فنسان الغريّب *

لا بدّ لنا، في مرحلة انحدار الامبراطورية الأميركية التي نمرّ بها اليوم مع التوسّع المفرط للقوة الأميركية وبداية ظهور أزمة مالية تضرب الاقتصاد الأكبر في العالم ما سوف تكون له نتائج وخيمة على بنية النظام الدولي القائم على الأحادية القطبية، للتحوّل نحو نظام متعدّد الأقطاب أو عصر اللاقطبية، وفق ما قال به ريتشارد هاس. لا بدّ لنا إذاً من التركيز على «القومية الأميركية» التي كانت الدافع وراء الصعود المتواصل للقوة الأحادية الأميركية قبل أن تصطدم بحائط الواقع الدولي الجديد والمتمثّل بتراجع القوة الاقتصادية الأميركية وتقدّم قوى ومجموعات اقتصادية كبرى جديدة، ودخول الولايات المتحدة في معمعة «الحرب على الإرهاب» و«حروب وقائية»، أفقدت أميركا جاذبيتها الثقافية كقوّة ليّنة، بحسب جوزف ناي، ما أفقدها «شرعيّة» مشروعها للهيمنة على العالم بشكل أحاديّ.

بين «لا قطبية» هاس وقومية بوش

لم تستطع إدارة بوش الابن الاستفادة من لحظة الأحادية القطبية التي قال بها تشارلز كروثامر، وذلك بالتحديد بسبب النزعة القومية الأميركية المتعصّبة التي ترى في أميركا مدينة على قمّة جبل، تحكم بقية العالم وتسخّر موارده وشعوبه خدمة لمصالحها القومية العليا.
كما أفشل هذا التعصّب القومي الأميركي محاولة تحويل الولايات المتحدة من «قوّة أحادية عظمى» الى «امبراطورية حضارية عظمى»، وذلك لأن الامبراطورية تفترض معاملة جميع المواطنين العالميين بمساواة، وهذا ما رفضت النخبة الأميركية تحقيقه مع المحاولة الفاشلة لتأبيد الهيمنة الأحادية الأميركية تحقيقاً لنزعة قومية أميركية صافية، أضرّت بتفوّق أميركا العالمي ونزعت صفة الشرعيّة عنها والمدافع الأول عن الديموقراطية وحقوق الانسان حول العالم، وأفقدها فرصة الافادة من لحظة الأحادية القطبية، التي لن تتكرّر أبداً.
سوف نسعى إلى تسليط الضوء على «النزعة القومية الأميركية»، التي لم يأت هاس على ذكرها بالرغم من أنها كانت المحرّك الأول لصعود الهيمنة الأحادية الأميركية، ثمّ في انحدارها الذي نشهده اليوم.
من اللافت نفي هاس صفة القطبية أو تعددية القوى عن أي نظام بديل من نظام الأحادية القطبية، وهو توجّه يعتبر جزءاً من النزعة القومية الأميركية نفسها، التي رفضت، بعيد انهيار الاتحاد السوفياتي، الاعتراف بحقّ باقي القوى مشاركة الولايات المتحدة قيادة النظام الدولي، كما هي ترفض بعناد اليوم، مشاركة باقي القوى في قيادة نظام عالمي آخذ بالتبلور.

