strong>سلامة كيلة *

قرأت متأخّراً مقالة برهان غليون عن «الليبرالية وتجديد ثقافة العرب السياسية». وربما كان عنوانها العام هو الذي جعلني أؤجل قراءتها، لكن تبين لي أنها تدخل في إطار السجال السوري المتعلق بنتائج اجتماع المجلس الوطني لـ«إعلان دمشق». يبدي د. برهان «امتعاضاً» من التفسير الخاطئ لمقالته عن مستقبل المعارضة في سوريا، الذي كتبه بعيد ذاك الاجتماع، والذي رأى فيه أن التيار الليبرالي هو الذي بات يسيطر بعد إزاحة كل من حزب الاتحاد الاشتراكي وحزب العمل الشيوعي. ويقوم «امتعاضه» على أن بعض ممثلي اليسار وجد «في هذا الاستخدام تهمة أو ما يشبه التهمة باليمينية»، وهو الأمر الذي دفعه لإعادة تحديد معنى الليبرالية.
وما من شكّ في أن المفاهيم التي تُستخدَم بتواتر هي في الغالب خالية من المعنى، لأنّ كلاً يستخدمها وفق «معنى ذاتي». الأمر الذي يفرض التأسيس انطلاقاً من تحديد المعنى. ولقد قام د. برهان بجهد في هذا المجال منذ مدة مثلاً، لكن بدا لي هنا أنه يشوش على ذاك الجهد القيّم. حيث أعاد الخلط بين الديموقراطية والليبرالية بعد أن كان أكد على ضرورة الفصل. ورغم أنه يشير إلى الفصل في هذه المقالة، إلا أنه، وهو يفعل ذلك، يحقّق الخلط، وبالتالي التشوش. فهل يمكن أن نسمي الديموقراطية ليبرالية؟ ونسمّي منطق السوق ليبرالية، في آن؟ وبالتالي أن نتحدث عن تيار ليبرالي دون أن نقصد تلاقي المستويين.
تماهي الليبراليّة والديموقراطيّة
بداية، يمكن أن أشير إلى أن ما لفت في مقالة د. برهان التي تناولت «إعلان دمشق» هو أنها أكدت على سيطرة التيار الليبرالي على الإعلان، قبل أن نبحث في طبيعة هذا التيار. بمعنى أنّه أكد على أن «إعلان دمشق» لم يعد تحالفاً يضمّ التيارات المختلفة في إطار المعارضة السورية، بل بات يمثل تياراً محدداً في المعارضة. ولهذا التحديد أهمية سياسية. ثم إنّ تحديد د. برهان في هذه المقالة (التي هي مستقبل المعارضة في سوريا) يرتبط بما كتبه سابقاً عن الليبرالية، حيث كان أكد على ضرورة الفصل بين الليبرالية والديموقراطية، وحدّد موقفاً «سلبياً» من الليبرالية لمصلحة الديموقراطية، وأشار إلى رفض الليبرالية كونها تعبّر تحديداً عن «منطق السوق». وبالتالي مؤكّداً أن «الليبرالية السياسية» هي الديموقراطية. ولقد افتتح نقاشاً غنياً حينها، كانت «النخبة» المعارضة في تناقض معه، لأنها ترى أن لا فكاك من الربط بين الليبرالية (بمعناها الاقتصادي) والديموقراطية، بل إنّهما واحد.
وهذه «النخبة» هي التي مثّلت قوام المجلس الوطني لـ«إعلان دمشق»، وهي التي أسقطت التيارات الأخرى. وكان طبيعياً أن تفعل ذلك لأنها تعتقد أن رؤيتها هي «مطلقة الصحة»، وإن وجود الآخرين هو الذي يشوش على تحقيقها لأهدافها. وبالتالي فقد كان تحديده لسيطرة التيار الليبرالي مترابطاً مع كل ذلك، بغض النظر عن أحكام القيمة التي يمكن أن توصّف الليبرالية بالإيجاب أو بالسلب. حيث هنا يجب أن تناقش السياسات التي يطرحها هذا التيار.
