توشارا هيواج وأهيلان كاديرغامار *

بعد الفترة المطوَّلة من عملية السلام التي تتوسّط فيها النرويج، وقد سمّاها معلّقون مطّلعون عملية «اللّاحرب» مفضّلين هذه التسمية على عملية السلام، لم تفاجئ العودةُ إلى الحرب المفتوحة في سريلانكا إلّا قلّة من الناس. فقد قُتل الآلاف منذ بداية 2006، وفُقد، إضافةً إلى ذلك، ما يقارب 2000 شخص، وشُرِّد مئات الآلاف.
بالنسبة إلى كثر، يبدو شبه بديهي اليوم أنّ توصِّف كلمة أزمة إذاً الوضع في سريلانكا، وقد بدا ذلك جلياً في العديد من التحاليل، ولا سيما تلك المتعلقة بالدفاع عن حقوق الإنسان. وإذ تواجه هذه التحاليل نظام راجاباكسي المتّسم بالفاشيّة، وهجوماته على الأقليات، وطريقة العمل المفضّلة لديه المتمثّلة بإخضاع الرأي المعارض للرقابة والتهويل، واستخفافه بالشكوك حول دستورية بعض الأعمال ورفضه العنيف التعامل مع المدافعين عن هذه القضايا وطنياً ودولياً، شخّصت الوضع الحالي بأنه إحدى أزمات حقوق الإنسان، والوضع في سريلانكا عموماً بأنه عبارة عن أزمة شاملة.
إنّ وضع حقوق الإنسان الحالي لهو مأساوي حقاً. فالسلسلة المتعاقبة من الاغتيالات السياسية والتشريدات والمجازر والخطف التي يقوم بها العديد من الفاعلين المسلحين، سواء كانوا من قوات الأمن أو نمور التاميل أو المجموعات المسلحة الأخرى، تتطلّب التدقيق فيها والتنديد بها واتخاذ الإجرءات حيالها في سريلانكا وخارجها. وثمة ضرورة ملحّة أيضاً للعمل المستمر على مستوى المجتمع المدني من أجل الإضاءة على استغلال النظام للسلطة وفضحه وتحديه.
ولكنّ كاتبَي هذه المقالة يفترضان أنّه يجب إلحاق مثل هذا العمل باستراتيجية التزام سياسي حاسمة.
سينصبّ الاهتمام الأول هنا على مسؤوليات التفكير النقدي في زمن الحرب، بما يتضمنه من رهانات وأهداف ونقاط تدخل. وسيتم التساؤل حول الملاءمة التحليلية والاستراتيجية لتوصيف الوضع السياسي الحالي بأنه «أزمة» بشكل رئيس. وبالتالي، سيثار قلق من تهميش «المسألة القومية» ــ وهي جدال معقَّد حول الحقوق السياسية للأقليات التي اعتُبرت تاريخياً مشكلة سياسية تتعلق بحالة الدولة السريلانكية.
وأخيراً، سيتمّ استحضار كتابات المفكرين السريلانكيين من أجل فهم النظام وعلاقته بالدولة فهماً يقوم على أسس تاريخية أكثر من تلك التي بدت واضحة في التحاليل الشائعة.

«الأزمة» و«الحرب على الإرهاب»

