في مكانٍ ما في لبنان، وفي وقتٍ على الأرجح أنّه بعد تحرير الجنوب، ألقى الحاج عماد مغنية، كلمةً في احدى الجلسات الخاصة مع قيادة المقاومة. يومها أكّد «المعاون الجهادي» على أهمية الروح القتالية عند مجاهدي المقاومة، وتعزيز عقيدة القتال عندهم. فالعدو، بحسب مغنية، لم يكتفِ فقط بتسليح وتجهيز وتدريب أفراده. بل يعمل وبشكل كبيرٍ ومستمر على بناء هذه الروح عند جنوده، للوصول إلى مرحلة التوازن بين القدرة العسكرية التي يمتلكها والاستعدادات النفسية عند مقاتليه.


لم تقتصر متابعة «الحاج» للجيش الصهيوني على «تطوير قدراته وإمكاناته»، بل دخل في حربٍ استباقيةٍ معه أيضاً. حربٌ بدأت منذ انطلاقة المقاومة. حربٌ يفهمها الطرفان جيّداً، ويعملان ليل نهار لتثبيت الحضور في الميدان. إنها «حرب بناء العقيدة وبث الروح» عند الطرفين. هذه الحرب تُرجّح كفّة الانتصار لصالح من يتقنها، وقد أتقنها مغنية جيّداً. يؤكد «المعاون الجهادي» على الحاضرين، أن «الروح هي من تقاتل»، فالتجهيز والتدريب، على أهميتهما وضرورتهما، يوازيان الروح المقاتلة، الصانعة للنصر، والقادرة على الوقوف والصمود والمقاومة في جميع ميادين القتال، وفي مختلف الظروف.
بين مغنية وجيفارا
تسعى الجيوش العالمية والحركات التحررية إلى صناعة هويةٍ واحدة عند أفرادها تنبثِقُ عنها عقيدةٌ قتالية صلبة. تخلق روحاً قتالية، وحالةً معنوية عالية، تكون سنداً للمقاتل وتُشكّل دافعاً له لأداء المهام العسكرية المنوطة به. هذه الفلسفة أدركها مغنية ورقاقه في قيادة المقاومة جيّداً، وعملوا على ترجمة منظومة المعتقدات التي يؤمنون بها، من حالة معنوية إلى أفعال تعكس هذه القيم.
يعبّر أرنستو تشي غيفارا، أبرز منظري حرب العصابات، عن الروح القتالية للثائر، بأنها التي تهتدي بشعور عظيم من الحب، مضيفاً أنه من الاستحالة تصور ثائراً حقيقياً من دون هذه الخصلة. أيديولوجيتا القائدين مغنية وجيفارا مختلفة، لكنها تتلاقى في مقاومة الاحتلال، والثورة على الواقع الرازح تحت الظلم، الباحث عن الحرية والعدالة. جيفارا الثائر يحرّكه الحب، ومغنية يحرّكه الحب أيضاً. فالدين باعتقاد مغنية هو الحُبّ والإيمان. مغنية عَرِفَ جيّداً كيف يُسيّل «نظرية الحب في القتال» داخل الجسم الجهادي للمقاومة. وبنى قواعد لها، وطبّقها المجاهدون جيّداً، أينما كانوا.
عن الروح المقاتلة
عُرف عن مغنية إنسانيته العالية، وتواضعه وسحره. نعم يستحق بجدارة لقب الساحر. ساحر المقاومة. يقول أحد العارفين بمغنية كيف سَحَر الجميع بتكتيكاته وإستراتيجيته. عرف كيف يطوّع البندقية، ويضبطها. كيف يجعل من الحياة العسكرية حياةً إنسانية، مليئةً بالحب، قوامها المخزون الديني، ومنظومة القيم والمعتقدات الدينية التي يؤمن بها.
يعتبر مغنية أن الأصل بتشخيص الهدف وتحديده. ومن ثم إيضاح الرؤية، ليس عند قيادة الصف الثاني والثالث في المقاومة، بل عند جميع أفرادها ومجاهديها، بدءاً من «المعاون» وانتهاءً عند «المجاهد». وقد اشتهرت صوتية لمغنية تبيّن إستراتيجية عمله، «إزالة إسرائيل من الوجود». وانطلاقاً من هنا، تبدأ عملية بناء التكتيكات وأسلوب العمل، لتعزيز القوّة والقدرة، إرساء قواعد المشروع، القائمة على تعزيز الروح القتالية لدى الأفراد.
أبرز سمات هذه الروح، التآلف. مغنية سعى مع رفاقه على تعزيز التآلف والانسجام بين جميع الأفراد. فمستوى التآلف يعكس انسجام الأفراد في ما بينهم خلال المعركة. وقد حرص مغنية على ذلك، باعتماد تشكيل عسكري ذي عددٍ قليل، يضم مختلف الاختصاصات العسكرية. هذه المجموعات التي تتدرب في نفس الدفعات التدريبية، ونتيجة لظروف الدورات المختلفة وطول مدتها، تنشأ علاقة حب بين مختلف أفرادها، فتتناغم في ما بينها عند التدريب أو حتى عند القيام بأي مهمة عسكرية. كما أنها تُفرز على الوحدات القتالية المختلفة، لتكون في نفس التشكيل القتالي، متناغمة ومتجانسة في الأداء.
هذا التناغم الذي أراد مغنية تعزيزه عند المجاهدين، لم يكن فقط انسجاماً أفقياً ضمن التشكيلات المختلفة. يمكن إطلاق مصطلح «التناغم الأفقي» و»التناغم العامودي» لدى مقاتلي المقاومة. فبعد تحصيل التناغم الأفقي بين الأفراد، تبدأ عملية التناغم العامودي، بين القيادة والمقاتلين، هذا التناغم وتبادل «الحب»، إضافة لوضوح المشروع عند مختلف المستويات في المقاومة، أنتج حسن الظن بقرار القيادة العسكرية، وطاعةً كبيرة للقيادة الميدانية، والثقة التامة بالنتيجة: «النصر».
الروح هي من تقاتل. فلسفة سعى مغنية ومن تبعه على تعزيزها. يُنقل عن أحد القادة الميدانيين في المقاومة، أن معركة القصير كانت مصداقاً كبيراً لهذه الفلسفة. الاندفاع الكبير للمجاهدين، ووجود قيادة الصف الأول في الميدان و»التحابب» بين الجميع، كانا سبباً رئيس في صناعة «النصر».
نور الحيدر أيوب