ضمن ذلك فُهم تحديد د. برهان لما جرى في اجتماع المجلس الوطني لـ«إعلان دمشق»، حيث لم يكن الهدف هو القول إنّ المنتصرين سيئون أو جيدون، بل كان الهدف هو التحديد، تحديد الطابع الذي يجمع هؤلاء، أي الليبرالية. هل مصطلح الليبرالية مشوش؟ ويستخدم لأغراض إيديولوجية؟
كان د. برهان قد تجاوز التعميم الذي يتضمنه التعبير ،أي حينما كانت الليبرالية «فلسفة». وحدّد تموضعها كما باتت في الواقع، حيث أشار إلى أنها باتت تعني «منطق السوق». وأنها تحدّدت كمصطلح يعبر عن سياسات اقتصادية. بينما باتت الليبرالية السياسية هي الديموقراطية. لهذا طالب بالفصل بين هذه وتلك، وتبنّى الديموقراطية ضدّ الليبرالية كما كان يشير المرحوم الياس مرقص.
في هذه المقالة (الليبرالية وتجديد ثقافة العرب السياسية) يتناول مصطلح الليبرالية من أجل تحديد المعنى الذي قصده في مقاله السابق. ورغم أنه ينهي هذا المقال بالعودة للتأكيد على ضرورة الفصل بين الليبرالية والديموقراطية. فقد عمد إلى استخدام تعبير الليبرالية في الحالين (أي حال الديموقراطية وحال الليبرالية ذاتها)، وهو ما أضفى غموضاً عميقاً على ما يريد قوله. وبدا كأنه خاضع تحت عبء خلافات المعارضة. وأنه يغطّي على طرف، أكثر من كونه يؤصّل المصطلح كما أشار. لهذا بدا المصطلح مشوشاً من جديد، وبدا كأنه يبرّر سياسات تبلورت في «إعلان دمشق». وهنا يقع في المحظور الذي أشار إليه. أي في «اختيار هذه الدلالة أو تلك للمفهوم، وتفسيره حسب ما يخدم مصالحه الإيديولوجية أو السياسية».
فلا شك في أن للمصطلح تعددية دلالية طبيعية من حيث هو «تركيب تراكمي»، ولكن هذا التركيب التراكمي يوصل إلى تحديد معنى يصبح هو المعنى «المتعارف عليه»، هو «المعنى». وتصبح كل التحديدات السابقة جزءاً من تاريخه. بمعنى أنها لا تعود منافسة للتحديد الجديد، بل تكون إرثه.
طبعاً هذا لا يعني ألا يعود فرد إلى استخدام المصطلح بمعناه الأقدم، حيث يمكن أن يتمسك بالمعنى الأوّل لليبرالية كونها فلسفة، لكن ذلك سوف يبدو «خارج المألوف»، وشاذاً عن التوضعات الواقعية له. لكن المصطلح تحدّد (أو تموضع) ولم يعد يحتمل العمومية التي كان عليها في البدء، إلا كموقف شخصي، أي ليس كمشروع سياسي، حيث ليس من الممكن أن يصبح كذلك إلا عبر التحديد في المجال الاقتصادي (أي الحرية الاقتصادية) والسياسي (أي الديموقراطية).
الليبراليّة تخلع رداء الفلسفة
وبهذا، فإنّ الليبرالية لم تعد فلسفة إلا كلحظة أولى، كمنطلق، يقوم على أساسه التصور في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. هنا لا تعود المسألة هي مسألة «تعددية دلالية». بل تصبح مسألة تحدّد، تعيّن. وبالتالي فقد تحدّت «الفلسفة الليبرالية» كونها تعني الحرية الاقتصادية، ومنطق السوق. والديموقراطية التي هي الشكل السياسي الذي يضمن تحرير الإنسان وانعتاقه. بمعنى أن هذه «الفلسفة الليبرالية» غدت محدّدة في مشروع اقتصادي يقوم على الحرية وحقّ التملك. وآخر سياسي يقوم على الحريات الفردية والسياسية. وهما مشروعان توحّدا مع البرجوازية منذ أقل من قرن، بينما كانت هذه الأخيرة تعمم الحرية الاقتصادية في ظل نظم دكتاتورية (بونابرتية). وبالتالي فقد توافقا في لحظة محدّدة نتيجة الظروف الاقتصادية ـــ الاجتماعية والعالمية. ولقد توحّدا في المراكز الرأسمالية وليس في كل مكان تسيطر فيه البرجوازية.
