ناهض حتر *

كانت جلستا البرلمان الأردني يوم 8 أيار / مايو، أشبه بالصدمة. فالنواب الذين فاز معظمهم بالتزوير أو التدخل الأمني المباشر تحوّلوا فجأةً إلى ناطقين باسم الغضب الشعبي على أكبر عملية نهب يشهدها الأردن في تاريخه. حجم الغضب في الشارع هو من القوة بحيث لا يستطيع النواب تجاهله. لكن من الواضح أن جهاز الاستخبارات ربما يكون أذِن بهذه الهجمة النيابية على سياسات الليبرالية الجديدة، تلك التي كانت ذروتها اتهام نائب لرئيس الديوان الملكي ومهندس الصفقات الغامضة بأنه «كوهين آخر»، في إشارة إلى الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين الذي اخترق نخبة الحكم في سوريا، قبل أن يكشف أمره ويعدم في ستينيات القرن الماضي.
بخلاف هيكلية الحكم شبه الدستورية في عهد الملك حسين، التي كانت تعترف للحكومة بصلاحيات الولاية العامّة في الشؤون الداخلية ـ دون الخارجية ـ فإنّ الحكومات تحوّلت، في عهد الملك عبد الله الثاني، إلى هيئات موظّفين تنفّذ قرارات حكومة ظلّ غامضة وغير مسؤولة دستورياً، مؤلَّفة من عدد قليل من الليبراليّين الجدد المتنفّذين وصقور رجال الأعمال، ممّن يتّخذون القرارات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ويقود هذه المجموعة باسم عوض الله وهو في الثانية والأربعين من العمر، ومن أصل فلسطيني ــ أميركي، قدم إلى الأردن مطلع التسعينيات، وعمل موظفاً بسيطاً في رئاسة الوزراء والديوان الملكي، ثم أصبح رغم الهجمات العنيفة التي تعرض لها من خارج النظام وداخله، أقوى رجل في عهد الملك عبد الله الثاني، ويحتلّ منصب رئيس الديوان الملكي، ويرافق الملك كظلّه.
ويسبّب صعود عوض الله ـ الذي لا يحظى بأيّ حيثية سياسية أو عشائرية أو اجتماعية في الأردن ـ تساؤلات عن مصدر قوته وثرائه حيث تقدر ممتلكاته وأعماله بمئتي مليون دولار.
وفيما تردّد دائماً أنّ الملك يستخدم عوض الله واجهة للسياسات غير الشعبية، فإن التساؤل المطروح هو: لماذا لا يستطيع الملك استبداله بشخص آخر يؤدي المهمات نفسها، كما كان الأمر دائماً في سياسة النظام التي تستخدم ثم تحرق المستَخدَمين؟
مطلع العام الجاري، قرّر الحزب الليبرالي الحاكم تحرير أسعار المشتقّات النفطية والسلع والخدمات. وعانت البلاد للتوّ انفجاراً غير مسبوق في ارتفاع الأسعار. ورافقت هذا القرار، حسب الوصفة المعتادة، زيادة أجور الموظفين الحكوميين والعسكريين بنسب لا تزيد على 25 في المئة، بينما تدلّ الدراسات حول كلفة سلّة العيش على أنّ الزيادة اللازمة للحفاظ على مستوى المعيشة السابق ينبغي ألا تقلّ عن 200 في المئة.
ومع ذلك، استوعب المجتمع الأردني الصدمة المعيشية. ويعود ذلك إلى مخاوف النخب والأوساط الشعبية من تحوّل الاحتجاج الاجتماعي العنيف إلى مدخل لتغيير سياسي يطيح الكيان الأردني ويفتح باب الفوضى الأمنية.
إلا أنّ الحزب الحاكم في الديوان الملكي أساء تقدير الموقف، ورأى أنه يستطيع، بعد تمرير قرارات تحرير الأسعار بسلام، أن يصعّد سياساته في خصخصة شاملة للمرافق والممتلكات الحكومية، في صفقات غامضة وسرية، سرعان ما انكشفت لتخلق جواً سياسياً متوتراً.
فقد صُدم الأردنيون المتضورون من الفقر، بأنّ الحزب الليبرالي الحاكم يتّجه إلى تنفيذ مشروعات «استثمارية» مع رأسماليّين أجانب، لا تدخل في باب الأولويات.
