هيفاء زنكنة *

ولقراءة هذا الخبر في محتواه السياسي والاجتماعي، علينا تحليله أولاً خارج الصورة النمطية للصراع «الذكوري ــــ الأنثوي» المتوخاة من توجيه الاتهام والصياغة الجاهزة للخبر نفسه.
إنّ قراءة المحتوى السياسي للخبر جوهرية، لأن النساء اللواتي وجهن التهمة لسن مواطنات عراقيات عاديات، بل عضوات في ما يسمى بمجلس النواب العراقي، وإن كان تناقل الخبر قد جاء مركّزاً على صيغة المرأة ضد الرجل، أو على أساس التمييز ضد المرأة بسبب الجندر، إلى حد دفع النائبة عن التحالف الكردستاني كاملة إبراهيم بادي إلى تعميم تهمة الإساءة لتشمل كل النساء العراقيات، حيث وصفت سلوك المشهداني بأنّه «ممارسة العنف السياسي بحق المرأة». وهو وصف أقل ما يُقال فيه إنه تضليل إعلامي بات مفضوحاً حتى بين «البرلمانيات» أنفسهن.
ويرتكز التضليل الإعلامي على عكازين: الأول هو توجيه الأنظار بشكل خاص إلى مظلومية «المرأة القيادية»، أو البرلمانية، ومحاولة تصويرها على أنها ممثلة عن واقع «المرأة العراقية» عموماً، والمتحدثة باسم المرأة، للتغطية على خدعة وجودها كبرلمانية لم تنتخب أساساً لا من المرأة العراقية ولا الرجل، بل عُيّنت وفق محاصصة الاحتلال الطائفية والعرقية والجندرية. وكانت الانتخابات المزورة في ظلّ الاحتلال قد تمت وفق قوائم مغلقة ارتدت فيها الأحزاب والكتل المشاركة في جدولة الاحتلال، جميعاً، النقاب، لئلا يرى المواطن وجوه المرشحين الحقيقية. وكانت نتيجة الانتخابات متماشية مع التوليفة المطلوبة منذ يوم الاحتلال الأول في عام 2003، لشرعنة الاحتلال وتكريس بقائه بمختلف الأساليب والطرق التي تراوح ما بين الاعتقال والعقاب الجماعي وترويع الناس وقتلهم، إلى كتابة الأميركي نوح فيلدمان الدستور العراقي، وهو العمل الذي وصفه المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد بأنه إهانة متعمدة للقانونيين والحقوقيين العرب والمسلمين.
وتركز معظم عمل «البرلمان» على التناحر الطائفي والعرقي وتشريع القوانين والمعاهدات لمصلحة المحتل، وهو الإنجاز الذي أثار إعجاب جورج بوش، إلى حد أنه قرّع الكونغرس عندما قضى أفراده بعض الوقت لمناقشة طلب الحكومة زيادة مخصصات الحرب في العراق وأفغانستان، قائلاً: «انظروا إلى البرلمان العراقي، لقد مرر من التشريعات خلال أشهر ما لم يشرعه الكونغرس خلال عقود».
العكاز الأول إذاً، في حالة البرلمانيات، مصنوع من خشب ظاهره صلب وداخله متآكل. أما العكاز الثاني فهو ادعاء البرلمانية أنها تعاني التمييز الجندري، أي التمييز على أساس الجنس. وهو ادعاء فارغ لأن نسبة محاصصة برلمانيات الاحتلال وصلت إلى الربع، وهي الأعلى بين كل البلدان المجاورة والعديد من دول العالم، ومن بينها دولتا الاحتلال أميركا وبريطانيا. ولا جدال في أن من حق المرأة كمواطنة أن تصبح نسبتها أعلى فأعلى أو أن تحتل البرلمان بكامله، شرط أن يكون حصولها على المنصب نتيجة فوزها في انتخابات حرة ونزيهة في بلد يتمتع بالاستقلال والسيادة، وكما هو معروف، لا يتمتع العراق المحتل بأي من هذه المواصفات. فما الذي فعلته برلمانيات الاحتلال بنسبتهن الكبيرة؟
لقد أثبت مرور خمس سنوات على الاحتلال البشع لبلادنا، أن لا فرق كبير بين أنوثة سياسيي الاحتلال وذكورتهم، فكل واحدة منهن وكل واحد منهم يرتدي نقاب محاصصة الحزب الطائفي أو العرقي أو العلماني الذي جلبه إلى مبنى البرلمان في المنطقة الخضراء. وكل واحد منهم ساهم بدرجة أو بأخرى في شرعنة الاحتلال وتمديد بقائه، إما من خلال العمل الدؤوب النشط المرحب علناً بالاحتلال، أو من خلال الصمت والتظاهر بالعمى على جرائم الاحتلال اليومية البشعة التي تستهدف المواطنين جميعاً بلا تمييز (إنها المساواة الوحيدة التي حققها الاحتلال)، وأكثرها بشاعة ما يتعرض له الطفل والمرأة. فبينما تقضي برلمانيات الاحتلال أوقاتهن للتدرب على ألفاظ ومصطلحات الورشات التدريبية المقامة خارج العراق تحت شعار «بناء مهارات إدارة النزاعات وحلها للنساء القياديات العراقيات، وتشجيع المساواة في الجندر في إطار السلام والأمن»، وتكرارها كألفاظ رنانة في مقابلاتهن وتصريحاتهن بعد ذلك، تعيش المرأة العراقية صراعاً يومياً مريراً من أجل المحافظة على بقائها وأيتامها، وخاصة أنه بلغ عدد الأرامل مليوناً واليتامى خمسة ملايين، وتفتقر إلى أبسط أساسيات المعيشة والعمل والتعليم والصحة والكرامة.
