لطيفة بو سعدن *

بعضهم اكتفى بالخلاصات التي وصلت إليها هيئة الإنصاف والمصالحة عام 2006، واعتبر التعويضات المالية التي صُرفت لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في الفترة الممتدّة بين سنوات 1956 و1999 قد حقّقت المصالحة بين الدولة والضحايا والمجتمع. وبالتالي فاعتذار الملك عن هذه الانتهاكات لا معنى له، وخاصة بعدما أظهر نية المصالحة حين إحداثه الهيئة عام 2004، وحين انخراطه في تحقيق معادلة التنمية البشرية...
البعض الآخر يطالب بتفعيل إحدى التوصيات الواردة في التقرير النهائي للهيئة والقاضية باعتذار الوزير الأول نيابة عن الدولة أمام البرلمان، فيما ذهب آخرون إلى أن الملك اعتذر ضمنياً حين استقبل أعضاء الهيئة في حضور بعض ضحايا الأمس... إنه الخلاف المستمرّ بين الحقوقيين والسياسيين والمثقفين والدولة.
بعضهم اندمج في مقاربة السلطة حول المصالحة لطيّ صفحة الماضي، حيث لا مكان للمساءلة والكشف عن الحقائق أو لاعتذار الملك، وبعضهم ما زال يدافع عن مقاربة جذرية لمعالجة ملفّات الماضي الأليم تتجاوز كل قراءة انتقائية واختزالية للعدالة الانتقالية.
إنّ المدخل الذي اختيره لهذه العدالة في المغرب هو مدخل حقوقي لا سياسي، والهيئة خلال عملها، تغاضت بدورها عن إعطاء تحليل دقيق للسياقات التاريخية والسياسية للانتهاكات، ولم تضع التدابير الكفيلة بعدم تكرارها، كذلك فالأحزاب الديموقراطية التاريخية التقليدية لم تمارس فعل الانخراط الفعلي في دعم الهيئة، رغم أنها كانت ضحية لتلك الفترة... وقرأ البعض عدم رغبتها في التعاون أو في الإفصاح عما لديها من أرشيفات لحاجة في نفسها، إذ اكتفت بتأييد التجربة في مبادئها الأولية وفي خلاصاتها، في حين ألِفت أحزاب أخرى أن تبارك، بدون شروط، عمل المؤسسات التي يكون وراءها الملك.
الفراغات كثيرة في تجربة الإنصاف والمصالحة، بدون حقيقة، في المغرب، رغم المنحنيات الإيجابية التي حقّقتها هذه التجربة أولاً كلحظة سجّلت في التاريخ الحديث للبلد، وثانياً كخلاصات إجرائية واقتراحية استجابت لجزء من مطالب الحركات الحقوقية والسياسية المغربية، بل ودخل البعض منها حيز التفعيل كقانون تجريم التعذيب... لكن التجربة، بما لها، ظلّت محدودة وانتهت من حيث بدأت بالنسبة للعديد من الملفات المرتبطة بماضي الانتهاكات، كملف المعارض اليساري المهدي بن بركة وملف ضحايا انتفاضات الجوع. ولم تقل الكثير في ما يخصّ الانتهاكات التي مست منطقة الريف، وعجزت عن تحديد المسؤوليات بدقّة في غياب تعاون الأجهزة الأمنية والاستخباريّة التي رفضت تقديم الشهادات اللازمة لكتابة الحقيقة، وطبعاً لم تكن الهيئة تتوفّر على سلطات حقيقية لإجبارها على التعاون. أما التوصية التي أتت بها حول التنمية والإصلاحات الدستورية والسياسية، فكان يجب أن تشكّل إطاراً للعدالة الانتقالية المبحوث عنها، لا أن تكون مجرّد خلاصة. فهل ينقذ الاعتذار الرسمي تلك الهشاشة التي أسست عليها عملية طيّ صفحة الماضي؟ ومن الذي سيقوم بالاعتذار، الملك أم الوزير الأول؟
يعود الحديث عن الاعتذار، إلى الواجهة الحقوقية على الأقل، بعدما أطلّ أحمد حرزني، رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان (وهو الجهة الرسمية التي كلفها الملك بمتابعة تنفيذ التوصيات) خلال برنامج تلفزيوني ليعلن قرب إغلاق ملف انتهاكات الماضي، وليؤكّد أن الخطاب الذي ألقاه الملك حين استقباله أعضاء الهيئة تضمن اعتذاراً ضمنياً عنها. وكثيراً ما تثير آراء حرزني، الذي ذاق تجربة الاعتقال السياسي، الجدل ربما بسبب جرأتها، حيث توقِع أهدافاً لا ينتظرها، ويعتبرها بعض رفاقه القدامى استفزازاً مباشراً لهم. لقد قال في إحدى جلسات الاستماع، وهو محاط بضحايا سنوات الرصاص «لا أحد منّا كان قديساً»!
