مصطفى بسيوني *

الإجراءات التي اتّخذتها الحكومة المصرية لتأمين منتدى الاقتصاد العالمي بمدينة شرم الشيخ، حملت أكثر بكثير من الدلالة الأمنية. فترحيل أعداد كبيرة من العمّال والحرفيّين من المدينة، وتشديد الإجراءات الأمنية، ووضع العشرات من كمائن الشرطة، هي تدابير لا تستدعيها فقط شروط الأمان لمؤتمر يحضره قادة العالم وملاّكه، ولكنّها تتطابق (ربما من غير قصد) مع طبيعة مؤتمر يناقش اقتصاد العالم تحت نظام الليبرالية الجديدة.
فالفقراء لم يغيبوا فقط عن المدينة بموجب إجراءات الأمن، ولكنهم غابوا أيضاً عن المؤتمر نفسه. فبينما يحضره رؤساء الدول وممثّلوهم، ورؤساء كبرى المؤسّسات الاقتصادية والشركات الدولية والبنوك، لا يحضر إليه ممثّلو نقابات عمالية أو حركات اجتماعية أو تجمّعات شعبية. كذلك، فإنّ «أجندة» المؤتمر، إذ تتناول ما يعني كبار المستثمرين، فإنّها تخلو ممّا يعانيه البسطاء. فكأنّ إخراج هؤلاء من المدينة التي ينعقد فيها المنتدى ليس سوى استكمال لإخراجهم من أجندته وفعاليّاته ليتطابق الشكل مع المضمون.
وعلى الرغم من أن المنتدى بالأساس اقتصادي، إلا أنّ الأوضاع السياسية في المنطقة كانت الأبرز فيه. فقد كان ضيف المؤتمـر الكبير، جورج بوش القادم من الاحتفال الستين بقيام إسرائيل، بعد إلقاء خطاب هناك أثار حفيظة حلفائه في المنطقة، حتى إنهم عبّروا عن غضبهم وإن بطريقة خجولة. وقد جاء رد حسني مبارك على انحياز بوش الصريح، والقديم أيضاً، لإسرائيل في كلمته في افتتاح المنتدى، إذ قال بصراحة ودون مواربة إنّه لن يوفّر الغطاء لاتفاق لا يتجاوب مع آمال الفلسطينيّين. مبارك الذي حاول الرد على الاستفزاز الأميركي، وغادر دون انتظار كلمة ضيفه جورج بوش، كان صادقاً للغاية في التعبير عن حدود دوره ودور باقي حلفاء أميركا في المنطقة، أو كما يسمّيهم بوش نفسه «محور الاعتدال»، الذين يقتصر دورهم بالفعل على تقديم الغطاء للمشاريع الأميركية.
ولكن هل هذا هو الدور الذي يمنح صاحبه القدرة على الضغط وإظهار الغضب الذي قام به مبارك؟ جاء رد جورج بوش سريعاً، فقد أكّد على الاستمرار في إنتاج الوقود الحيوي المستخرج من نباتات زراعية واستخدامه، وبالمناسبة لا يتجاوز ما يوفره 1 في المئة من كمية الوقود المطلوبة، ولكنه يساهم في رفع أسعار السلع الغذائية الرئيسية ويزيد من أزمة الغذاء في دول مثل مصر.
ولم يكتفِ بوش بذلك، بل عمد مباشرة إلى مهاجمة شخص مضيفه، الرئيس مبارك، عندما قال إنّ في بعض دول المنطقة الحاكم الواحد، ومعارضه يكون في السجن، في إشارة واضحة إلى مرشّح الرئاسة السابق أيمن نور رئيس حزب الغد
السجين.
الإشارة لم تكن واضحة فحسب، ولكنها كانت قاسية أيضاً بالنسبة لحليف استراتيجي. والردّ عليها جاء في اليوم التالي بقرار إداري يمنع أيمن نور من الكتابة للجرائد من سجنه، وهو ما كان يتمتع به سابقاً.
وإذا كانت مناوشات من هذا النوع ليست غريبة بين الإدارة الأميركيّة والنظام المصري، إلا أنّ وقوعها، بهذه الدرجة التي تخلّت عن كثير من الحذر الدبلوماسي، في المنتدى الاقتصادي بشرم الشيخ الذي يعني الكثير للنظام المصري، هو تجاوز بحدّ ذاته لحدود المناوشات المعتادة.
وما بدأه بوش في المنتدى، استكمله وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك الذي عقد لقاءً مع مبارك، وأطلق بعدها تصريحات تقطر ناراً، مؤكّداً أنّ إسرائيل ستتّخذ قريباً إجراءات لتأمين المناطق التي تسقط عليها الصواريخ بطريقة ما، ضارباً عرض الحائط ما يُسمى جهود التهدئة التي تقوم بها السلطات المصرية.
