عبد الحسين شبيب *

بمعزل عن نتائج الحوار الذي أعقب التحركات الميدانية التي قامت بها قوى المعارضة، وفي مقدّمها حزب الله، فإنّ السؤال كان ولا يزال هو: هل التوصل إلى اتفاق، سواء في الدوحة أو غيرها، يعني أنّ الأزمة اللبنانية الراهنة قد انتهت على المشهد الأخير الذي انتجته المعارضة؟
يُعتبر هذا أبسط الاسئلة، أو السؤال الوحيد الذي تقع تحته جميع التحليلات السياسية. السبب أنّ هذه الأزمة، التي يمكن اعتبار صدور القرار 1559 تأريخاً لانطلاقتها، وما تلاه من اغتيال للرئيس رفيق الحريري وسلة الاغتيالات والتفجيرات التي حصلت، والانسحاب السوري من لبنان، وصولاً إلى عدوان تموز 2006، لم تنشأ حصيلة أحداث جرت بالصدفة، بل بالتأكيد وفق مخطّط مدروس تؤخَذ قراراته تباعاً، وكان ضخّ الدم اللبناني والتوتر المذهبي فيه جزءاً من عملية تفعيله المستمر، ليشكّل حلقة من مخاض الشرق الأوسط الجديد الذي كان يفترض بعدوان تموز أن يكون محطّته المفصلية في أحداث التغيير الجذري في الخريطة السياسية اللبنانية، كجزء من خريطة المنطقة الجديدة.
الوجه الآخر للسؤال: هو هل يمكن أن تكون العملية الجراحية النظيفة، التي قام بها حزب الله وحلفاؤه من قوى المعارضة في بيروت والجبل لإلغاء قراري المسّ بشبكة اتصالات المقاومة وإقالة قائد جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير، كافية بهذه البساطة لقلب الطاولة على رأس مديرها منذ ثلاث سنوات ودون ردّ فعل يذكر، والتسليم بمشهد معاكس قوامه الآتي:
1 ـ تجريد قوى السلطة من فعاليتها السياسية والميدانية بعد الضربة التي تلقّاها أبرز ركنيها:
تيّار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي، أي النائبين سعد الحريري ووليد جنبلاط، فضلاً عن الإحباط الذي أصاب كلاً من سمير جعجع وأمين الجميل في مناطقهما.
2 ـ انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية بعد سيل الاتهامات التي كالها له فريق الموالاة بالجملة بمسؤوليته عن وصول الأمور إلى ما وصلت إليه، أو بالأحرى عدم حفظ الصيغة السياسية التي كانت حصيلة استثمار منظَّم لدم رفيق الحريري من لحظة اغتياله.
3 ـ نزع الأغلبية العدديّة من هذا الفريق في الحكومة الجديدة إذا وزّعت الحقائب مثالثة، أو منحت المعارضة الثلث المعطّل.
4 ـ إقرار قانون للانتخابات يحوّل الأغلبية الحالية إلى أقلية، والأقلية إلى أغلبية، بمعنى أن الأكثرية الراهنة تكون قد وقّعت على اتفاق بتحويلها أقلية، معلنة عجزها عن الاحتفاظ بمكتسباتها الراهنة. لذلك يعتبر مكاسب على المستوى المحلي لقوى المعارضة، وعلى المستوى الخارجي للقوى الإقليمية التي تقف وراءها وفق الأدبيات المستقرة في الخطاب السياسي والتي توزّع اللبنانيين بين محورين: أميركي ـــ إسرائيلي مع دول عربية «معتدلة»، وإيراني ـــ سوري مع رأي عام عربي ممانع.
الوجه الآخر للسؤال الأول إذاً، هو أنّه إذا كانت قوى السلطة قد عجزت عن وضع حدّ لعملية التغيير التي أحدثتها المعارضة في ليلتين أو ثلاث ليال، وأذلّت خلالها المجموعة السياسية الحاكمة، وعلى رأسها مؤسّستها الوحيدة في الدولة، أي الحكومة، فهل تقبل الأطراف الخارجية التي ترعى قوى الموالاة هذه سياسياً ومادياً وعسكرياً وأمنياً بهذه الهزيمة أيضاً؟
بالنسبة للولايات المتحدة، يوجد نقاش كبير في الأوساط اللبنانية والخارجية عن سبب عدم القيام بأي خطوة ميدانية تترجم فيها خطابات وزيارات الدعم لفريقها اللبناني وعلى رأسه فؤاد السنيورة. أخذت المعارضة، وخصوصاً حزب الله، بيروت ومعظم الجبل بعد أيام من تصنيف الخارجية الأميركية للحزب على أنه «أخطر منظمة إرهابية في العالم»، وألحقت بحلفاء الأميركيّين خسائر بالجملة ولم تحرك واشنطن ساكناً، سوى إعادة إرسال المدمرة «كول» إلى قبالة شواطئ المتوسط، وإشارات مهينة بالنسبة إلى الرأي العام العربي أطلقها جورج بوش من أمام مكتب إيهود أولمرت في القدس المحتلة في ذكرى النكبة الفلسطينية عندما وصف السنيورة بالرجل الشجاع وأولمرت بالمفكر الاستراتيجي.
