المسار الذي تتخذه الأزمة في اليونان يلاقي احتضانا شعبيا واسعاً، وهذا بحدّ ذاته مؤشّر جيّد على أداء الحكومة التي يقودها اليكسيس تسيبراس، إذ لم تكد التظاهرات تنتهي احتجاجاً على تعليق المصرف المركزي الأوروبي العمل بإجراءات الاقتراض المُيسّرة (بضمان سندات الدين الحكومية) حتى عادت مجدداً، وهذه المرّة من باب دعم البرلمان الذي أقرّ بأغلبية واضحة خطّة الحكومة لإلغاء برنامج الإنقاذ المالي الخاصّ بالترويكا. فقد حصل تسيبراس على تأييد 162 نائباً في البرلمان المكوّن من 300 مقعد، علماً أنّ حزبه يحوز 149 مقعداً، وسانده في التصويت شريكه في الائتلاف الحكومي «حزب اليونانيين المستقلّين» اليميني الحائز 13 مقعداً، فيما امتنعت الكتل الأخرى عن التصويت.


وما جرى في البرلمان هو بالضبط ما سميته في الأسبوع الماضي العودة إلى القواعد، إذ إنّ التفاوض مع الترويكا يصبح في غياب «الاستفتاء الشعبي» بلا جدوى، فهو يستمد قوّته من وقوف الناس إلى جانب الحكومة في استراتيجيتها الرامية إلى إلغاء الاتفاقات المبرمة سابقاً، أو على الأقلّ عدم التمديد لها. وحين ينتقل الإجماع على هذا الإلغاء من خارج البرلمان إلى داخله بعد الشوط الأول من المفاوضات مع أوروبا، فهذا يعني أنّ الاستراتيجية الحكومية باتت تمثل الشعب لا الحكومة فقط، وهو بالتحديد ما تخشى منه الترويكا، وتعمل على إضعافه عبر حرمان اليونان «مستحقّاته» ورفض التنازل عن الشروط التي وضعتها في السابق لتمويل ديونه.

«التراجع» بالطبع جزء من استراتيجية الحكومة اليونانية في التفاوض مع الترويكا الأوروبية

هي تراهن هنا على دفع الناس إلى الصدام مع الحكومة الجديدة حال انتهاء «المساعدات» التي يوفّرها برنامج الإقراض الأوروبي، مستغلّة الواقع الاقتصادي الذي يبقيهم رهينة التفاوض معها. القواعد الشعبية في المقابل ترفض كما حكومتها المنتخَبة بأكثرية واضحة هذا الابتزاز، وتلوّح بجعل الترويكا تدفع الثمن، إن لم يكن في البرلمان حيث ممثّلوها الشرعيون، ففي الشارع. هناك يستطيع مؤيّدو الحكومة إفهام الترويكا، ومن ورائها ألمانيا، أنهم أصحاب القرار الفعلي، فكما انتخبوا «سيريزا» بالاقتراع المباشر لتخليصهم من برنامج التقشّف وإنهاء مشكلة الديون، كذلك سيفعلون لإبقائها عند وعودها الانتخابية، وهو بالفعل ما حصل أثناء التصويت الأخير.
كانت أصوات الناس مسموعة في البرلمان أثناء التصويت، ولم يكن بالإمكان تجاهل قدرتها على التأثير في الائتلاف الحكومي، الذي عاد رئيسه من جولته الأوروبية مباشرةً للوفاء بالتزاماته أمام الشعب. حصل كلّ ذلك قبل انعقاد اجتماع بروكسل الذي بحث فيه وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي مسألة ديون اليونان وفشلوا عبره في الوصول إلى حلّ مناسب لهم، وبالتالي وصلت الرسالة الصارمة التي حملها إلى الاجتماع وزير المالية اليوناني يانيس فاروفاكيس، وانتهت الاجتماعات على أثرها بدون نتيجة تذكر.

«الحكم عبر الشارع»