لهذا كان تأكيد د. برهان في مقالاته السابقة على الفصل مهماً وعميقاً، لأنه لا يجوز التخلي عن النضال من أجل الحريات الفردية والسياسية. لكن يجب التوقف ملياً إزاء السياسة الاقتصادية الليبرالية. حيث يجب أن تتبلور إجابة واضحة عن مدى قدرتها على تطوير مجتمعاتنا، عبر تأسيس قوى منتجة وامتصاص البطالة، وتحقيق التراكم في سياق تحقيق الحرية الشاملة.
ولقد أدخل د. برهان تصوّر ماركس في سياق نقاشه، لكن بطريقة مربكة. فماركس واجه التناقض بين الحرية الاقتصادية التي تفضي إلى اللامساواة، وبالتالي نشوء الفروق الطبقية، وبين الحرية السياسية. حيث انطلق من أن وجود الملكية الخاصة هو الذي يكبح تملك «ملكوت الحرية». لهذا توصل إلى أن المساواة لا تتحقق إلا عبر إلغاء الملكية الخاصة. لهذا كان في تضاد مع الليبرالية التي باتت المعبّر عن الميل لتحقيق الحرية الاقتصادية (اقتصاد السوق)، وليس «بالدمج الافتراضي بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية، أي إلا باعتبار الديموقراطية التعبير السياسي عن الرأسمالية والاعتقاد بأن حرية السوق وحرية الفرد السياسية أمران مترابطان ومتماهيان تماماً».
ماركس اكتشف ـــ كما يشير برهان ـــ أن الموقفين (الحرية الاقتصادية والحرية السياسية) «لا يتفقان، فكلاهما ينفي الآخر». وهو الأمر الذي جعله يربط الديموقراطية بالاشتراكية في مشروعه الأساسي. حيث «لم يكن لمشروعه الشيوعي غاية أخرى سوى التحقق الفعلي لقيم الليبرالية وغاياتها» كما يقول غليون، لكنه هنا يستبدل كلمة الحرية التي كان يحدّدها ماركس بكلمة الليبرالية، ما يجعل المعنى مختلفاً. فقد جاءت الماركسية من داخل فكر التنوير، ومن أجل تحققها الفعلي، أي «قيم الحرية والانعتاق الكامل للفرد من الاستلابات المادية والإيديولوجية المتمثلة ـــ في نظر ماركس ـــ في سيطرة الملكية الخاصة والاستغلال الطبقي والوعي الزائف». وبذلك كان مفجر ذاك الفكر «بقدر ما دفع طروحاته النسبية إلى حدودها القصوى» كما يشير د. برهان.
وسنلمس أن التشوش هنا، كما في مواضيع متعددة، نابع من أن د. برهان يستخدم تعبير الليبرالية كمساوٍ لما كان يسمى «الفلسفة الليبرالية». التي كانت ترتبط بمفهوم الحرية بمعناه العام. فإذا كانت الليبرالية في المستوى الاقتصادي قامت على الحق المطلق بالتملك، وبصفته جزءاً من الحرية الفردية، فقد توصل ماركس إلى أن حق التملك يفضي بالضرورة إلى نزع حقوق آخرين واستلاب حريتهم. وبهذا فقد رفض هذا الحق. كما أنه توصل إلى أن حرية السوق التي هي أساس الليبرالية الاقتصادية تفضي إلى نزع الحرية أيضاً، عبر نشوء الاحتكار. لهذا تمسّك بالحرية معمّقاً إياها إلى المستوى الاقتصادي من خلال إلغاء الملكية الخاصة. وهو هنا كان يبلور مشروعاً للحرية قائماً على نزع الملكية، وبالتالي نزع الليبرالية.
ثم إن هذا الإبدال بين الليبرالية والحرية قاد إلى التمييز بين الليبرالية والليبراليين، «فالليبرالية غير الليبراليين». هنا بمعنى قيم الحرية نعم، لكن بمعنى قيم الليبرالية فلا. فإذا كانت «الفلسفة الليبرالية» تعني الحرية بمعناها العام: الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، فإن هذه ـــ بهذا المعنى العام ـــ تبقى «فوق» الواقع، وبالتالي فإنّ ما يناقش هو تحديداتها، تموضعها، في علاقتها بالواقع. وهو الأمر الذي جعلنا في حوار مع ما هو واقعي: أي الأفراد والطبقات والسياسات. وهذا يشمل الممارسة التاريخية لكل التيارات. بمعنى أن عمومية الفكرة لا تعني شيئاً، إلا ربما كدلالة.