أمّا على الأرض، فكان السنيورة يلغي قراريه ــ سبب الأزمة الأخيرة ــ تحت ضغط الشارع ويذهب مع فريقه إلى طاولة حوار رفضاها برغبة شخصية وطلب أميركي وسعودي.
الأهم من كل ذلك أنّ التغيير حصل على مرأى ومسمع من بوش خلال زيارته للمنطقة. هل يعني هذا أنّ الولايات المتحدة عاجزة عن التدخل وتعيش أزمة خيارات كحالها في الملف العراقي كما الإيراني كما السوري فضلاً عن الفلسطيني؟
إذا كان الامر كذلك فهذا يعني نعياً لفعالية الدولة العظمى عندما تترك خصومها المحليّين والإقليميّين يجردونها من ساحة تضع يدها عليها بالقوة منذ ثلاث سنوات، حتى من دون مقايضة بأيّ تسوية كما كان يتداول أخيراً ربطاً بالمفاوضات الإيرانية ـــ الأميركية ـــ السورية بشأن العراق. إذا أقرّت واشنطن بهذه الهزيمة فمعنى ذلك أنها كانت تهوّل بقوتها وتبيع حلفاءها كلاماً فارغاً، وأن خصومها كانوا ضحية هذا الوهم الذي لو أدركوه لكانوا حسموا الأمور بالطريقة نفسها منذ زمن. أمّا إذا كانت الأمور غير ذلك، وأوعزت الإدارة الأميركية إلى فريقها عرقلة الحوار في الدوحة، فهل يستطيعون الاستجابة لمطلبها دون أن تقرن طلبها بعمل ميداني؟ وهل هم يجرؤون على تعطيل الحوار والتجربة الميدانية ماثلة أمامهم؟
السعودية، الطرف الثاني الذي احتكر الملف اللبناني كجزء من التعويض على الخسارة في العراق وفلسطين، وكجزء من تصفية الحساب مع سوريا، ورفضت حتى في إحدى المرات بحثه مع إيران. وقد كان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد يوجه رسالة معبرة جداً عندما قال في ذروة التطورات الاخيرة إنّ وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل يخالف تعليمات الملك عبد الله بن عبد العزيز بعدم التشاور مع طهران بشأن لبنان. هل تقبل السعودية الإقصاء المهين من ساحة ضخّت فيها من المال والانحياز ما لم يحصل في تاريخ تعاملها مع هذا البلد؟
وهل تقبل أن يفعل بتيارها ما فعل؟ وهل تقبل أن يذهب فريقها إلى الدوحة مكسوراً ويعود باتفاق مع المعارضة من هناك وهم، أي النائب سعد الحريري ومجموعته، كانوا سبباً في إجهاض اتفاق الرياض، وظهر الحريري على شاشة قناة «الجزيرة»، عدوّها اللدود، ليقدم اعتذاراً من الملك عبد الله؟ هل قطر الجزيرة الصغيرة هي التي ستنال شرف رعاية توافق اللبنانيين على حساب الدور السعودي المغيّب كلياً؟ وهل تقبل الرياض أن يخرج منافساها طهران ودمشق باتفاق لمصلحة حلفائهما في لبنان، وهاتان العاصمتان تحمّلهما المملكة مسؤولية إجهاض اتفاق مكة بين حركتي «حماس» و«فتح»، مع ما هناك من شبه كبير بين مشهد لبنان الأخير ومشهد غزة، وقد كان عمر اتفاق مكة قصيراً جداً، فاعتبر ذلك ضربة سورية إيرانية للدور السعودي في الملف الفلسطيني.
إذا كانت كل الأجوبة عن الأسئلة الآنفة الذكر إيجابية فيعني ذلك أنّ السعودية فقدت أيضاً قدرة الحسم والتحكّم المتاحة لها أميركيّاً على الساحة اللبنانية لمصلحة كل من إيران وسوريا.
وإذا كانت لن تقبل بذلك بتاتاً، فإنّ البحث هنا يبدأ عما ستقوم به للاحتفاظ بورقتها، ويفتح الباب على الأسئلة الأمنية وما أُثير سريعاً بشأن المجموعات السلفية، مع ما في ذلك الكلام السريع أيضاً من مجازفات على المملكة نفسها قبل غيرها.