قامت التحاليل الشائعة بتشخيص المرحلة الأخيرة من الحرب تحديداً على أنها أزمة، وبذلك لم تتنبه لاستمرار التطورات السياسية، في خلال كلٍّ من عملية السلام التي تتوسط فيها النرويج ودورات الحرب و«اللاحرب» على مرّ السنوات الـ25 المنصرمة. فاتفاق وقف إطلاق النار الموقع عام 2002 وعملية السلام لم تؤمنا الشرعية لسياسة «الممثل الأوحد» التي اعتمدتها حركة نمور التاميل وحسب، بل رفضتا أيضاً مواجهة تجاوزتها، بما فيها تجنيد الأطفال، واغتيال المنشقين عن التاميل وتصعيدها الحرب. ومهّد ذلك الطريق لاحقاً أمام حركة ارتجاعية في الجنوب دعماً لجهود الحرب التي يبذلها نظام راجاباكسي.
والعبارة المستخلصة من دورات الحرب المطولة أنّ حركة نمور التاميل قوّضت كل مجهود بذل من أجل التقارب السياسي، وذلك خدمة لمصالح بنيتها العسكرية الخاصة وسياسة الكفاح التي تنتهجها. أما الأنظمة المختلفة في الجنوب من جهتها، فقد استغلت مثل هذه التمزقات، واستخدمت الحرب لأهداف قصيرة الأمد تتمثّل بتعزيز وجودها السياسي. وفي هذا السياق بالذات، يخشى هذان الكاتبان أنّه، بين خطاب النظام الحالي الذي يتمحور حول «الحرب على الإرهاب» (فيستعرض بذلك النسخة السريلانكية عن «الإرهاب» الذي كان محور قانون منع الإرهاب الصادر العام 1979 ويضمّها إلى الخطاب الأميركي الأخير حول «الحرب على الإرهاب») من جهة، وأولئك المدافعين عن الخطاب الذي يقول بوجود «أزمة» من جهة ثانية، تُقصى فرصة مناقشة «المسألة القومية» إلى أمد بعيد.
إنّ الاستقطاب في فهم الوضع الحالي في سريلانكا بين «الحرب على الإرهاب» و«الأزمة» ــ ينشئ بشكل متأصّل جدالاً في المجال العام، كما تبيّن بوضوح عبر التغطية الإعلامية. وفيما ستتمّ مناقشة المفاعيل الضارة المتأتية عن ذلك لاحقاً، يتركّز الاهتمام الأول على عجز عملية الدفاع عن حقوق الإنسان حول مثل هذه «الأزمة» عن الرد عن الخطاب الوطني للحكومة وحلفائها، هذا الخطاب الذي يكشف عن مؤامرة غربية تقضي بتهديم السيادة الوطنية من وراء الدفاع عن حقوق الإنسان.
وقد أدى توسّع فكرة «أزمة» عامة يعيشها النظام الحالي إلى الجزم بأن سريلانكا «دولة فاشلة»، فكان من بين الجازمين زعيم حزب الاتحاد الوطني رانيل ويكرامسانجه. ويستخدم أعداؤه الداخليون الكلام على «الدولة الفاشلة» في محاولة لتشويه صورة نظام راجاباكسي، ولكنهم، في محاولتهم هذه، يخلطون ما بين الدولة والنظام.
وبذلك بإمكان المراقبين أن يلاحظوا وجود انسجام مقلق بين الخطاب الحالي للحكومة عن «الحرب على الإرهاب» والمزاعم المضادة المتعلقة بـ«أزمة» عامة أو «دولة فاشلة»، انسجام يضر بالالتزام والنقاش السياسيَّين التقدميَّين.