وإذا كنّا قد أشرنا إلى تحدّد الليبرالية في اقتصاد السوق، فقد قام تحليل ماركس كلّه على بيان حدوده ومشكلاته، وهدره للحرية، لهذا قدّم مشروعاً بديلاً للحرية يقوم على أنقاض الليبرالية، لكنه يتضمن كل ما تضمنته «الفلسفة الليبرالية» (فلسفة عصر التنوير) من قيم الحرية. وبالتالي فهو تحديد للحرية في إطار مشروع مختلف عن ومناقض للمشروع الليبرالي. إنّ العام لا يكون إلا في الخاص، هذه بديهية، لهذا فإن قيم الحرية بمعناها العام لن تكون سوى موقف أخلاقي، الأمر الذي يحدونا إلى دراسة الممارسة التاريخية، وتموضع الأفكار فيها. فالفكرة القومية يمكن أن تكون صحيحة في ظرف محدّد بالرغم من ممارسة «القوميين». كما يمكن أن تكون خاطئة في ظرف آخر. والفكرة الاشتراكية أيضاً...
أيّة حريّة؟
في هذا الإطار، سيبدو واضحاً خطل التمييز بين «الفكرة الأصلية وتطبيقاتها»، حيث إن الفكرة الأصلية لم تعدُ أن تكون موقفاً أخلاقياً عاماً. ولقد تحدّدت في مشروع ممارس. الأمر الذي يجعلنا في نقاش مع الممارسة التاريخية ذاتها. حيث يمكن أن نتوافق على ضرورة الحرية، لكن أية حرية؟ الحرية المتمثّلة في نظام اقتصادي ليبرالي وسياسي ديموقراطي، هذه التي تحمل تناقضها في ذاتها؟ هنا نحن نتجاوز الليبرالية كفلسفة، حيث إن منطق الفلسفة قد جرى تجاوزه لمصلحة ما هو اقتصادي وسياسي واجتماعي، وظلت كفكرة مجردة، وعامة، لا يسعنا إلا أن نتمثلها. بمعنى «استيعاب قيمها ومفاهيمها ونقدها معاً» في إطار بنية فكرية نبلورها، وهو ما فعله ماركس، ودعا إليه عبد الله العروي كضرورة ماركسية، من دون المرور بالمرحلة الليبرالية، أي من دون المرور بالرأسمالية. وبالتالي لتتمظهر الحرية في مشروع مناقض للمشروع الليبرالي، متضمنة كل قيم الديموقراطية في المستوى السياسي.
ولا شك في أن تضمن قيم الديموقراطية يفرض السؤال عن المشروع الاقتصادي، هل هو ليبرالي أم شيء آخر؟ وهو ما يجعلنا في تماس مع، ليس «الفكرة الأصلية» بل تمظهرها الواقعي. وهنا لا يكفي القول إنه «ليس لليبرالية كفلسفة مدنية وسياسية علاقة ضرورية مع اقتصاد السوق»، لأنّ ليس من «فلسفة» من دون مشروع اقتصادي، وإلا ظلت فكرة مجردة، لا مشروعاً للنضال السياسي. حيث ليس من الممكن تأسيس نظام ديموقراطي من دون أن يكون مؤسساً على مشروع اقتصادي.
وحين يغيب هذا المشروع يطغى ما هو قائم، وبالتالي تعود الديموقراطية للارتباط باقتصاد السوق. لهذا فإن الفصل بين الليبرالية (بمعناها الاقتصادي) والديموقراطية يفرض إعادة تأسيس الديموقراطية في إطار مشروع اقتصادي آخر.
وإنّ التأكيد على «أن الليبرالية من حيث هي فلسفة أخلاقية وسياسية لم تفقد مكانتها كمصدر للقيم الرئيسية التي تحرّك مجتمعانا وتوجه ثقافة عصرنا»، يبقى ملتبساً.
فهنا تجري الإشارة إلى قيم الحرية والانعتاق بمعناها العام، وليس في تحدّدها. وهي في هذا الإطار صحيحة، حيث يجب العودة المتكررة إلى قيم الحرية والانعتاق، ولكن من أجل صياغة مشروع واقعي، على ضوء نقد كل الميول المضادة للحرية.
وهنا لا تتحوّل الليبرالية كفلسفة أخلاقية وسياسية إلى مشروع واقعي، بل هي «نقطة انطلاق»، تذكُّر، بينما يجب أن تكون في روحية مشروع واقعي.
