدّها وأوّل من سيحمّل حزب الله - لا إسرائيل - تبعاتها ونتائجها والدمار التي سيتأتّى جراء وحشيّة العدوّ الإسرائيلي. إن هذا النوع من المزايدة لا يختلف البتّة عن مزايدات أبواق النظام الأردني عشيّة حرب 1967. كانوا يسخرون من عبدالناصر لأنه لا يفتح الجبهة مع العدوّ، وكانوا هم أوّل من حمّل عبد الناصر مسؤوليّة حرب أشعلها العدوّ - لا عبد الناصر. إن منطق المزايدة يصبّ، عن قصد عند البعض وعن غير قصد عند البعض الآخر، في مصلحة دعاية العدوّ. وبات العدوّ الإسرائيلي يجترّ دعاية إعلام 14 اللبناني والسوري لأن ذلك يسهّل عليه مهمّة القول: هذا ما يقوله اللبنانيّون والسوريّون ضد حزب الله.
أما تيّار المستقبل فثار لأن الحزب «تفلّت وتسرّع» في إعلان الانسحاب من قواعد الاشتباك التي لم تكن يوماً إلّا في صالح العدوّ الإسرائيلي. اعترض التيّار لأن «القواعد» هي - في عرفه - محلّ إجماع عند اللبنانيّين، وكأن هناك ما هو محلّ إجماع في الجمهوريّة المتخلخلة منذ الولادة. يريد التيّار من الحزب الذي يريده ان ينزع سلاحه ان يلتزم قواعد الاشتباك التي تسمح للعدوّ بالاعتداء من دون وازع أو رادع.
لقد شكّل حزب الله تجربة فريدة في المقاومة. قد تكون تجربة حزب الله التي تمثّلت في حرب تمّوز (والتي ألهمت تجربة المقاومة في غزة في العام الماضي) أوّل هزيمة حقيقيّة للعدوّ الإسرائيلي الذي خاض للمرّة الأولى مضطراً حرباً طويلة لم يستطع ان يجعلها خاطفة (إن العدوّ الإسرائيلي عكس مسار الحرب في 1973 لصالحه بعد أيّام فقط من شنّها). لم يسبق ان فرض عدوّ لإسرائيل حالة من الذعر والاضطراب على دولتها ومجتمعها كما فرض حزب الله. هذه حقيقة. لكن أعداء حزب الله مرتبطون بمصالح ودعاية النظام السعودي الذي قرّر بعد أن أحكم تحالفه مع العدوّ الإسرائيلي ان يشنّ حرباً لا هوادة فيها ضدّ كل من يقاوم إسرائيل (لا ننسى ان النظام السعودي فرض حالة حصار وعداء ضد «حماس» أيضاً، أي ان مصلحة العدوّ عند آل سعود تتفوّق على مصلحة الفتنة الطائفيّة ــ المذهبيّة).
إن الإفراط من المزايدة في إعلام النفط والغاز يقلّل من فعاليتها. تشعر أنّ هناك حالة من الحماسة المفرطة لتقويض كل المقاومات للعدوّ. لكن المقاومات لا يمكن ان تخضع لتأثير المزايدات لأن الحكم عليها غير خاضع لمعايير بعيدة من الميدان. والردّ على المزايدين لا يكون لفظيّاً لكن بالمزيد من... المقاومة.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:angryarab.blogspot.com)