السلام والتدخّل الدولي

لأسباب تتعلق بالنفعية الاقتصادية والسياسية، وجدت حكومة كولومبو الحالية شركاء جدداً في الاستثمار تمثّلوا بالهند والصين وإيران. ولم تؤدِّ هذه العروض الاقتصادية إلى توفير ضمانات لاستثمارات على نطاق واسع في البنية التحتية والسماح بشراء النفط وحسب؛ ولكن هؤلاء الشركاء الجدد امتنعوا أيضاً عن وضع شروط تتعلّق بحقوق الإنسان. وكانت هذه الشراكات الجديدة مهمة جداً لتعزيز اقتصاد سريلانكا الذي تمكّن من إظهار معدلات عالية من النمو الاقتصادي تراوحت بين ستة وسبعة في المئة على الرغم من تأثره بمستويات مرتفعة تاريخياً من التضخم على امتداد العام المنصرم.
وفيما راهن النظام بكل شيء على «الحرب على الإرهاب» التي شنّها على شكل مواجهة عسكرية مع حركة نمور التاميل، يصر أولئك المنادون بالحاجة إلى معالجة «الأزمة» على القول إنّ الضغط من «المجتمع الدولي» كان وسيكون القيد الوحيد المفروض على الحكومة. ولكن هذا الفهم للتدخل الدولي في النزاع السريلانكي كعمل خير تام لا يعير اهتماماً كبيراً بالظروف المحيطة بحالات الفشل الانتخابية الأخيرة التي عرفتها تحالفات حزب الاتحاد الوطني الغربية الميول في انتخابات 2004 و2005 الوطنية، ولا بمصلحة الفاعلين الدوليين في النزاع وحل النزاع في سريلانكا.
وقد أظهر العمل الرائد الذي قام به المحلّل سانيل باستيان الذي يعيش في كولومبيا أنه، منذ بدء مرحلة التحرر الرأسمالي في الجزيرة بعد 1977، لم يقم بالضرورة أي رابط بين السلام ونشاطات العاملين الدوليين في سريلانكا.
فالسلام، كما يُفهم بتعابير محددة جداً، ظهر ضمن مجموعة من الحسابات معنية بشكل رئيس بتوفير ظروف مؤاتية لفتح الأسواق السريلانكية وربطها بالاقتصاد العالمي، وإعادة بناء الدولة وفق توجّهات الليبرالية الجديدة.
طبعاً، إنّ الهبات، وكما قال باستيان، «موّلت نموّ انعدام الأمن» عبر تأمين الدعم السياسي لنظام جاي آر جاواردين وتسهيل ممارسات التمييز العرقي المتعلقة بإعادة استيطان السكان وتوزيع الموارد وفق ما يُسمّى خطة مهاوالي في الثمانينات. وقد كان دخول النزاع الإثني في قاموس المساعدات الخارجية، عبر وسائل «حل النزاع» و«الأمن»، تطوراً جديداً نسبياً في العقد والنصف المنصرم. إنّ الخطر المتأصّل في محاولة البحث عن حل للمسألة القومية بشكل تتحكّم فيه بالدرجة الأولى المساعدات الغربية والمتعددة الأطراف تجسّده حالة عملية السلام التي أدّت فيها النرويج دور الوسيط. فقد أزاحت النقاب عن ضيق مفهوم المجتمع الدولي (وحلفائه من حزب الاتحاد الوطني) للسلام ولإصلاح الدولة بما يتوافق مع الخطة التي وضعها للإصلاح الليبرالي الجديد. وفشلُ تحالف حزب الاتحاد الوطني في انتخابات 2004 و2005 سلّط الضوء، من بين أمور أخرى، على عدم الرضى الشعبي عن هذا الارتباط. وهكذا، لا يمكن ضمان الاهتمام المنوّر للفاعلين الدوليين في تعقيدات «المسألة القومية» ولا اعتباره أمراً مفروغاً منه.