كما أنّ الشائعات ـ التي تبين أن معظمها صحيحة ـ عن بيع ممتلكات ومرافق عامة طرحت تساؤلات عن مستقبل الكيان الأردني، وعمّا إذا كان البيع يمثل القرارات الأخيرة للنظام قبل التسليم بالمشروع الأميركي ـ الإسرائيلي الخاص بالأردن، أي مشروع الوطن البديل. إذ يبدو الأمر لدى الشارع كما لو أنه عملية «تكييش» للموجودات العامة قبل الرحيل.
ويختصر نصّ كاريكاتوري منتشر بعنوان «بلد للبيع» الموقف كله بسخرية مرة، فيقول: «بلد في حوض المتوسط مقابل نهر الأردن للبيع. محافظات على شارعين. عاصمة ماستر سوبر ديلوكس تحت التشطيب. حمامات ماعين (المعدنية الشهيرة) 4 طوابق مستورة. بلوط فاخر. تسوية سلمية وثغر باسم مع شعب طيب بحالة متوسّطة. البيع فقط من خلال الوسطاء».
بدا الأمر أولاً شائعة مغرضة أو نكتة ثقيلة الظلّ: مجمع للدوائر الحكومية في غرب عمّان بألف وخمسمئة مليون دولار، بالتعاون مع المستثمر اللبناني نجيب ميقاتي. ثم يوضح أمين العاصمة أن إنشاء المجمع سيكون على نظام «بوت»، وهو أسوأ من الاقتراض، ذلك أن «المستثمر» سوف يحصل أثناء فترة العقد الطويلة على كلفة الإنشاءات، زائداً كلفة التمويل (الفوائد)، زائداً الأرباح. ولا يواجه «المستثمر» أيّ مغامرة على الإطلاق؛ فالزبون مضمون ـ الحكومة الأردنية ـ وهي ملزمة باستئجار كامل الأبنية المنشأة وتسديد الإيجارات.
لقد نبّه هذا المشروع إلى اللعبة الليبرالية الآتية، وهي الالتفاف على قانون الدين العام وعلى الرقابة النيابية والمعارضة والصحافة، عن طريق نظام البوت.
إنّه أمر لا يُصدّق أن يفكّر مسؤول أردني في إنشاء مجمع للدوائر يرتّب على الخزينة التزامات تتجاوز المليار ونصف مليار دولار، في بلد يتضور أبناؤه جوعاً، ويئنّ ثلثهم تحت وطأة الفقر والبطالة، ويواجه اقتصاده أزمة الارتفاع المستمر في أسعار الطاقة والمواد الغذائية، ومأزق الشحّ في موارد المياه.
لا ضرورة ملحّة لإنشاء مجمع دوائر ووزارات في عمان. فللدوائر والوزارات مقارّ تراوح بين كونها جيدة جداً وممتازة. وهي موزَّعة بصورة معقولة على أنحاء العاصمة، ومعظمها مملوك من الخزينة. وقد دفع المشروع الجديد بمواطنين للتساؤل عما إذا كنا إزاء «منطقة خضراء» في عمان كالتي يستخدمها المحتلّ الأميركي وحكومته في بغداد. بمعنى أنّ التجميع هدفه سياسي وأمني يتمحور حول تأمين مقارّ لحكومة منفصلة عن شعبها ومجتمعها.
فجأةً، جرى الإعلان عن بيع ميناء العقبة إلى مستثمر أجنبي كعقار بحري لا كميناء. وتمّ تحويل مبلغ إلى الخزينة لا يساوي 20 في المئة من قيمة الأملاك البحرية. وسوف يتم تحويل الميناء، بعد نسف موجوداته التي تكلفت استثمارات عامة ضخمة، إلى منتجع سياحي، بينما سيحال مشروع إقامة الميناء الجديد في الشاطئ الجنوبي إلى مستثمر، حسب نظام بوت، يشغله لحسابه عدداً من السنوات تكفل له استرداد كلفة البناء والفوائد والأرباح، ممّا سيحرم الخزينة عوائده، ويرتّب عليها أعباء المساهمة في دعم هذا «الاستثمار».
