فابريس بالانش *

يتّهم جورج بوش إيران بأنها وراء «انقلاب» حزب الله، ويتعهّد تجريد الحزب من سلاحه بمساعدة الجيش اللبناني. هل يدخل خطاب بوش هذا، في باب العمل الدعائي أم أنه يؤمن فعلاً بما يقول؟ هل يعتقد جورج بوش فعلاً بأن الجيش سيساند حكومة فؤاد السنيورة في مشروع سحب سلاح حزب الله؟ هل يظن أن اللبنانيين سيستقبلون «المارينز» استقبال المحررين (كما ظن في العراق)؟ لا يدرك السيد بوش أنّ الشعوب العربية فقدت كل الثقة بالولايات المتحدة والغرب عامةً. لا يعلم أنّ العرب ما عادوا مبهورين بعملية السلام في فلسطين على وقع بناء المستعمرات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة والغارات الدموية في قطاع غزة.
هل يعتقد نيكولا ساركوزي، أنّ باستطاعته بناء الاتحاد من أجل المتوسط وهو متّكئ على سياسة الإدارة الأميركية، مثبتاً سياسة الكيل بمكيالين بين العرب وإسرائيل؟
في أيلول 2004، تقدّمت فرنسا والولايات المتحدة بمشروع القرار الدولي الرقم 1559، الذي يقضي بانسحاب الجيوش الأجنبية من لبنان وتجريد الميليشيات من السلاح.
كان هذا القرار موجهاً بشكلٍ مباشر ضد سوريا، وحزب الله، والمنظمات الفلسطينية في لبنان. فقد انسحبت إسرائيل منذ عام ألفين من الأراضي اللبنانية مفقدةً بذلك سوريا حجة بقائها في لبنان وحزب الله علة وجود سلاحه.
أمّا ما بقي من الأراضي المحتلة في منطقة مزارع شبعا، فهو غير كافٍ لتدعيم منطق سوريا وحزب الله. بدأ رصيد حزب الله الذي جمعه من خلال المقاومة بالتلاشي حتى بين الطائفة الشيعية. أما سوريا، فانسحبت بعد اغتيال رفيق الحريري عام 2005، إذ رأت أن مجرد الشبهات التي تحوم حول تورطها في العملية كافية لتدخل عكسري من جانب الأمم المتحدة. استعاد لبنان سيادته التي فقدها منذ عام 1976، تاريخ دخول الجيش السوري إلى أراضيه.
لا شك أنّ انتصار الدبلوماسية الفرنسية والأميركية في لبنان مثّل ذروة مشروع جورج بوش في الشرق الأوسط. فرغم وحول العراق، أظهرت عودة السيادة إلى لبنان صوابية السياسة الحديدية للغرب. ثم جاءت حرب تموز 2006 لتقلب الطاولة رأساً على عقب. فظهر الغرب بموقع المقيّد للمقاومة المعادية للصهيونية في لبنان، والمحاصر لسوريا من أجل دفعها إلى «السلام على الطريقة الإسرائيلية». سلام يتخلص بالنقاط الآتية: دفن قضية «حق العودة» نهائياً، والضم النهائي لهضبة الجولان، وتمزيق الأراضي الفلسطينية المحتلة.
في حرب تموز 2006، وقفت حكومة فؤاد السنيورة موقف التابع المخلص للولايات المتحدة. فبينما كانت الطائرات الإسرائيلية تقذف الصواريخ الأميركية الذكيّة مدمّرة لبنان، كان فؤاد السنيورة يستقبل كوندوليزا رايس بالحفاوة اللبنانية المعهودة في مقرّه الحكومي.
وقد احتاجت رايس إلى مجزرةٍ بحجم مجزرة قانا في 30 تموز 2006، حين قتل صاروخ إسرائيلي 28 مدنياً غالبيتهم من الأطفال، كي تمتنع عن زيارة لبنان، يومها ذرف فؤاد السنيورة دموع التماسيح بينما اقتحم آلاف اللبنانيين الغاضبين مقر الإسكوا في وسط العاصمة بيروت، حارقين ما اعتبروه رمز الظلم العالمي. وبدل أن تقضي إسرائيل على حزب اللّه، أو تضعه في موقع المسؤوليّة عن العقاب الجماعي للشعب اللبناني، حوّلت سلاحه إلى سلاح مشروع ومبرّر في نظر اللبنانيين بغالبيتهم وبنظر الشعوب العربية.