بين الطرفين الخارجيَّين السابقين تقف إسرائيل كمعني ميداني أوّل يشاهد عدوه، حزب الله، يقضي على جهود أجهزة استخبارية متعددة، دولية وإقليمية ومحلية، طيلة ثلاث سنوات لقلب الطاولة عليه، فإذا به يقلبها عليهم. فضلاً عن أنّ إسرائيل قبل أيّام كانت تنعى دور «اليونيفيل» والقرار 1701. الواضح حاليّاً أنّ المخطّط الذي ورد كثيراً في دراسات وتقديرات وضع إسرائيلية عن الوسيلة الأخرى للتخلص من خطر حزب الله الوجودي بعد هزيمة حرب لبنان الثانية، كان يقوم على إنتاج بيئة داخلية معادية للحزب تشغله وتوجه سلاحه إلى الداخل مع تفعيل للفتنة المذهبية السنية الشيعية كفيلة بإشغاله والتقليص من خطره الكامن على صدر إسرائيل من جبهتها الشمالية الأكثر حساسية.
طريقة الحسم السريع التي حصلت بيّنت أنّ هذا الخيار غير مجدٍ وأنّه ليس هناك من هو قادر على القيام بهذه المهمة في لبنان، وأنّ الحزب وحلفاءه خاضوا مواجهات في ساحة الخصم، وفي عقر داره لا وفق خطوط تماس كالتي شهدتها الحرب الأهلية، وبالتالي فإنّ القدرة العملانية التي أظهرتها المعارضة بالتحرك السريع جعلت من الحرب الأهلية أو الإشغال الداخلي لسلاح المقاومة خياراً ساقطاً لا يمكن التعويل عليه إسرائيلياً.
إذاً كيف ستتعاطى إسرائيل مع حزب الله الذي بات اليوم مرتاحاً لوضعه في مواجهتها أكثر من أي وقت مضى؟ الحرب. هذا هو الخيار الباقي والوحيد الذي لم يغادر تفكير مراكز صنع القرار في إسرائيل وهم يختبرون الخيارات الأخرى. وإذا كان الوقت مع حزب الله له قيمة استراتيجية منذ زمن فإنه بعد ما حصل أخيراً باتت قيمته مضاعفة، وبالتالي أصبحت إسرائيل معنية بحسم خياراتها: إمّا أنّ تتخذ قراراً بالتعايش مع هذا الخطر الوجودي الذي تنتظر منه في أي لحظة رداً كبيراً على اغتيال قائده عماد مغنية، أو تتخذ قراراً بتقريب موعد المواجهة الكبرى كخيار لا ثاني له، وان كانت لم تخرج بعد من تداعيات وتأثيرات هزيمة تموز. وفي إسرائيل، هناك من يعتقد بأن جورج بوش يبقي على خياره العسكري ضد إيران حتى اللحظة الأخيرة من ولايته، وأنه قد يغامر ولا يترك هذا الملف لخلفه في البيت الأبيض، وإذ ذاك يكون مفهوماً أنّ صمت واشنطن إزاء العملية الجراحية النظيفة والمعقّمة التي قامت بها المعارضة في لبنان، هي بسبب التوجّه لضرب رأس الأفعى كما يقولون، إيران، وحينذاك تنهار المنظومة السياسية والعسكرية والأمنية لحزب الله وحلفائه، كما فعل هو مع المنظومة السياسية والأمنية العسكرية لفريق الموالاة والتي ألحق بها خسائر فادحة لا يُعرف ما إذا كانت تستطيع ترميمها.
على أيّ حال، فإنّ أيّ اتفاق للأزمة اللبنانية يحتاج إلى ضمانات دولية وإقليمية حتى يمكن تنفيذه. وهذه الضمانات هي ترجمة لإعادة تعريف الأدوار والنفوذ في الساحة اللبنانية، بمعنى إقرار بتراجع أدوار خارجية ومحلية مقابل تقدم أدوار أخرى خارجية ومحلية أيضاً، أي تثبيت للوضع الجديد. أما إذا كان غير ذلك فيعني أنّ أي اتفاق لن يكون سوى نوع من الهدنة المؤقّتة يمكن تجاوزه بسهولة في الحسابات الاستراتيجية الكبرى، كما في حال عودة إسرائيل إلى الحرب ضد حزب الله، أو أميركا إلى الحرب ضد إيران، أي ما يمكن أن يحضر بين الاثنين لصلة الوصل سوريا.
في السياسة، هناك لاعبون ظاهرون وآخرون مخفيون، والآخرون هم عادة من يحيكون القرارات الكبرى ويفعلونها ويؤسّسون مسارات الأحداث، وبالتالي ما يجري في الظلمة يختلف كثيراً عما يظهر أمام الناس وما تتداوله وسائل الإعلام.

* صحافي لبناني