الشرق والدمقرطة والتنمية

أصبحت المقاطعة الشرقية محورية في محاولات نظام راجاباكسي الذي هزم حركة نمور التاميل. وتتمثّل الأولويات هنا باستعراض حالة من الاستقرار من أجل إعادة البناء المدعومة من أصحاب الهبات، والرد على الدعوات لإيجاد حل سياسي عبر هندسة سياسية متدرجة.
في البداية، دعم الجيش السريلانكي الحزب الشرقي بقيادة كارونا الذي انشقّ عن نمور التاميل وصار يُدعى اليوم تاميل ماكال فيدوتالاي بوليكال، باعتباره نقطة قوة عسكرية في حربه ضد نمور التاميل. الآن، وبعد «تحرير» المقاطعة الشرقية من قبضة نمور التاميل، ينهمك النظام في شرعنة حزب تاميل ماكال فيدوتالاي بوليكال وتحصينه عبر ما يسميه عملية «دمقرطة».
في شهري آذار / مارس وأيار / مايو بالتتالي، عارضت المجموعةُ المسلحةُ الحكومةَ المحلية وانتخابات مجلس المقاطعة وحققت النصر. ولكن الحكومة، التي تعي الانتقاد الدولي الموجه إليها لدعم الدولة لحزب تاميل ماكال فيدوتالاي بوليكال، تستخدم خطاب «الدمقرطة» و«التنمية»، خطاباً يبقى، في الوقت عينه، عالة على خطاب التنمية العصرية المتعلقة بإعادة البناء وتوفير الأمن في مرحلة ما بعد النزاع، كما هي حال التناقضات المتأصّلة في «الحرب على الإرهاب» التي يشنّها الغرب.
وتجدر الإشارة بشكل خاص إلى التناقض الذاتي لإيدولوجيّي الحكومة الذين يفخّخون الحرب الأخيرة. فمن جهة، يُعدّ احتلال العراق مثالاً محذّراً من التهديد الذي تمثّله التدخلية الليبرالية والتصرف الأحادي الجانب بالنسبة إلى السيادة الوطنية. ومن جهة ثانية، يُستخدَم كنموذج مشرعِن لتبرير «بناء الديموقراطية» في الشرق.
طبعاً، تواجهنا مفارقة غريبة هنا، مفارقة تصلّبت فاستحالت تناقضاً. فالمقاطعة الشرقية هي، في النهاية، مركز التجمّع لـ «عدّة الإرهاب» المتماهية التابعة للنظام التي استُخدمت لاغتيالات سياسية وأعمال خطف وتهديم الديموقراطية في الجنوب، كما أظهر الأستاذ المستقل، جافينا، الذي يعلّم مادة حقوق الإنسان في جامعة سريلانكا.
ولكن المقاطعة الشرقية تُعدّ الآن منطقة لاستعراض التزام النظام بأقليات البلد وببناء الديموقراطية، لا سيما مع وصايته المزعومة على كوادر حزب تاميل ماكال فيدوتالاي بوليكال في فن الديموقراطية.
حسب ما يتصوّر الغرب، تسير حكومة كولومبو على حبل دقيق بين اعتمادها على حزب تاميل ماكال فيدوتالاي بوليكال المسلّح، الذي يعمل بشكل منهجي خارج القانون في الشرق، وحججها التي تبدو غير قابلة للجدل والمتعلقة بالدمقرطة.
ويفسّر ذلك جزئياً تسرّع الحكومة الجامح لإقامة بنية سياسية وإدارية من أجل ضمان «الاستقرار السياسي» لجهود إعادة البناء الليبرالي الجديد في شرق البلاد.
بالنسبة إلى النظام، كانت ثلاثة عوامل مهمة للغاية لتمكينه من إطلاق حلّه الخاص للمسألة القومية عبر إنشاء وقائع على الأرض: أولاً، تنحي الرئيس راجاباكسي الفعلي من اللجنة الممثلة لكل الحزب التي فوّضها إيجاد مقترحات لمعالجة المسألة القومية؛ ثانياً، التنفيذ الانتقائي لأحكام الدستور القائمة، ما مكّن من إجراء انتخابات في الشرق؛ وثالثاً، الحرب المستمرة ضد حركة نمور التاميل.
بموازاة «تحرير» الشرق، تتضمن العناصر الأساسية لهذه الاستراتيجية الحكم الذي صدر عام 2006 عن المحكة العليا وأعاد ضم المقاطعة الشمالية الشرقية التي أقيمت سنة 1987 بموجب الاتفاق الموقع بين الهند وسريلانكا؛ وتحويل عدد من المناطق الاستراتيجية في سامبور شرقاً إلى مناطق تخضع لحماية أمنية مشددة، ما أدى إلى تشريد أعداد من السكان من بين الأقليات؛ واستمرار مصادرة أراضي الأقليات؛ وإنشاء إدارة مدنية مليئة بموظفين عسكريين أو كانوا عسكريين سابقاً.
وتمثّل نتائج مثل هذه التحركات مصدر قلق كبيراً لجهة التعايش بين الإثنيات، ولا سيما لجهة العلاقات بين المسلمين والتاميل.
هذه الاستراتيحية المزدوجة، استراتيجية «حرب على الإرهاب» لا تعرف الهوادة على الأرض، واستبعاد المسألة القومية ذات الإطار المحدد تاريخياً بالتلطي وراء لغة الدمقرطة والتنمية تتجلى بوضوح في التصريح الذي أدلى به راجاباكسي على أثر انتهاء انتخابات مجلس المقاطعة الشرقية الأخيرة حيث انتصر حزب التحالف الشعبي (الذي يمثّل حزب تاميل ماكال فيدوتالاي بوليك جزءاً منه). ففي 12 أيار / مايو 2008، زعم الرئيس قائلاً: «أشير إلى أن أهل الشرق اختاروا السلام بشكل واضح عبر هزم الإرهاب، وتعزيز الديموقراطية وتنمية البلد».