ووسط ذلك، يبقى السؤال عن مصير القسم الأساسي من أموال البيع، وهو سؤال مشروع بالنظر إلى الغموض الذي اكتنف بيع وسط عمان إلى آل الحريري، ومنح رخصة الخلوي الثالثة إلى «المستثمر» اللبناني مايكل داغر، بمبلغ خمسة ملايين دينار تمكّن من بيعها بعد سنة بخمسمئة ضعف!
الليبرالية الجديدة لا تهتم بالمشاعر، الفردية أو الجماعية، وهي ترى فيها شأناً بلا قيمة بما أنه لا يمكن ترجمته إلى «كاش». لكن المشاعر الوطنية هي جزء من الرأسمال الرمزي الوطني، تظهر ضرورتها في الأزمات المفصلية التي تتطلب تضحيات غير مأجورة. وتلك التضحيات يبذلها المواطنون دائماً بدفع من مشاعرهم الوطنية.
ولعلّ هذه النقطة هي الأكثر إثارة في بيوعات قائمة أو محتملة لمرافق عامّة لها طابع رمزي عند الأردنيّين، مثل المدينة الطبية والرياضية والجامعة الأردنية والقيادة العامة للقوات المسلحة. وهناك مصادر تقول إنّ بيع مقر القيادة تلك ربما تمّ أو يتمّ لجهة أمنية أو عسكرية أميركية، لأنّ المقر المجهز تجهيزاً حديثاً بمنظومة ملاجئ وغرف قيادة محصّنة واستحكامات ومطارات سمتية وشبكة اتصالات فائقة، لا يمكن استخدامه لأغراض مدنية. ومن المفروغ منه أنّ المرافق ذات البعد الرمزي لا تباع عادة، حتى في الدول الرأسمالية العريقة.
السبب الثاني لاشتعال المشاعر الشعبية إزاء البيوعات هو انتقال ملكية عقارات وطنية إلى أجانب. فالاستثمارات العقارية الأجنبية في بلد هو منبت الرأسمالية كبريطانيا، تقوم على أسلوب التأجير طويل المدى لا التمليك الذي يمس شعورياً، وأحياناً سياسياً، بالسيادة.
والبيوعات والتسعير، ثالثاً، لا يتمّان وفقاً لآليات شفافة، وعلى أساس الإجراءات المعتادة العلنية، بل في صفقات مغلقة يعرف عنها المواطنون من الشائعات التي سرعان ما يظهر بأنها حقائق. وهناك، رابعاً، تجاهل وتهميش للرأسمال التقليدي المحلي في عمليات البيع والمشاريع الكبرى، ممّا يثير القلق والتوتر لدى هذه الفئة، ويدفعها إلى المشاركة في الغضب الشعبي، وإلى الاستثمار خارج البلاد، فيعرقل نمو رأسمالية وطنية حديثة ودينامية.
وأغلب الصفقات، خامساً، لا تجريها هيئة مخوّلة قانونياً، تسير وفق صلاحيات وإجراءات محدَّدة ومعروفة، ويمكن بالتالي محاسبتها على التقصير أو التفريط نيابياً أو قانونياً. وهناك، سادساً وهو الأهم، تضارب في المعلومات حول استخدام الأموال الناتجة من البيوعات، وإلى أين تذهب، ومَن يستفيد من الفروق بين أسعار البيع البخسة والأسعار الحقيقية.
وإذا ما كان القصد، كما في التصريحات الحكومية الخجولة وغير الواثقة، هو استخدام حصيلة البيوعات في إغلاق المديونية العامة وتحرير الموازنة من تكاليفها الباهظة، فما الذي يمنع رئيس الوزراء من إعلان هذه الخطة بوضوح وبالتفصيل وبالمدى الزمني المقرّر.
لقد ظهر بوضوح أن رئيس الوزراء، صاحب الولاية العامة الدستورية، لا يستطيع ذلك. فمعلوماته عن البيوعات والاستثمارات الأجنبية لا تزيد عن معلومات الصحافة. والمطلوب منه، في النهاية، هو توقيع صفقات تتم خارج الحكومة، من دون أن يرى أو يسمع أو يتكلم. ولذلك، دعاه العديد من النواب إلى الاستقالة، فلا يتحمّل وزر أكبر عملية نهب للبلد، لا يعلم عنها شيئاً.
* كاتب وصحافي أردني