عشية التصويت في البرلمان على التمديد من عدمه كانت القاعدة الشعبية للحكومة قد حسمت أمرها. فالداعمون للقرار الذي اتخذه تسيبراس بعدم التمديد للاتفاقات مع الترويكا لم يخرجوا في أثينا فقط، حيث كانت تجري التظاهرات المؤيدة لسيريزا عادةً وإنما في مدن ومقاطعات عديدة مثل تسالونيكي، كريت ..الخ، وهذا مؤشّر إضافي على اتساع الرقعة الجغرافية التي ينتشر عليها مؤيّدو الائتلاف الحكومي. وهو ما يمكن اعتباره انجازاً لهذا الحزب الذي استطاع في غضون أسابيعَ قليلة كسب المزيد من المؤيدين لمشروعه على قاعدة الشراكة في القرار السياسي والمساهمة الفعّالة في جعل الشارع المتظاهر جزءاً لا يتجزّأ من آلية التفاوض مع الخصوم.
هذه السياسة لم تكن مطروقة كثيراً قبل ظهور سيريزا، ولا ننسى أيضاً أنّ أحد بنود البرنامج الانتخابي للحزب كان يدعو إلى الديمقراطية المباشرة التي يصبح فيها الشعب قادراً على الحكم من دون آليات وسيطة، وبالاعتماد على ممثّلين يشاركونه الاختيار ويعودون إليه في كلّ القرارات المتعلّقة بالسياسة العامة للدولة. طبعاً هذه الصيغة متوافرة في معظم أدبيات اليسار الراديكالي، والتطرّق إليها من جانب «سيريزا» لا يعد أمراً جديداً. غير أنّ الجديد حقاً هنا هو وصول الحزب اليوناني إلى الحكم بخلاف كلّ التجارب السابقة التي لم تكن تسمح لليسار الراديكالي باختبار نظرياته في السياسة ووضعها موضع التطبيق.
الآن أصبح هذا الأمر من الماضي، وبدأنا بالفعل نلمس ثمار التراكمات التي أُنجزت في حقبة الصدام مع الدولة وأجهزتها، فما يفعله أنصار سيريزا الذين يعبّرون في الحقيقة عن مزاج شعبي كبير في اليونان أنهم ببساطة.. يحكمون. يفعلون ذلك بالاتفاق مع ممثّليهم المنتَخبين في الحكومة والبرلمان، ولا يدَعُون شاردة وواردة تمرّ من دون أن يتدخّلوا فيها، وهذا في الواقع أمر جديد على أوروبا إن لم نقل على العالم بأسره. ومن هنا تصبح الأزمة اليونانية مدخلاً لفهم العلاقة المتغيّرة بين الحكومات والشعوب أقلّه على المستوى الأوروبي؛ فالترويكا الأوروبية حين تفاوض اليونان لا تفعل ذلك باسم الشعوب أو الكتل الاجتماعية التي تدّعي تمثيلها، لأنها ببساطة مؤسّسات «غير منتخبة» (وأعني المفوضية والبرلمان تحديداً)، وإذا كانت تعد نفسها «ممثّلة لشعوب أوروبا» كما في حالة البرلمان، فهذا لأنّ التشريع الليبرالي سمح لها بتفويض برلماني – من جانب المؤسّسات البرلمانية المحلّية في كلّ دولة من دول أوروبا - يعد في رأيي محدوداً ومنقطعاً عن التغيّرات الاجتماعية العميقة الحاصلة في المجتمع الأوروبي. هي بهذا المعنى لا تمثّل شعوب أوروبا، وتتمتع على الأغلب بتفويض جزئي لا يخوّلها التصرّف بمصير الشعوب الأخرى. ومع ذلك تأتي إلى اليونان- بكلّ وقاحة وعنجهية وصلف - التي غدت الدولة الأكثر ديموقراطية في القارّة لتعظها في طريقة إدارتها لمواردها الاقتصادية، وتقطع الطريق على التفويض الذي أُعطي للحكومة من جانب شعبها. والحال أنّ هذا التفويض هو الذي قطع الطريق على الترويكا لا العكس، مجبراً إياها على الرضوخ أقلّه لغاية الثامن والعشرين من شباط الجاري موعد انتهاء العمل «باتفاقية الإنقاذ المالي» المبرمة سابقاً.