«المسألة القوميّة» وسياسة التاميل

كانت مسألة الأقليات في سريلانكا محورية بالنسبة إلى الجهود الرامية إلى تغيير بنية الدولة في المرحلة التي تلت الانتداب. وفيما قام في البداية نقاش حاد حول الأقلية الطبقية، نقلت سياسة التمثيل الديموقراطي محور الاهتمام إلى مسائل تتعلق بمجتمعات التاميل والمسلمين، فيما شغلت سياسة التاميل الوطنية الحلبة المحورية من الدعوات إلى إصلاح الدولة. والعقد الذي تلا الاستقلال، وقد بدأ مع حرمان التاميل المتحدرين ما يدعى البلاد العليا (أو التاميل المتحدرين من أصل هندي) من حق التصويت وبلغ الذروة مع قانون سينهالا الصادر عام 1956، أدى إلى حصر المسألة القومية بقضايا مادية تتعلق باللغة والأرض والتنازل عن السلطات الإدارية ومواطنة التاميل المتحدرين من البلاد العليا.
حتى تصاعد حدة حرب الانفصال في بداية الثمانينات، كانت سياسة التاميل البرلمانية تركز على حل تفاوضي للمسألة القومية بالدرجة الأولى على الرغم من تشجيع الحركة الانفصالية. وبشكل له دلالاته، استمر مثل هذا الالتزام أيضاً في خلال عقود الحرب، فتضمن محادثات عديدة قادت إلى توقيع الاتفاق بين الهند وسريلانكا والتعديل الثالث عشر للدستور، وتجربة مجلس المقاطعة الشمالية الشرقية في أواخر الثمانينات. وحتى في خلال التسعينات، برز التزام قوي تمركز حول هيئة الاختيار البرلمانية التي أدت إلى مقترحات مانغالا مونيسينغ (المتعلقة بقضايا ترتبط بالتنازل عن السلطة واندماج المقاطعتين الشمالية والشرقية) والمقترحات المختلفة في أواخر التسعينات التي بلغت ذروتها في مسودة الدستور التي وضعت عام 2000. وقد طبع ذلك محاولة للتحوّل من الدولة الموحدة ومركزية سلطات الرئاسة التنفيذية.
وأبقت هذه الجهود على حدّة النقاش الدائر حول المسألة القومية في زمن الحرب، حتى ولو لم تؤدِّ بالضرورة إلى تطبيق الإصلاحات. هنا كانت المعارضة، ولا سيما معارضة التاميل، محورية بالنسبة إلى مثل هذا الالتزام السياسي. فشكّل فاعلون آخرون من الأقليات، بمن فيهم المسلمون والتاميل المنحدرون من أصل هندي، قوات مهمة أيضاً بالنسبة إلى هذا الالتزام. ويجب أن يُفهم الاستبعاد الحالي للمسألة القومية ضمن إطار تحجيم معارضة التاميل على يد نمور التاميل، الذين إمّا أبعدوا المستقلين من التاميل أو شلوا قدرتهم على التحرك. واغتيال نيلان تيروشيلفام وكيثيش لوغاناثان (سنتَي 1999 و2006 بالتتالي)، وقد كان الاثنان ناشطَين في محاولات تحقيق إصلاح الدولة، كما انجرار تحالف التاميل الوطني إلى سياسة الممثل الواحد التي يتّبعها نمور التاميل، هما من ميزات التغيرات الكبيرة في توجه سياسة التاميل في خلال القرن المنصرم.
وقد جعلت هذه العملية التزام التاميل السياسي واهناً للغاية. أما الوجه الآخر لسياسة حركة نمور التاميل التي أقامت عوائق لا يمكن تجاوزها بوجه أي تقدم بشأن المسألة القومية، فقد كان استهدافها الأقليات المسلمة، بما في ذلك المجازر المرتكبة شرقاً والتنظيف العرقي شمالاً في أوائل التسعينات. وقد نتج من ذلك طبعاً بروز صعوبات أكبر بوجه إقامة تحالف للأقليات بغية تشكيل تحد كبير أمام إصلاح الدولة.
إنّ توجه التاميل، في سياسة الرفض التي تتبعها حركة نمور التاميل أو السياسة المعتمدة بشكل مشترك بين تاميل ماكال فيدوتالاي بوليكال وتشكيلات سياسية أخرى من التاميل، لم يلتزم جدياً بالمسألة القومية. وإضافة إلى ذلك، أدّى جوّ الخوف والاغتيالات المنظمة إلى ضمان غياب شبه تام لمثل هذا الالتزام على مستوى المعارضة الآن. وساعدت هذه العوامل أيضاً على نجاح النظام في تحويل الانتباه عن المسألة القومية: فما كان يُعدّ تاريخياً مشكلة سياسية تتعلق بالأقليات أعيد اعتباره الآن مشكلة تتعلق بـ»الإرهاب» و«التنمية».