وفي هذه الوضعية يتوضح أكثر فأكثر التناقض بين هذه القيم والليبرالية ذاتها، لكونها مشروعاً اقتصادياً. لأنها تتبلور في «سياسات الرأسمالية المتوحشة». حيث إن «مصالح تراكم رأس المال» تفرض سحق الحرية حينما تبدو كمعيق لتحقيق الربح الأقصى. وهذا هو تعيّن الليبرالية في طبقة، والمؤسِّس لمشروعها. وبالتالي يبدو الاقتصادي هو الأساس، والسياسي (أي الديموقراطية) هو المكمل،أو الهامش، في هذه الليبرالية.
تشويه اليسار العربي
هل إنّ «الهجوم الدائم» لليسار العربي على الليبرالية لا يمسّ بسوء سياسات الرأسمالية المتوحشة التي تعرفها مجتمعاتنا، بل إنّها تستخدم بشكل رئيسي لقطع الطريق على روح التحرر والانعتاق الناشئة»؟ هذا تساؤل عن النتيجة التي يصل إليها د. برهان، وليس من غرابة في ذلك ما دام قد خلط الليبرالية التي باتت تتحدّد في اقتصاد السوق، بالديموقراطية، وتعامل مع الليبرالية بصفتها فلسفة تحرير وانعتاق، متجاهلاً أنها غدت ـــ ووفق تحديده هو ـــ تعني «منطق السوق». وبالتالي استخدم مصطلح الليبرالية في مكان غير مكانه، ليبدو أن «الهجوم الدائم» الذي يقوم به اليسار العربي (وبعض التيارات الإسلامية كما يشير) هو على روح التحرر والانعتاق، وليس على السياسات الاقتصادية التي يسميها المتوحشة، وهي كذلك بالفعل. وربما كان هذا التحديد لا يليق بالدكتور برهان لأنه يحمّل اليسار ما لم يقم به، ويشوه مواقفه، ليظهره كمقدم خدمة «للنظم التسلطية التي تريد أن تقتل هذه الروح (روح التحرر والانعتاق) في مهدها». رغم أن هذا اليسار هو الذي يبث روح التحرر والانعتاق في مواجهة كل القوى التي تفرض الاستسلام، وتنظر للتكيف مع الأمر الواقع (الأميركي الآن). ويشدّد على أنه ليس التجاوز السياسي لهذه النظم، بل التجاوز الطبقي أساساً، أي تجاوز هذه الرأسمالية المتوحّشة.
المشكلة في هذا المنطق هي أنه لم يجد ما يواجه به اليسار إلا هذه التهمة، وهو منطق متكرر من الكثير ممن يرون أنفسهم ليبراليين، وخصوصاً من كانوا يساريين سابقاً. بينما يكمن في ثنايا هذا المنطق ما يظهر ضعف النقد. حيث إن د. برهان مثلاً يقوم بعملية خلط بين الليبرالية والديموقراطية كما أشرت للتو، ليرى أن نقد اليسار لليبرالية يطال «روح التحرر» وليس، بالتالي، السياسات الاقتصادية المتوحشة كما يصفها هو ذاته.
إنّ نقد اليسار لليبرالية هو نقد للسياسات الاقتصادية القائمة على تعميم منطق السوق، المطبقة داخلياً، وعلى صعيد عالمي، هو نقد يطال الطبقة المسيطرة لا لكونها استبدادية فقط، بل لكونها تنهب المجتمع، وتحتاج إلى الاستبداد من أجل ذلك. وهو هنا متقدم على النقد «الليبرالي» الذي يطال المستوى السياسي فقط. لأنّه يطال كلية التكوين السلطوي، أي كمشروع اقتصادي سياسي، لا كمشروع سياسي فقط.
وبهذا فإن اليسار هو الذي يحمل روحاً تحررية أعمق، ويسعى لانعتاق أوسع. وبالتالي أتمنى ألا يكون د. برهان يدافع عما يوصّفه بشكل صحيح في ما يخص الليبرالية الاقتصادية، ويرى أن نقده هو ما يفيد النظم التسلطية، وأنّه هو «روح التحرر». وأن يعود للانطلاق من تمييزه بين الليبرالية والديموقراطية. وبالتالي ألا يستخدم مصطلح الليبرالية في مواضع تشوش كل المعنى. لأن ذلك هو الذي يشوش الفكر، ويعمم «الرثاثة الثقافية»، لا نقد اليسار لليبرالية، ورفضه للسياسات الليبرالية المنطلقة من اقتصاد السوق والخصخصة.