حصاد عدم الرضوخ

إذا رصدنا الخط البياني لسير المفاوضات بين الحكومة اليونانية والترويكا، فسنجد أنه لم يكن لمصلحة اليونان دائماً، بل تخلّلته محطّات بدت فيها الحكومة مستعدّة «للمساومة على قرارها» بشطب نصف الديون وإلغاء العمل «باتفاقية الإنقاذ» الموقّعة سابقاً. وقد عبّر عن هذا الاتجاه وزير المالية يانيس فاروفاكيس، حين اقترح على الترويكا خطّة تتضمن عدم المطالبة بشطب الديون والاستعاضة عنها بتحويل هذه الأخيرة إلى نوعين من السندات. هذا الطرح كان وليد النقاشات مع وزراء المال الأوروبيين، الذين أبدوا تشدداً كبيراً تجاه فكرة شطب الديون التي تحملتها الحكومة اليونانية. وبناءً عليه، أبدت اليونان على لسان وزير ماليتها استعداداً للبحث في طروحات بديلة لا تتراجع عن مطالب الحكومة صراحةً، وتراعي في الوقت ذاته مخاوف الدائنين والمقرضين الأوروبيين. يقوم هذا الطرح على الربط بين السندات الجديدة المنوي إصدارها ووتائر النمو الاقتصادي في اليونان، بحيث يخفّف الضغط على اقتصاد البلاد ولا يترك السندات من دون استحقاق الدفع، وهو ما يلبي أيضاً مصالح الدائنين الذين يريدون استرجاع أموالهم.
حمل فاروفاكيس هذا الطرح إلى نظرائه الأوروبيين كنوع من التسوية أو الأمل بالتوصل إلى حلّ وسط، لكنه جوبه بتعنّت شديد من جانب الألمان على لسان وزير المالية هناك وولفغانغ شويبله، الذي رفض كلّ الطروحات التي تقدمت بها اليونان، وأصرّ على تنفيذ الاتفاقيات من دون أيّ تعديل على بنودها، ما اضطر فاروفاكيس إلى «التراجع عن طروحاته»، والعودة إلى ما جرى التوافق عليه داخل الحكومة اليونانية، وهو قرار شطب الديون الذي أوصل سيريزا إلى الحكم بدعم شعبي منقطع النظير.
«التراجع» بالطبع هو جزء من استراتيجية الحكومة في التفاوض مع الترويكا، وهذا يعني أنه غير نهائي، وبالامكان معاودة العمل به إذا ما استجابت الترويكا لشروط اليونان في تعديل صفقة الديون بما يتلاءم مع خطّة الحكومة الاقتصادية، لكنه ليس اجراءً تكتيكياً فحسب، إذ انه يعبّر في الحقيقة عن رغبة الحكومة في الاستجابة لناخبيها بعدما لمست التوسّع المطرد لتحالفها الاجتماعي؛ فهذا الأخير لم يعد يضمّ قاعدة «سيريزا» وحدها، وإنما أصبح يمثّل شرائح يونانية مختلفة - وأغلبها لا يعد نفسه يسارياً فقط - تشعر بالمهانة من سياسات الخضوع للترويكا وألمانيا، وتودّ لو تبصق في وجههما.
هذا التوسّع في قاعدة المؤيّدين فرض على الحكومة تطوير استراتيجيتها التفاوضية، بحيث يصبح ممكناً العودة إلى اليونانيين من مختلف المشارب و«استفتاؤهم» بعد كلّ خطوة تقدم عليها الحكومة باتجاه الترويكا، وهو ما حصل بالفعل بعد عودة فاروفاكيس إلى اليونان من جولته الأوروبية.
إذ لم تكد تنتهي الجولة حتى اعتلى اليكسيس تسيبراس منبر البرلمان وألقى أوّل خطاب رسمي له بعد انتخابه. في هذا الخطاب أعاد الرجل التذكير بثوابت الحكومة الاقتصادية، إن لجهة شطب الديون أو لجهة عدم تمديد اتفاقيات الإقراض. وكانت لافتةً إشارته القويّة إلى وزير المالية الألماني، اذ عدّه مسؤولاً على نحو مباشر عن الضغوط التي تتعرّض لها اليونان. يقول تسيبراس في خطابه: «أود أن أكرّر اليوم، أننا لن نطلب تمديد العمل ببرنامج الإنقاذ مهما طالب شويبله بذلك». ثم يضيف «إن شويبله يطرح أموراً غير منطقية، ويتعمّد الإيغال في الخطأ»، في إشارة واضحة منه إلى اتفاقيات الإقراض التي تتشدّد ألمانيا في تطبيقها. النبرة كانت عالية أيضاً على مستوى الشكل، لا المضمون فحسب، فأثناء عرضه لخطّة حكومته التي يتضمّنها البرنامج الانتخابي للحزب، قال تسيبراس وسط تصفيق من النواب إنه من الآن فصاعداً «اليونان تقدم الاقتراحات، ولا تتلقى الأوامر بالبريد الالكتروني».
بالطبع قدّم الرجل لاحقاً عرضا معقولاً للترويكا، يتضمّن الاقتراحات الخاصّة بوزير ماليته، التي سيُعمَل بها على الأرجح في القمة الأوروبية اليوم الاثنين، إلا انه كان يفعل ذلك بموجب الالتزامات التي قدّمها إلى شعبه؛ فالتفاوض بالنسبة إليه هو آليّة تجري في العلن، ولا يمكن الدفع بها من دون الاعتماد على الناس. لا ننسى أنّ الطبقات الاجتماعية التي تنتخب ممثّليها في هذا النوع من «الحكم المباشر» هي التي تحكم عملياً، والدليل على ذلك هو النزول المتكرّر لليونانيين إلى شوارع وساحات البلاد للضغط على الحكومة وإبقائها عند التزاماتها الانتخابية الخاصّة، بشطب الديون وعدم التمديد لاتفاقيات الإقراض. لأول مرّة نشهد في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية «حكماً برأسين»: الأوّل في الشارع، والثاني في الحكومة والبرلمان المنتَخَبين، وهذا ليس استثناءَ بالمناسبة، بل هي القاعدة التي يجب تعميمها حتى لا تبقى مقاليد الأمور بيد المصارف وأصحاب الرساميل والمؤسّسات غير المنتخبة من الشعب.
* كاتب سوري