العودة إلى التاريخ

يجب تحدّي استخدام نظام راجاباكسي الحرب كذريعة من أجل إرجاء تسوية سياسية مهمة للمسألة القومية أو حتى تجاهل هذه التسوية. ولكن إذا أُريد إدراك الوضع الحالي بشكل تام، فيجب أيضاً فهم تعبئة النظام لأجهزة الدولة وعلاقته بمقوّماته السنهالية ضمن إطار تاريخي. ولهذه الغاية، تجدر مراجعة إرث قديم من الدراسات السريلانكية المتعلقة بالاقتصاد السياسي للأنظمة وضعته شخصيات مثل نيوتن غوناشينغي وأميتا شاستري وجاياديفا يواغوندا وسونيل باستيان.
فقد كتب هؤلاء الباحثون عن عمليات بناء الدولة وتعزيز النظام في حقبة ما بعد الاستعمار، وهم يضعون أعمالهم الفكرية ضمن تحاليل معقدة تتناول التركات المباشرة من الحكم الاستعماري في مرحلة ما بعد الاستقلال. وقد تركّز اهتمامهم على الضعف التاريخي لنخب البورجوازية السنهالية الحاكمة الذي أدى إلى تحالف الأنظمة مع مجموعة من الطبقات السنهالية «الوسطى» والدنيا كوّنت «القواعد الاجتماعية» الثابتة للدولة. وأثّر هذا الأمر بدوره في الإيديولوجية والمسار الغريبَين لرأسمالية الدولة في سريلانكا.
السمات الأساسية لهذه الإيديولوجية التي يتخللها بعض المعتقدات الجوهرية المرتبطة بالوطنية السنهالية، هي تطابق الدولة مع تطلعات الطبقة الوسطى، واعتقاد الشعب بشكل غير عقلاني بقدرته على الإمساك مباشرة بهذه الكتلة الاجتماعية وإعادة إنتاجها جوهرياً عبر الإعانات المالية والإنعاش الريفي. وقد استهلّ الشعارُ السنهالي الوطني العاطفي الذي اعتُمد عام 1956 (حكومتنا) هذا التطابقَ بين النظام والدولة وتحقيق استقلال سياسي حقيقي.
وأبرز ذلك الطبيعةَ غير الممثلة و«غير الوطنية» لنظام الحزب الوطني المتحد الذي افتقر إلى أي جمهور من المؤيدين المحليين باستثناء جمهوره. ومثّلت حكومة الجبهة الموحدة ما بين 1970 و1977 ذروة مشروع «الدولة» هذا الذي قدّس الدولة الوحدوية مع سلطات أكبر للأنظمة الحاكمة مقابل البيروقراطية في دستور جمهوري جديد.
وعملت الأنظمة اللاحقة، إلى حدّ ما، ضمن حدود نموذج العلاقات بين الدولة والمجتمع كما حددتها ميزة الدولة المتمثلة بالطبقة الوسطى. ولكن العلاقة بين الدولة وقواعدها الاجتماعية السنهالية كانت منحلة منذ بدايتها. غير أنّ هذه العملية اكتسبت قوة دفع إضافية مع إعادة البناء الليبرالية الجديدة للدولة في مرحلة ما بعد 1977، وتأثيراتها المفسدة اللاحقة في ديمومة أسباب الحياة الريفية. ويجب التشديد أيضاً على الدور المهم الذي أدّته السلطات الصارمة جداً للرئاسة التنفيذية، وقد أُدخلت بموجب دستور عام 1978، الذي زوّد الأنظمة بفرص للتحرير المسرّع للاقتصاد.
بالتالي، كان يتعين على نظام راجاباكسي، كما على سواه من قبله، أن يدير العلاقة غير المستقرة بين الدولة ومقوماتها الرئيسة بين حطام رأسمالية الدولة وضمن إطار عالمي من الهيمنة الليبرالية الجديدة. ويجب أن يُفهم ولعه باللغة الشعبية ومشهد «إنمائية الدولة» ــ على الرغم من تعلقه بالاقتصاد المفتوح والنمو الذي يقوده التصدير والاستثمار الأجنبي المباشر ــ وفق هذه الخلفية، وكذلك ميله إلى السيطرة والضبط الاجتماعيين.
في الحرب، شعرت الحكومة الحالية بفرصة سانحة لتوسيع شبكة المحسوبيات التابعة لها ولتسريع احتلالها لآلية الدولة. وفكرت في تأجيل قضايا ملحة، بما فيها كلفة الحياة العالية، عبر تذكية الحماسة الوطنية من خلال ادّعاءت بانتصار عسكري وشيك. وفي هذه الأثناء، تركت أمر الخطابات الوطنية والعرقية الأشد تطرفاً في الحقل العام لحلفائها، ولا سيما حزب التراث الوطني (حزب وطني بوذي سنهالي) والحركة القومية الوطنية. بهذا المعنى، أدخل النظامُ الحربَ وإعلانَ توافر ظروف حالة طوارئ وطنية ضمن حسابات بقائه السياسي الخاص.