إن ما يضعف النقد الليبرالي للنظم التسلطية هو ربطه الديموقراطية بالليبرالية الاقتصادية، وبالتالي يظهر المسألة وكأنها خلافات في إطار «الطبقة» الرأسمالية بين الرأسماليين الجدد، والرأسمالية القديمة، لتبدو الديموقراطية في حدود الشكل الذي يطابق توافق المصالح بين هاتين الشريحتين، وهذا ما يسعى اليسار إلى تجاوزه لما هو أعمق.
ليبراليّة «إعلان دمشق»
هنا نصل إلى تحديد د. برهان عن «ولادة نخبة ليبرالية» تبلورت في «إعلان دمشق». التي قال إنها «ليست طفرة سطحية بل تعبر عن موجة عميقة تعكس وقائع بنيوية». يعتقد أنها «تتغذى من انحسار أفكار الاشتراكية الشمولية على الصعيد الدولي، وتحوّل البلاد نحو اقتصاد السوق». طبعاً فليكن، لقد مثل «إعلان دمشق» تلك النخبة، وبالتالي بات التعبير عن «النخبة الليبرالية»، ولا شكّ في ذلك. لكن ما هي طبيعة هذه النخبة؟ ما هي سياساتها؟ لا شك في أن «ولادة» هذه النخبة نتجت عن انهيار المنظومة الاشتراكية، وبالتالي تحوّل قطاع كبير ممن كانوا اشتراكيين إلى الليبرالية.
ليس في ذلك غضاضة، حيث من حق أيّ كان أن يعتنق الأفكار التي يرى أنها صحيحة. لكن ما يلفت هنا هو أن هذا التحوّل جرى بتسرع، ومن دون انتقاد، أو حتى دون قراءة للأفكار المتبناة، حيث بدا أنه ينساق خلف تيار كانت الرأسمالية تعمّمه عالمياً خدمة لمصالحها، نتج عن انهيار الأحلام بفعل القمع السلطوي والسجون في الغالب، الذي توّج بانهيار «المثال الاشتراكي». ممّا يعني أنه لم يتأسّس على وعي عميق بالليبرالية، لا في مستواها الاقتصادي ولا في مستواها السياسي. ولهذا تبنت كل المفاهيم المعممة تلك، وخصوصاً الربط بين الليبرالية (أي اقتصاد السوق) والديموقراطية، والاندماج بالعولمة. وحتى القناعة بضوضاء الدولة الأميركية عن الحرية والديموقراطية، وتحرير الشعوب من النظم التسلطية.
ولقد اصطدم د. برهان بهذه الآراء أكثر من مرّة، منها حينما طرح مسألة الفصل بين الليبرالية والديموقراطية، حيث إن هذه النخبة لا ترى ديموقراطية خارج اقتصاد السوق. ثم حينما طرح الحوار عن المشروع الأميركي. وهي مواقف تظهر في المقالات، كما في الحوارات الشفوية. ممّا يجعل هذه النخبة تسير خلف الليبرالية الاقتصادية كما أخذت تشيع منذ «خطف اليمين الرأسمالي فكرة الحرية الفردية ودمجها مع سياسات اجتماعية لا تأخذ بالاعتبار إلا مصالح تراكم رأس المال». ومن هذا الأساس يجري القول إنّ هذه النخبة تطرح الليبرالية في إطار التبعية للغرب، أو للسيطرة الأجنبية، والخضوع للمؤسسات الدولية الرأسمالية. حيث إن الانطلاق من تكريس اقتصاد السوق لا يعني سوى الارتباط بالنمط الرأسمالي من موقع التبعية، وهذه مسألة بحثت بتفصيل في الأدبيات الاقتصادية.
هنا النخبة الليبرالية تصرّ على الربط بين اقتصاد السوق والديموقراطية، ولا ترى إمكاناً لغير ذلك. ولهذا تبدو «ديموقراطيتها» مثلومة، لأنها تنطلق مما هو «طائفي». ومن المجتمع كمكونات طائفية دينية وإثنية. هل هذا خارج سياق الليبرالية الممارسة في الواقع؟ لا أظن. وهو ما يجعلنا نتلمس الميل المجرد لدى د. برهان
* كاتب سوري