فلسطين ليست جسداً ميتاً... اسألوا المحتلّين

نبيل المقدم *
«ليست فلسطين جسداً ميتاً. إنها بلد حيّ والفلسطينيون روحها. فلسطين هي ما يعيد الفلسطينيّين خلقه في الزمن الواقعي، بالطريقة نفسها التي يخلق فيها الفرنسيون فرنسا ويعيدون خلقها كل يوم... إنّنا عندما نحبّ بلداً ونتمنّى إبعاد أهله، نمارس نوعاً من عشق الأجساد الميتة. لا يمكن فصل فلسطين عن الفلسطينيين ولا المزراعين عن زيتونهم، ولا الينابيع عن الماء، ولا القباب عن أضرحة الأجداد، على قمم التلال كل منها يكمل الآخر ويحتاج إليه.
ليس الفلسطينيون شعباً مبهماً ودنيئاً، لقد خلقوا نجمة الغسول وكتبوا الإنجيل وبنوا كنيستي القيامة والحرم الشريف». صاحب هذا الكلام ليس فلسطينياً ولا عربياً. هو إسرائيل شامير، أحد الأصوات النادرة التي ظهرت في المجتمع الإسرائيلي وخارجه لترفض وتدين ليس فقط الممارسات الصهيونية بل تتصدى لإيديولوجياتها الظلامية التي كرّست ثقافة عنصرية في المجتمع الإسرائيلي، وانتهت به إلى رفض الآخر، وبشكل خاص الفلسطيني، والتنكر لحقوقه وممارسة شتى أشكال القمع والمجازر. وهو قبل كل هذا ينطلق من ضرورة الاعتراف بالآخر وشرعيته، وبكل حقوقه، وفي مقدمتها حق العودة، وبذلك ينضمّ شامير إلى أصوات غير مرحَّب بها في الدولة العبرية كنعوم تشومسكي ونورمن فنكلستين وغيرهما،
وشامير في كتابه هذا الذي هو عبارة عن مجموعة مقالات كتبها في أوقات متفرقة يتميز بالقدرة على التحليل الدقيق والتقاط الوقائع المهملة وغير المريحة للمجتمع الصهيوني. وهو أيضاً لا يكتفي بالإدانة الأخلاقية، فهو حريص على فهم المجرم مثل فهمه للجريمة. وفي هذا المجال يقول «يرتبط شارون وشعبه بشكل منحرف في عشق الأرض. منحرف لأنهم يتخيلون أنّ من الممكن حبّ فلسطين من دون فلسطينيين، لكن فلسطين ليست جسداً ميتاً بل هي بلد حي والفلسطينيون روحها». وهو يتساءل كيف رفض الكثيرون، ومنهم بعض اليهود، حرب فيتنام واستنكروا جرائم الصرب في البوسنة والهرسك والروس في الشيشان، في حين يعجبون الآن حين يرون الجيش اليهودي يقتل المدنيين ويهدم منازلهم ويحاصر القرى الفلسطينية؟ كما يتساءل: هل تظاهر المثقفون الإسرائيليون بأعداد ضخمة في الساحات العامة التي تماثل بنسلفانيا أو ساحة الطرف الأغر في الصين؟ وهل رفع اليهود الأميركيّون أصواتهم ضد اليهود الذين يقتلون الفلسطينيين بالسلاح الأميركي؟ وهل احتجّ اليهود الروس على خرق حقوق الإنسان في الأرض المقدسة؟ ويجيب عن ذلك بالقول: كلا، لم يحدث بل إن أدباءنا يعظّمون شجاعة اليهود. ويذهب شامير أبعد من ذلك حين يقول: إن عنصريتنا ليست أقلّ عنصرية من الألمان. ويضيف أنّ الدولة اليهودية هي المكان الوحيد في العالم الذي فيه وحدات قتل قانونية ويتميز بسياسة الاغتيالات، ويمارس التعذيب بمستوى ما كان يحدث في العصور الوسطى الأوروبية.
كذلك يتصدى الكاتب لبعض الأسئلة المهمة التي يمكن أن تُثار عن المفاهيم والاعتقادات الأساسية السائدة عند المجتمع اليهودي، مثل مسألة معاداة السامية وحكاية بروتوكولات حكماء صهيون. فهو هنا يستخدمها لإدانة النخبة الصهيونية التي يرى فيها عصابة تبحث عن المال، وتمثّل خطراً على بقية اليهود، كما هي خطر على غير اليهود.
«أزهارالجليل» محاولة جريئة لربط العديد من الخيوط السياسية واللاهوتية، العسكرية والاجتماعية ببعضها، وتكوين مفاهيم جديدة تقدم للناس أدوات جديدة للتحرك.
إنّها محاولة لتحرير الخطاب العام السياسي والاجتماعي من المفاهيم الصهيونية المزورة والملوثة، حيث الصراع الفكري الشامل ضد التطورات الحديثة والخطيرة، مثل تنامي نفوذ اليهودية الأميركية ونمو العولمة، حيث تقف أميركا ضد العالم الثالث. شامير لا ينساق إلى التمني ولا يضع افتراضات حيث يمكن أن يؤدّي العمل إلى إحراز تقدم. الدين بالنسبة إليه ليس عكازاً، بل هو طريق الاستقامة التي يستطيع الإنسان محاكاتها.
* كاتب لبناني



العنوان الأصلي
أزهار الجليل

الكاتب
إسرائيل شامير

الناشر
دار كنعان