القومية والإمبريالية

لقد كانت القوى المؤثرة والمهيمنة على القرار داخل ادارة بوش الابن، خاصة ما بين عامي 2001 و2003، أكثر جرأة في الكشف عن نزعتها الامبريالية ممّن سبقتها. ولكي تلقى تلك النزعة قبولاً لدى الشعب الأميركي، حاولت تغليف تلك الامبرالية بغلاف قومي أميركي مع تبنيها عدداً من الاجرءات الأحادية التي لم يكن لها أي مبرر.
إلا أنّ تلك النزعة القومية لم تكن مصطنعة أو مجرّد غلاف لتحقيق غايات أخرى. لقد كان الرئيس بوش بالفعل قومياً أميركياً، وكانت تحرّك مشاعر كبار موظفي ادارته مشاعر قومية صافية، حيث كانوا يزدرون تماماً أي نظام دولي يحمل في طياته تشكيكاً أو إعاقة لتحقيق المصالح القومية الأميركية العليا.
إنّ تلك «القومية الفجة»، كما يصفها أناتول ليفن، والتي اعتمدتها ادارة بوش الابن، كانت واضحة منذ تسلّم تلك الأخيرة السلطة مطلع عام 2001. وقد كان لسلسلة الإجراءات الأحادية المتّخذة، أن ابتعدت قوى ودول كثيرة عن أميركا، لا بل إنها خلقت جوّاً عدائياً ضدّها في أوروبا، وقد تجلّى ذلك بوضوح من خلال رفض الحرب على العراق.
كما أن الدافع وراء رفض تلك الادارة للمعاهدات الدولية المتعلّقة بالمراقبة على الأسلحة، كان رغبة صقور الادارة في الحفاظ على الحريّة المطلقة للتصرّف أحادياً حين يقتضي الأمر ذلك، في إطار الحملة أو الحرب الأميركية على «الإرهاب».
إنّ خير من عبّر عن تلك النزعة القومية، كان جون بولتون، صقر الادارة الأميركية وممثّل واشنطن السابق في الأمم المتحدة (وهو الذي عبّر عن احتقاره لهذه المنظمة)، الذي وصف الاجراءات الأحادية الأميركية بأنها «نزعة أميركية صافية» (Pure Americanism)، وفي هذا الموقف تجاوز، لا بل تجاهل صريح لمصالح القوى الحليفة لأميركا، وعلى رأسها أوروبا التي رأت في سلوكيات ادارة بوش الأحادية تهوّراً وإضراراً بمصالحها. والدليل على ذلك هو تصريح غالبية المواطنين البريطانيين في استفتاء للرأي جرى عام 2004، عبّر فيه هؤلاء المستفتون عن أن الولايات المتحدة لا تعير أي اهتمام لمصالح بلادهم عند اتخاذها قرارات أحادية خاصة بالسياسة الخارجية الأميركية.
أمّا القرار الأبرز الذي كشف ازدراء الولايات المتحدة التام بالمجتمع الدولي وبحلفاء واشنطن الأوروبيين ما ألحق ضرراً بالغاً بهيبتها، فقد تمثّل بالرفض المطلق لبروتوكول كيوتو حول انبعاث الغازات ورفض ايجاد بديل منه ما أظهر إهمال واشنطن للتهديدات البيئية المحدقة، التي بدأنا نشهد أولى نتائجها الكارثية، مع موجة الجفاف التي ضربت مناطق كثيرة من العالم (وأهمها أوستراليا)، ما ألحق ضرراً بالغاً بإنتاج الغذاء العالمي وسبّب أزمة غذاء عالمية تهدّد أكثر من مئة مليون إنسان بالمجاعة، بحسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة. وأبرز دليل على احتقار الأميركيين لقضية البيئة، استخدامهم المفرط (وبالتحديد الطبقة الوسطى منهم) للسيارات ذات الاستهلاك المرتفع للوقود.

تركيز القوّة بيد أميركا وحدها

إنّ خطورة العقيدة التي اعتمدتها ادارة بوش، تكمن في أنها عملت على اخضاع باقي الدول عبر تجاوز سيادة تلك الأخيرة، وبالمقابل اعتبار السيادة الأميركية مطلقة (عقيدة بوشBush Doctrine)، ومنع أي دولة أخرى من امتلاك منطقة نفوذ حتى في الدول التي تحيط بها، وهو ما رأيناه جلياً في تعامل واشنطن مع موسكو ومحاولة خنق روسيا عبر توسيع الحلف الأطلسي وتطويق روسيا بالدرع الصاروخية بحجّة حماية أوروبا من تهديدات الصواريخ الايرانية الطويلة المدى. وليست عقيدة بوش سوى محاولة نشر صيغة معينة لعقيدة مونرو (التي كان قد وضعها الرئيس روزفلت) ولكن بشكل أكثر عنفاً وتدخلاً في كل أرجاء العالم. ومن بين تطبيقات عقيدة بوش، احتلال العراق والنتائج الكارثية التي نتجت عنه.
إنّ النقطة الأهم المتعلّقة بموضوعنا، هي الدور المركزي والمعيق الذي لعبته «القومية الأميركية» في منع الولايات المتحدة من الاستفادة من «اللحظة التاريخية» الفريدة في العالم التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفياتي. وبدل الاستفادة من تلك اللحظة الفريدة (التي قد لا تتكرّر أبداً) لإيجاد «تناغم القوة» بهدف: 1- دعم النمو الرأسمالي المنظّم والحفاظ على الاستقرار العالمي؛ 2- التخلّص من الفقر والمشكلات والتوترات الاجتماعية الناتجة عنها. بالمقابل، ساهمت القومية الأميركية في ايجاد أعداء جدد لواشنطن وفاقمت من حدّة التوتّر الدولي وانتشار النزاعات والحروب.
لقد شجّعت هذه القومية المنتمين اليها على رعاية كراهيات قومية معينة، وعلى العداء لكل ما هو مثالي من أهداف وقوانين ومؤسسات دولية تهدف الى تجاوز الدولة ـــــ الأمة خدمة لمصالح البشرية جمعاء. من هنا نفهم عداء جون بولتون (وغيره من صقور الادارة السابقين)، لهيئة الأمم المتحدة وقراراتها، التي تحدّ من جموح أميركا الأحادي عالمياً.
إنّ هذا النوع من القومية هو مع تعارض مباشر مع الأفكار المثالية الكونية، مثالية يرتكز عليها دور أميركا بوصفها «امبراطورية حضارية عظمى» (بحسب منظّري المؤسسة الحاكمة الأميركية)، ووريثة الامبراطوريتين الرومانية والصينية (بحسب زبيغنيو بريجنسكي). وعلى هذا الأساس تُطالب أميركا بتقديم المثال الايجابي للعالم. إنّ هذه المثاليات تمثّل لبّ ما سمّاه الباحث الأميركي المعروف جوزف ناي، «القوّة الناعمة» في صيغتها الأميركية الخاصة، وهذه القوّة الناعمة في تعارض واضح مع القوة الخشنة التي انتقد ناي الإفراط في استخدامها ما أفقد الولايات المتحدة الجاذبية التي كانت تتمتّع بها في كل أرجاء العالم.
إنّ الشوفينية الأميركية والطموحات الامبريالية الأميركية غير المحدودة، هي التي تعرّض للخطر اليوم «أمن واستقرار النظام الرأسمالي العالمي»، وهو النظام الذي ساهمت أميركا مساهمة كبرى في بنائه وأخذت على عاتقها، بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حراسته. كما أنّ الولايات المتحدة تعد المستفيد الأكبر من هذا النظام الرأسمالي الذي تديره وتشرف عليه مؤسسات مالية دولية خاضعة، بشكل أو بآخر، للنفوذ الأميركي المباشر. وهكذا يكون صقور إدارة بوش قد أذنبوا، برأي ليفن، بحق «السلام الرأسمالي».