ولم تصل المرأة العراقية المعروفة عالمياً بتقدمها العلمي والأدبي والفني إلى وضعها البائس حالياً بسبب «التمييز والعنف الجندري» كما تدّعي برلمانيات ونسويات الاحتلال في بياناتهن وخصوماتهن مع الذكور من سياسيي الاحتلال، وليس بسبب عنف الرجل التاريخي ضد المرأة، وليس بسبب العنف والإرهاب المتوارث في المجتمع العراقي، بل بسبب إرهاب الاحتلال ومرتزقته وشركات حمايته المعصومين من القوانين العراقية والدولية. الإرهاب الذي جلب معه كل ما هو فيروسي إلى المجتمع العراقي، والذي لا يذكرنه إطلاقاً لأنهن جزء لا يتجزأ من تركيبته التي توفر لهن الرواتب الكبيرة والمخصصات والوفادات والجلوس في «فاترينة» أحزابه. وبينما يبرر البرلماني تسويقه للاحتلال بحجة محاربة الإرهاب العالمي وانعدام الأمان، تبرر البرلمانية تسويقها للاحتلال بالحجة ذاتها، فضلاً عن إشاعة تعرضها للتمييز الجندري و«التسلط الذكوري» حسب النائبة صفية السهيل، في ملهاة تمثيل الأدوار في «البرلمان».
لقد تميز نضال المرأة العراقية وتحقيقها المنجزات العديدة، بضمانها المساواة القانونية في مجالي العمل والأسرة، منذ بداية تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عشرينيات القرن الماضي، بأنه قد تم من خلال عملها جنباً إلى جنب مع الرجل من أجل تحرير الوطن وبنائه وترسيخ استقلاله وسيادته، مع التأكيد أنّ بناء العراق لن يكون متكاملاً ما لم تكن المرأة تتمتع بالحرية والمساواة. ولا ينكر أحد أهمية المنظور الإنساني للقضاء على التمييز ضد المرأة في جميع أنحاء العالم، إلا أن المرأة العراقية، حالياً، قد تدحرج موقعها من قمة مثلث تراتبية الحاجات الإنسانية، الذي يمثّل منظور الجندر قمته تعبيراً عن التقدم والنمو وتحقيق الذات، فتجاوزت في انحدارها مرتبة ضمان الحاجات التعليمية والصحية الوسطية إلى قاع المثلث، حيث الصراع للبقاء على قيد الحياة وحماية الأسرة وتوفير الطعام بدون فقدان الكرامة.
لذلك تمثّل مهاترات البرلمانيات وتغطية حاجات المرأة الأساسية للبقاء على قيد الحياة بعباءة الجندر كذبة وإهانة وتضليلاً لا يغتفر. ولذلك أيضاً، يرى المواطنون جميعاً، نساءً ورجالاً، أن ما يجري في مسرحية البرلمان المعروضة على قاعة المنطقة الخضراء بفريق الكومبارس المؤلف من 275 ممثلاً ثانوياً، لا يمثلهم ولا يعنيهم. فسواء هدد المشهداني بضرب البرلمانيّين بالقندرة (الحذاء بالعامية العراقية) إذا خالفوا الشريعة، أو هدّدت البرلمانيات البقية بسلاح الجندرة، فالأمر سيان بالنسبة للمواطن العراقي.
* كاتبة عراقية