محمد سيد رصاص

لم تحصّل تركيا شيئاً من تلك الشاة المذبوحة، بل على العكس من ذلك، فقد خرجت تلك الحرب بحصيلة مقلقة لأنقرة، تمثّلت في تلك النواة لكيان كردي، رعت الولايات المتحدة إقامتها في شمال العراق منذ عام 1992. رغم ذلك، فقد ظلّ الرئيس التركي يأمل أن يتنامى الدور التركي في عالم ما بعد الحرب الباردة، بعدما كانت أنقرة تقوم بذلك الدور الكبير ضدّ موسكو الشيوعية، إلى درجة أن صفقة تفكيك الصواريخ السوفياتية في كوبا، عام1962، قد أصر خروتشوف فيها على مقابلتها بتفكيك صواريخ وقواعد تنصّت كان الأميركيون يستخدمونها في شمال شرق تركيا.
إنّ ما خاب فيه أمل أوزال، في الشرق الأوسط، قد حاوله في جمهوريات آسيا الوسطى السوفياتية السابقة لإقامة «عالم تركي يمتدّ من بحر إيجه حتى الحدود الصينية»، على حدّ تعبيره قبيل وفاته في شهر نيسان من عام 1993، في تحالف مع الولايات المتحدة لملء الفراغ السوفياتي في تلك الجمهوريات الناشئة من أجل منع الامتدادات الإيرانية هناك، فيما قامت أنقرة بأدوار، ليست بعيدة عن الرغبة الأميركية، في دعم أذربيجان ضدّ أرمينيا المتحالفة مع موسكو وطهران بالنزاع على إقليم ناغورني كاراباخ، وفي مساندة جورجيا ضد الانفصاليين المدعومين من الروس في اقليم أبخازيا، فيما كانت أدوار تركيا بالبلقان في التسعينيات، في نزاع البوسنة وفي حرب كوسوفو، أساسية للولايات المتحدة من حيث تقديم غطاء اقليمي واسلامي في مواجهة صربيا المدعومة من روسيا، ولو أدى ذلك إلى قلق يوناني عميق، حيث كان واضحاً أنّ عواطف وتأييدات أثينا كانت بعيدة عن واشنطن في النزاعات البلقانية، التي تداخلت فيها عند اليونانيين العواطف الأرثوذكسيّة المؤيّدة للصرب مع الخشية من عودة الأتراك بشيء يُذكَر بامتدادات العثمانيين في البلقان، ليُضاف لذلك القلق من تنامي قوة اسلام أوروبي، عند الألبان والبوسنيين، كان تاريخياً يلتقي دائماً، ضد أرثوذكس البلقان من أثينا حتى بلغراد، مع الأتراك القادمين من آسيا الصغرى، فيما كانت عواطف الأرثوذكس البلقانيين تتلاقى تاريخياً مع قياصرة روسيا، لتعود وتلتقي (رغم خلافات تيتو مع موسكو ورغم أطلسية أثينا في الحرب الباردة وما بعدها) مع روسيا ما بعد السوفيات في مشاكل بلقان التسعينيات.
بدون ذلك، لا يمكن فهم التعاون الاستخباري الكبير، الذي أبدته الولايات المتحدة في مساعدة الأتراك على اعتقال عبد الله أوجلان، في شباط 1999 قبيل أسابيع من حرب كوسوفو الأميركية على صربيا، حيث كان ـــــ كما قيل ـــــ في ضيافة منزلية لدبلوماسي يوناني في نيروبي، وليس ذلك الغطاء الأميركي الذي استظلت به أنقرة، قبل أشهر من ذلك، لمّا أطلقت حشودها العسكرية وتهديداتها ضدّ سوريا على خلفية دعم دمشق لأوجلان وحزبه.
هنا، أصيبت أنقرة بنكسة كبرى في مسار دورها، المستظل بالرعاية الأميركية، لمّا رفض البرلمان التركي فتح جبهة شمالية أمام القوات الأميركية المتأهبة لغزو العراق، قبيل ثلاثة أسابيع من بدء حرب 2003، ضدّ رغبة زعيم حزب «العدالة والتنمية» الحاكم رجب طيب أردوغان، لمّا تمرّد نصف نواب حزبه وتضامنوا مع نواب حزب الشعب الجمهوري الأتاتوركي المعارض: أدّى هذا إلى تنامي الدور الكردي في العراق (فيما كان سيحصل العكس لو لم يفعل البرلمان التركي ذلك) بينما كان التوافق الأميركي ـــــ الإيراني ضد نظام صدام حسين آنذاك مؤدّياً إلى فتح أبواب بغداد المغزوّة والمحتلة أمام القوى العراقية الحليفة لطهران.