القوميّة قاعدة الهيمنة

بدل الإفراط في اعتماد القوة، هناك صيغة معتدلة نسبياً من الهيمنة الأميركية يمكن القبول بها لدى باقي شعوب العالم، المتناحرة في الغالب مع جيرانها الذين تخشاهم أكثر من خشيتها من أميركا، ومع ازدياد اندماج نخب تلك الدول بالنخب الرأسمالية العالمية ذات القيم الأميركية. ولكن السؤال المطروح في هذا الاطار هو: هل من سبيل أمام الولايات المتحدة للحفاظ على هيمنتها العالمية بغير استخدام القوة المفرطة؟ خاصة إذا علمنا أن القوة الامبريالية الأميركية هي في خدمة النزعة القومية الأميركية الضيقة، ما يشكّل قاعدة غير مستقرّة مطلقاً للهيمنة. وهو أمر لم يأت على ذكره هاس في محاولته تحويل الأنظار عن النزعة القومية الأميركية باتجاه تبرير زوال القطبية الأحادية الأميركية بصعود قوى أخرى وتوزّع القوى بين مجموعات كثيرة، نافياً صفة القطبية (وبالتالي تعدّد القوى)، عن أي قوة غير القوة الأميركية، وهي نزعة قومية أخرى بطبيعة الحال، وتعبير عن المركزيّة الأميركية، خاصة في مرحلة الانحدار التي تعيشها الولايات المتحدة الأميركية اليوم.
تهدّد النزعة القومية الأميركية القيم الأميركية العليا نفسها، وقد أفشلت تلك القومية مشروع المحافظين الجدد لتحويل القوة العظمى الأميركية الى امبراطورية عالمية، وأدّت الى تحويل اعجاب العالم بأميركا، الى نفور واشمئزاز ورفض لآليات الهيمنة الأميركية الخشنة بدل اللينة.

أين المشروع البديل؟

عادة ما تتغذّى القومية من الكراهية غير العقلانية، ومن خلال تصوير الأمم الأخرى أو المجموعات الدينية ـــــ العرقية، على أنها مصدر للشرّ ومعادية بالفطرة ومن غير الممكن اصلاحها. لقد وجّه القوميّون الأميركيون خلال الحرب الباردة كراهيتهم تجاه سكان روسيا والشعوب التي تدور في فلك الاتحاد السوفياتي السابق. اليوم مشاعر العداء والكراهية تنصبّ عامة تجاه سكّان الجنوب النامي أو الفقير، وخاصة تجاه المجتمعات العربية والمسلمة. وقد تجلّت النزعة القومية الشوفينية بوضوح تجاه الشعوب المفترضة حليفة للولايات المتحدة، أي المجتمعات الأوروبية (وبالتحديد الفرنسية والألمانية منها) التي قالت «لا» للحرب على العراق. باختصار، إن النزعة الشوفينية الأميركية تعادي كل من يقف في وجه النزعة الأحادية الأميركية التي لا تهدف سوى للحفاظ على رفاهية الشعب الأميركي، وإن تطلّب ذلك شنّ الحملات العسكرية الخارجية المكلفة.
هل العالم يتجه نحو «عصر اللاقطبية»، كما تنبّأ بذلك ريتشارد هاس، أم يتّجه نحو مزيد من تراجع المشروع الرأسمالي، بقيادة واشنطن؟ الا أنّ السؤال الأهم والمطروح بقوّة اليوم هو: هل هناك مشروع بديل يقوم على توازن في القوى وضبط للجموح القومي الأميركي ولآليات عمل الأسواق المالية مع تقهقر موقع أميركا الاقتصادي وتراجع جاذبيتها الثقافية بعدما تبيّن أن القيم الكونية الأميركية ليست سوى غطاء لـ«شرعنة» مشروع الهيمنة الأحادية الأميركية، وهو مشروع فشل قبل أن يبدأ. لذلك هناك ضرورة ملحّة اليوم أمام الأمم والشعوب الأخرى لالتقاط الفرصة التاريخية المتمثّلة بـ«لحظة فشل القطبية الأحادية الأميركية» لبلورة مشروع بديل أكثر إنسانية.

* باحث لبناني