أفي هذه الظروف، يريد جورج بوش مساعدة الجيش اللبناني على نزع سلاح حزب الله؟
هذا الجيش الذي خسر 163 فرداً في عملية القضاء على تنظيم سنّي مسلّح في مخيم نهر البارد خلال صيف عام 2007. هذا الجيش الذي أدماه اغتيال قائد العمليات فيه فرنسوا الحاج، مسؤول العمليات في نهر البارد والمرشح لخلافة العماد ميشال سليمان في منصب قائد الجيش. وقد صعب هذه المرة توجيه أصابع الاتهام إلى سوريا. هل سينضم ملفه إلى المحكمة الدولية؟
منذ ثلاث سنوات والجيش اللبناني معبّأ لمنع أي انفلات بين المعارضة والموالاة، وقد نجح الجيش في ضمان الوحدة الهشّة للبلاد، هذه الوحدة التي يريد سعد الحريري وهو رأس الغالبية النيابية في لبنان أن يهشّمها باعتباره أن الفتنة السنية ــــ الشيعية قد بدأت فعلاً.
هل يمكننا الكلام عن انقلاب لحزب الله؟ هل وصلت إيران إلى شواطئ المتوسط كما يقول مروان حمادة (وزير الاتصالات وأقرب المقربين إلى وليد جنبلاط)؟ في عمليّة شدّ الحبال بين الولايات المتحدة وإيران، قد تكون هذه الأخيرة استفادت من انشغال الإدارة الجمهورية بالانتخابات الرئاسية لتسجّل النقاط في لبنان. بعد الانتخابات الأميركية قد تعود ماكينة الحرب إلى العمل بكامل طاقتها، من هنا تسعى إيران إلى كسب الأوراق التي تساعدها على تأمين أمنها. فمنذ حرب الخليج الأولى في عام 1980، والاعتداء العراقي المدعوم من أميركا على إيران، لا يملك الإيرانيون خيارات كثيرة.
في المقلب الآخر، تلعب الولايات المتحدة ورقة حكومة فؤاد السنيورة، التي طبقاً لعبارة روبرت فيسك «يمثل تمثيلاً مشابهاً لحكومة بغداد».
كان فؤاد السنيورة يعلم أنّ إقصاء رئيس جهاز أمن المطار وفيق شقير مع مهماته والتعرض لشبكة الاتصالات التابعة لحزب الله هما خطّان أحمران لا يمكنه تجاوزهما. إذن لماذا قام بتجاوز الخطوط الحمر؟ أكان تصرفه استراتيجياً خطأً؟ أم خطوةً واعية تهدف إلى ضرب صورة المعارضة وتأجيج الصراع المذهبي؟ فوقوع مناطق بيروت ذات الغالبية السنية في يد حزب الله سيعيد الفرز المذهبي إلى الواجهة.
وقد يتمنّى وليد جنبلاط الأمر عينه في الشوف والجبل. وسيتولى التيار الوطني الحرب وتيار المردة تحييد المناطق المسيحية بعدما اقتنعا إثر ما أصابهما في أحداث كانون الأول 2007 بضرورة إنشاء جناح لهما إذا أرادا البقاء على مشروعهما في المناطق المسيحية.
قد يكون لبنان على شفير حرب أهلية. إذ إنّ حكومة فؤاد السنيورة وأكثريّته النيابية لن تتأخّر في إزكاء الغرائز المذهبية، إذا ما شعرت بأن السلطة تسحب من يدها، تماماً كما فعل الأميركيّون في العراق، ويمكن الأزمة السياسية والنزاع الاقتصادي الذي يضع اللبنانيين وجهاً لوجه أن يتحوّلا سريعاً إلى مواجهة طائفية أو مذهبية، وذلك نظراً لوجود طبقة سياسية فاسدة وعديمة المسوؤليّة تعيش على هذه الصراعات، وتظهر أمام الغرب بمظهر المحافظ على الحريات وعلى الديموقراطية في وجه محور الشر.

*أستاذ في جامعة ليون ــ بيت الشرق (ترجمة الياس فوز)