هذا الرجل الذي يحبّ أن يعرّف نفسه اليوم بأنه ليس ضحية، وأنه يناضل ضدّ جميع أشكال الظلم، وصف خلال البرنامج المذكور المطالبين باعتذار الملك بأنهم «سجناء الماضي»، وذلك ما لم يستسغه أعضاء «المنتدى المغربي من أجل الحقيقة» الذين اعتبروا في بيان لهم أن تصريحات رئيس المجلس دعوة للتنصل من توصية جاءت بها هيئة الإنصاف والمصالحة.
وإذا كان المنتدى يؤكد على محطة الاعتذار كإحدى الآليات الرمزية اللازمة لجبر الأضرار الفردية والجماعية، وكصيغة لردّ الاعتبار للضحايا ولعائلاتهم، وكتعبير عن إرادة سياسية ملتزمة بعدم تكرار ما جرى، فإنه لا يعارض من حيث المبدأ تقديم الاعتذار من طرف الوزير الأول. أما الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فقد اتخذت منحى مختلفاً في ما يخصّ الاعتذار، وهي التي اعتبرت أن عمل الهيئة كان جزئياً ولم يمكِّن من طيّ الملف نهائياً، إذ لم يشمل كل الانتهاكات الجسيمة. ففي هذا السياق بلورت الجمعية مقاربة جذرية، حيث لا مناص من تقديم الملك للاعتذار، لا بصفته الشخصية ولكن بصفته الدستورية، كممثل أسمى للأمة وكضامن لدوامها، وبالتالي فالقول بلا مسؤولية الملك عما جرى، كما يوضح عبد الحميد أمين نائب رئيسة الجمعية، لا معنى له لأن الملك يتحدث باسم مؤسسة شكلت نواة الدولة، وإلا يمكن للبعض أن يعترض على اعتذار الوزير الأول لأنه بدوره لا مسؤولية له في انتهاكات الماضي.
لقد أعطى الملك محمد السادس حين استقباله أعضاء الهيئة عام 2006، إثر انتهاء عملها بُعداً جديداً للمصالحة فسوّاها بالصفح بمعناه الديني إذ قال: «المصالحة الصادقة التي أنجزناها لا تعني نسيان الماضي، فالتاريخ لا ينسى، وإنما تعتبر بمثابة استجابة لقوله تعالى فاصفح الصفح الجميل، وإنه لصفح جماعي»، كما نقلت كاميرا حفل الاستقبال حضورا مهماً لبعض الضحايا ولأسرهم، وقدم الملك في نهاية الحفل المواساة لبعض الأمهات والضحايا. ماذا لو قدم الملك خلال هذا الحفل اعتذاراً واضحاً للضحايا وللمجتمع؟ هل كان ذلك سيمسّ بهيبة المؤسسة الملكية وقدسيتها؟ أم بالعكس، كان من شأنه أن يضيف لهذه المؤسّسة أبعاداً تحديثية جديدة في سياق دولة تسلّطية تتماهى فيها مكانتا الملك والدولة؟ هذه الأخيرة أبانت قدرتها على استيعاب دروس الحداثة وتسخيرها لمصلحة نوع من الاستمرارية للوظائف التقليدية لبناها. ولن يضيرها شيء إن هي استوعبت رمزية الاعتذار واستثمرته كلحظة تاريخية جديدة في نطاق الإصلاحات الدستورية والمؤسساتية. لقد ظلت تجربة المصالحة السابقة خارجة عن إطارها، ولعلّ في الاعتذار تغطية لتلك الفراغات التي تركها عمل هيئة افتقدت سلطات حقيقية لطيّ صفحة الماضي .

* صحافيّة مغربيّة