تغيَّر هذا في شهر آب 2005، لمّا استأنفت طهران برنامج تخصيب اليورانيوم، بعد قليل من انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيساً، ما أدّى إلى اتجاه أميركي جديد نحو اعتبار إيران خطراً رئيسياً في المنطقة الممتدة بين كابول وشرقي البحر المتوسط، وهو ما قاد إلى رؤية أميركية جديدة عند واشنطن ـــــ لم تكن موجودة في أيام حرب 2003 وقبلها في حرب 2001 لمّا غزت أفغانستان ـــــ لأدوار دول مثل مصر والسعودية وباكستان، وبالذات للدور التركي الذي اتجهت الولايات المتحدة لإعطائه أبعاداً اقليمية لم تعد محصورة في البلقان والقوقاز وآسيا الوسطى، بل أرادت إعطاءه أبعاداً في الجنوب، في منطقة الشرق الأوسط، كموازن ومواجه للدور الإيراني.
كان أول آثار ذلك متمثّلاً بالطيّ الأميركي العملي لصفحتي الفدرالية وكركوك في إدارة ظهر واضحة من واشنطن تجاه أكراد العراق، فيما كان جلياً غطاء واشنطن منذ خريف عام 2007 لاجتياحات تركيا لشمال العراق، التي من الواضح أن أنقرة لا تستهدف منها فقط قوات حزب أوجلان الموجودة هناك بل أيضاً مجمل وضعية الكيان الكردي العراقي.
في المقابل، فإنّ بروز الدور التركي في السنتين الماضيتين، في موضوع التسوية السورية ـــــ الإسرائيلية، ليس بعيداً عن رؤية واشنطن الإجمالية لإقليم الشرق الأوسط، من حيث إن الهدف الرئيسي أميركياً هو تفكيك التحالف الرباعي، ممثلاً في طهران ـــــ دمشق ـــــ حزب الله ـــــ حماس، ولو أنّ هناك خلافاً على الآليات في هذا الصدد كان من الواضح بروزه بين تل أبيب وواشنطن في الفترة الأخيرة.
أيضاً، فإن استمرار الهجمة الأميركية في البلقان، كما ظهر في شباط الماضي من خلال غطاء الإدارة الأميركية لاستقلال كوسوفو، ستجعل تركيا من جديد جزءاً رئيسياً متزايد الأهمية في الاستراتيجية الأميركية هناك، بالتزامن مع التوترات المتجدّدة بين جورجيا وروسيا حول أبخازيا، الأمر الذي لا يمكن عزله عن الاتجاهات الموجودة عند واشنطن لمدّ عضوية حلف شمالي الأطلسي نحو جورجيا وأوكرانيا، وهو ما سيجعل تركيا قاعدة مثلث حلف الأطلسي، الممتد عبر القوقاز والبحر الأسود، لتطويق روسيا من الجنوب الغربي، إضافة للبلقان وشرق أوروبا.
كان نجم الدين أربكان يرى، في تسعينيات القرن الماضي، أن تركيا يمكن أن تبني مكانتها الدولية، وقوتها الإقليمية، عبر المصالحة مع العالم الإسلامي، بجناحيه العربي والفارسي، بعد خصام أتاتوركي طويل، من دون لعب أدوار مع الغرب ضد هذين الجناحين، بما يمكّنها من أن تكون رقماً كبيراً في خريطة العلاقات الدولية، ستفرض على الغربين، الأميركي والأوروبي، المرور عبر أبوابه، لتحقيق دور تركي مثلث الأبعاد في البلقان، وعند مسلمي الاتحاد السوفياتي السابق، ولدى مسلمي الشرق الأوسط بعربه وفرسه: يبدو أن تلميذه السابق رجب طيب أردوغان في اتجاه آخر، بعدما انشقّ عنه في عام 2001.

* كاتب سوري