الالتزام السياسي الحاسم وإصلاح الدولة

إنّ تحدي النظام ــ عدم السماح له بالمراوغة بشأن الإصلاح الدستوري ومعنى الدمقرطة الحقيقية والمسألة القومية باختصار ــ هو رفض قبول شروط الحرب التي يضعها. والأعمال الشائنة التي يقوم بها هذا النظام ــ انتهاكاته لحقوق الإنسان، وهجوماته على المعارضة وتقويض المؤسسات الديموقراطية ــ تمثّل أيضاً جزءاً من هذه الشروط.
لكن النقد القائم فقط على أساس الحقوق يعجز عن معالجة القضايا المعقَّدة المتأصّلة في الاقتصاد السياسي لإصلاح الدولة وتهديم خطاب النظام المتعلق بالوضع الوطني الطارئ، الذي يؤجل إلى ما لا نهاية معالجة هذه القضايا حتى فيما ينشئ ظروفاً جديدة على الأرض. في الواقع، كما تمت الإشارة إليه سابقاً، إنّ الدفاع عن حقوق الإنسان حول فكرة «الأزمة» يعمل، بشكل غير متعمد، مع خطاب النظام على إغلاق الكوّة أمام أي نقاش من هذا النوع. إنّ تقويض أسس عملية إصلاح الدولة الذي يقوم به بشكل منافق النظام يتجلى بوضوح، وخصوصاً عندما يدّعي هذا النظام أنه يريد تطبيق التعديل الثالث عشر للدستور عبر إجراء انتخابات مجلس المقاطعة في الشرق المضطرب. فهو، في النهاية، يستمر في الوقت ذاته بانتهاك الدستور عبر الامتناع عن تنفيذ التعديل الـ17 الذي سيضمن إقامة مجلس دستوري. فسيكون هذا المجلس مسؤولاً عن تعيين مبعوثين مستقلين في مختلف المؤسسات المسؤولة عن الحكم، مثل لجنة حقوق الإنسان الوطنية، وهيئة الخدمات القضائية، ولجنة الانتخابات وهيئة الشرطة. وسيمثّل ذلك أيضاً تدقيقاً قوياً في استغلال النظام للسلطة. في هذا السياق، يجب أن تُفهم الانتخابات الأخيرة في الشرق، وبروز الفاشيّة الذي يعكس تهديم الحكم الدستوري، بأنهما يدخلان في صميم ترسيخ النظام عبر تجنيده بنية تحتية آمنة، وتمديده لشبكات المحسوبية الموازية لقيادة الحرب.
إنّ السلطات التي تدخل في صميم الرئاسة التنفيذية (التي يجب أن تخضع لإصلاح جوهري، إن لم يكن لإلغاء تام)، وتفكيك التشكلات السياسية للأقليات، وتعابير الخطاب والالتزام الغربيّين، ومجرد الوجود الكلي للنموذج الليبرالي الجديد، وانتقال الهيمنة الإقليمية نحو القوى الآسيوية ــ كل هذه ظروف مهمة تكمن في أساس احتلال الحكومة العدائي الحالي لأجهزة الدولة.
وفيما الضغوط المهمة باتجاه إصلاح الدولة لمعالجة قضية الأقليات، غير ممكنة من دون حركات اجتماعية أوسع ونقاش وطني، قد لا يؤمّن زمن الحرب فرصة إطلاق مثل هذه المبادرات. وبالتالي، هذا هو السياق السياسي الذي يجب فيه على التحقيق الفكري النقدي أن يعاين باستمرار مشاريعه الخاصة ضمنه. وهذه بدورها عمليات تدخّل ضرورية تركّز على إعادة إحياء الحجج التي تكوّنت عبر التاريخ، الحجج الداعمة لإصلاح الدولة، وتوقيف غيابها عن جداول الأعمال الفكرية ــ حتى لو كانت تهدد بالزوال من المشهد السياسي الوطني.
* باحثان سريلانكيّان (ترجمة جورجيت فرشخ فرنجيّة)