حتّى لا نتحوّل إلى أسرى «الصناديق الصغيرة»

ماجد الشيخ *
يبدأ الفيلسوف والاقتصادي الهندي أمارتيا صن كتابه هذا بستّ محاضرات عن الهويّة، ألقاها في جامعة بوسطن بين تشرين الثاني 2001 ونيسان 2002، باحثاً عبر المفاهيم والرؤى الخاصة، قارئاً في الوقائع ما يمكن استجلاؤه منها من مفاهيم متجدّدة، ورؤى يتحدّد في ضوئها ما ينبغي أو ما يمكن أن يؤول إليه عالمنا اليوم، لا ما تقود إليه سياسات ضيّقة الأفق قادت بعض الأفراد وحتّى بعض الجماعات إلى أن يكونوا أسرى صناديق صغيرة.
وعلى العموم، فإنّ الآثار المروّعة لتصغير الناس، هي موضوع هذا الكتاب. ولا سيّما إزاء الدعوات إلى إعادة فحص وإعادة تقويم بعض الموضوعات الراسخة بشكل جيّد، مثل: العولمة الاقتصاديّة، والتعدّديّة الثقافيّة، وما بعد الكولونياليّة التاريخيّة، والعرقيّة الاجتماعيّة، والأصوليّة الدينيّة، والإرهاب الكوكبي.
على أنّ مشهد السلام في العالم المعاصر، قد يكمن بكامله في الاعتراف بتعدّديّة انتماءاتنا، وفي استخدام التفكير والمنطق باعتبارهما موجودات مشتركة في عالم متّسع، بدلاً من جعلنا نزلاء محصورين بقسوة في عبوات صغيرة.
إنّ ما نحن في حاجة إليه قبل كلّ شيء، هو فهم نابع من عقل صاف لأهميّة ما يمكن أن يكون لدينا من حريّة في تقرير أولويّاتنا، ويتّصل بهذا الفهم أنّنا في حاجة إلى أن نتعرّف بدرجة ملائمة على دور وكفاءة الصوت العام المتعقّل داخل الأمم وعبر العالم.
ولمّا كان مفهوم الهويّة يؤثّر بوسائل كثيرة مختلفة في أفكارنا وأفعالنا، فإنّه من ضروريّات خوض الحياة الإنسانيّة، أن نتحمّل مسؤوليّات الاختيار والتفكير. وعلى العكس فإنّ العنف ينمو عندما نعمّق إحساساً بالحتميّة حول هويّة يزعم أنّها فريدة، وغالباً مقاتلة، من المفترض أنّها هويّتنا. لهذا فإنّ فرض هويّة فريدة زعماً، هو غالباً أحد المكوّنات الحاسمة من «الفن القتالي» لإثارة المواجهات الطائفيّة.
ولهذا أيضاً، فإنّ إنسانيّتنا المشتركة تتعرّض لتحدّيات وحشيّة، عندما توحّد التقسيمات المتنوّعة في العالم في نظام تصنيف واحد مهيمن مزعوم، يعتمد على الدين، أو الجالية، أو الثقافة، أو الأمّة، أو الحضارة (مع معاملة كل من هذه التصنيفات، في سياق هذا التناول، باعتباره ذا سطوة متفرّدة بالنسبة إلى الحرب أو السلام).
إنّ العالم المقسّم بشكل فريد أكثر إثارة للشقاق والنزاع بكثير من التصنيفات الجمعيّة والمتنوّعة التي تمثّل العالم الذي نعيش فيه. والواقع أنّ كثيراً من النّزاعات والأعمال الوحشيّة في العالم تتغذّى على وهم هويّة متفرّدة لا اختيار فيها، وفنّ بناء الكراهية يأخذ شكل إثارة القوى السحريّة لهويّة مزعومة السيادة والهيمنة تحجب كلّ الانتماءات الأخرى.
وعندما تعطى هذه الهويّة شكلاً ملائماً ميّالاً للقتال، يمكن أيضاً أن تهزم أيّ تعاطف إنساني أو مشاعر شفقة فطريّة قد تكون موجودة في نفوسنا بشكل طبيعي. والنتيجة يمكن أن تكون عنفاً عارماً مصنوعاً داخل الوطن (الحروب والمنازعات الأهليّة والصراع على السلطة)، أو إرهاباً وعنفاً مراوغاً ومدبّراً على مستوى كوكبي (مثل إرهاب أيلول/ سبتمبر).
والحقيقة أنّ من أهم مصادر الصراعات الكامنة في العالم المعاصر، الزعم أنّ النّاس يمكن تصنيفهم تصنيفاً متفرّداً، مؤسّساً على الدين أو الثقافة، ويمكن الاعتقاد المضمر في القوّة المهيمنة لتصنيف انفرادي أن يجعل العالم كله قابلاً للاشتعال في لحظة. كما أنّ التقسيم المتفرّد أكثر قابليّة لإثارة المواجهات من عالم التصنيفات المتعدّدة والمتنوّعة التي يتكوّن منها العالم الذي نعيش فيه، فالاختزاليّة التي تنطوي عليها نظريّة رفيعة يمكن أن تسهم مساهمة رئيسيّة ــ غالباً من دون قصد ــ في عنف السياسات الحقيرة.
لكن غالباً ما تقف المحاولات الكوكبيّة للتغلّب على مثل هذا العنف معوّقة، بسبب فوضى مفهوميّة مماثلة بالقبول ــ الصريح أو الضمني ــ لوجود هويّة متفرّدة تحول دون الكثير من السُّبل الواضحة للمقاومة.
ونتيجة لذلك، قد ينتهي الأمر بمقاومة العنف المبني على الدين، ليس من خلال تقوية المجتمع المدني (وهو الطريق الواضح المفهوم) ولكن من خلال نشر قادة دينيّين مختلفين ذوي قناعات أكثر «اعتدالاً» ظاهريّاً، الذين يشحنون للتغلّب على المتطرّفين في معركة داخل الدين نفسه.
ومن الممكن أن يحاولوا ذلك من خلال إعادة تعريف مناسبة لمتطلّبات الديانة المعنيّة. وهنا يلاحظ المؤلّف أنّه عندما ترى العلاقات بين النّاس في شكل علاقات انفراديّة بين جماعات مثل «صداقة» أو «حوار» بين حضارات أو إثنيّات دينيّة، من دون النّظر إلى الجماعات الأخرى التي يمكن أن ينتمي إليها الأشخاص أنفسهم (في العلاقات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة أو غير ذلك من العلاقات الثّقافية)، تضيع الكثير من النواحي المهمّة في الحياة الإنسانيّة، ويتحوّل الأفراد إلى أشخاص محبوسين داخل صناديق صغيرة.
* كاتب فلسطيني



العنوان الأصلي
الهويّة والعنف

الكاتب
أمارتيا صن

الناشر
عالم المعرفة