الاعلام العربي ما زال يخوض، في العراق، معركته الخاصة، ولكن الحرب الحقيقية يتحضّر لها أبناء البلد، ووجهتها الشمال. منذ أكثر من أسبوع، تحتشد الوحدات العراقية المتنوّعة بقصد دخول تكريت وتحريرها، وفتح الطريق صوب الموصل. في سامراء وبيجي وطوزخورماتو يتجمّع الآلاف من مقاتلي الجيش والحشد الشعبي والتوقعات تقول انه، مع تحسّن الطقس، ستتقدم القوات لمحاصرة تكريت واقتحامها (بعد عدة محاولات فاشلة قادها الجيش في الماضي).


سيكون الهدف الأول للحملة، على الأرجح، نواحي الدور والعلم، التي ما زالت تشكّل منافذ لقوى «داعش» المتمركزة في تكريت، ترفدها بالدعم وتصلها بالحويجة، أهم نقاط الارتكاز للتنظيم في مناطق كركوك وصلاح الدين. المعركة، بحد ذاتها، ستكون قاسية بلا شكّ؛ فـ«داعش»، على ما يُشاع، حوّل أغلب أحياء تكريت وشوارعها الى أفخاخ تعجّ بالعبوات، فيما هجر المدينة الغالبية العظمى من أهلها.
ولكن الحرب تجري على أكثر من مستوى وأكثر من جبهة، ليست كلها مرئية للعيان ولكنها لا تقلّ أهمية، في نتائجها، عن المواجهة القائمة ضدّ «داعش». هناك «سباق» حقيقي يجري في الشمال والغرب بين قوى الحشد الشعبي، التي تتقدم بحسب أجندتها الخاصة ومن دون دعم جوي غربي في أغلب الجبهات، وبين الخطط الأميركية الرامية لبلوغ الموصل وتشكيل ميليشيات تابعة لواشنطن في البلد، حتى تكون الحرب وما بعدها فرصةً لإعادة تأسيس النفوذ الأميركي فيه.
الأسبوع الماضي، مثلاً، قام ضباط من القيادة المركزية الأميركية بتوصيف خططهم لدخول الموصل في الربيع، معددين القوى التي يُفترض بها أن تضطلع بالمهمة، وليس بينها الحشد الشعبي، الذي خاض أبرز المعارك ضد «داعش» حتى اليوم. ينوي الأميركيون استخدام ثلاثة ألوية من البشمركة الكردية، اضافة الى خمسة من الجيش العراقي، «على أن تخضع أولاً لتدريب الجيش الأميركي» (في العراق، اصبح الجيش نفسه مقسّم بحسب القطع، بعضها يتعاون مع الحشد الشعبي – كوحدات الفرقة الخامسة في ديالى – وبعضها الآخر يعتبر «قريباً» للأميركيين).
الاعلام العربي ما زال يتعامل مع الحشد الشعبي، الذي يحظى بتقدير فائق من أغلب العراقيين، كـ «ميليشيات طائفية» بينما، على الأرض، تشارك عشائر المنطقة في صفوف الحشد وتناشده لتحرير مناطقها، والاقتصاص من المجرمين الذين غزوا ديارها وقتلوا رجالها. عشائر الجبور، مثلاً، قتلت «داعش» المئات من ابنائها وشيوخها، كأخوتهم من عشيرة البوعبيد في البغدادي التي أعدم التنظيم أكثر من مئة من رجالها منذ أيام؛ وهم يتدرّبون مع قوات الحشد ويشكلون رأس الحربة في مواجهة العدو.
تكريت هي الخطوة الأولى نحو الموصل، والمعركة لها أكثر من بعد؛ وبينما يتلهى سحرة الاعلام العربي ببثّ الفتنة والاحتفاء بالخراب، يقوم عراقيون بانقاذ بلادهم وكتابة مستقبلها بأيديهم، ولسان حالهم يقول: لا اميركا ولا داعش.