الأزمات السياسية التي عكست نفسها بقوة في المنتدى الاقتصادي، جعلت موقف النظام المصري صعباً. فقد ترك خلفه طوابير الخبز والاحتقان الناجم عن ارتفاع الأسعار والإضرابات العمالية، وحضر إلى شرم الشيخ محاولاً تسويق تجربته الاقتصادية ومفاخراً بمعدّلات النمو المحقَّقة، وإن كانت على حساب العصف بمستوى معيشة قطاعات واسعة من السكّان تتجاوز الطبقات الفقيرة إلى الشرائح المتوسّطة. فيأتي إلى المنتدى ليتلقى جحوداً ونقداً من حلفائه، وخاصة من هؤلاء الذين التزم بنصائحهم الاقتصادية في تطبيق سياسات الليبرالية الجديدة، وقام على ضوء وصفاتهم بالخصخصة، وخفض دعم القطاعات التي تهم الفقراء، وزيادة حوافز الاستثمار، وخفض الضرائب على الأغنياء... وهو ما أشاد به في المنتدى رئيس شركة «كوكا كولا» العالمية. ولكن النظام المصري ما كان ليتوقف كثيراً أمام حساسيات السياسة، مهدراً منتدى له أهميته بالنسبة له أمام كبار الاقتصاديين الذين تعني ثقتهم به استجابة لدعوته للاستثمار في مصر، بينما اهتزاز هذه الثقة تعني مأزقاً حقيقياً لخططه الاقتصادية.
الحقيقة أنّ دور الفريق الوزاري المنتمي للجنة السياسات بالحزب الوطني، ورئيسها جمال مبارك نجل رئيس الجمهورية، بدا ملحوظاً في محاولة استعادة المبادرة، وإدارة الدفّة في اتجاه الاستفادة من المنتدى. وقد بدا نجم جمال مبارك أكثر سطوعاً في المنتدى ليعيد إلى الأذهان سيناريوهات التوريث التي كانت قد تراجعت في فترات سابقة. فقد تولّى بنفسه الردّ على حديث بوش عن الديموقراطية في مصر أمام وسائل الإعلام، مدافعاً عن التجربة المصرية التي تسير في الطريق الصحيح من وجهة نظره، وإن كان ما زال أمامها «مسافة كبيرة».
كما تولّى وزراء المجموعة الاقتصادية، الذين ينتمون جميعهم للجنة السياسات بالحزب الحاكم، التسويق للتجربة المصرية في الإصلاح الاقتصادي، واستعراض معدّلات النمو الاقتصادي وارتفاع التبادل التجاري، وتطوّر القطاعات الاقتصادية المختلفة. وهذا الترويج لم يعكّر صفوه تقرير التنافسية الدولية الذي يبيّن تراجع مصر. ومن الطبيعي أن تكون مجموعة لجنة السياسات هي الأكثر تألّقاً في المنتدى الاقتصادي العالمي، حيث الليبرالية الجديدة هي الدستور.
فهذه المجموعة هي نفسها المدافع الرئيسي عن هذه المدرسة في مصر. إلا أنّه، رغم كل الجهود المبذولة، فَقَدَ منتدى دافوس في شرم الشيخ الكثير من رونقه، وهي ليست المرة الأولى التي ينعقد فيها المنتدى في مصر. فقد تلت انعقاده الأول فيها في عام 2006 الأزمات الاجتماعية الأعنف، ابتداءً من الغضب العمالي الذي تفجّر في شكل إضرابات تطالب بزيادة الأجور في كانون الأول / ديسمبر 2006، وصولاً لأزمة طوابير الخبز وارتفاع أسعار الوقود، ومروراً بتظاهرات قرى العطش والمناطق العشوائية، واحتجاجات الطلاب ضدّ ارتفاع المصروفات الدراسية...
دافوس لم يطعم أحداً، وحديث مبارك فيه الداعي إلى توفير الأمن الغذائي للفقراء، و«تحمُّل الدول المتقدمة مسؤوليتها» ليس سوى محاولة لتصدير الأزمة إلى الخارج تحت شعار ما بات يُقال له «عالمية الأزمة»، وإيجاد أسباب لها تعفي النظام من المسؤولية الاجتماعية، وتبحث في أسباب ارتفاع الأسعار بعيداً من الاحتكارات التي يسيطر عليها المتنفّذون في السلطة، وبعيداً من اتجاه النظام لخفض الدعم المقدَّم لسلع للفقراء وخدماتهم بل إلغائه، في مقابل إعفاء المستثمرين من الالتزامات الاجتماعية وخفض ضرائبهم.
شرم الشيخ آخر مدن سيناء التي رفع عليها العلم المصري ونُكِّس العلم الإسرائيلي في الخامس والعشرين من نيسان / أبريل 1982، بعد ثمن باهظ دفعه من دمائهم جنود مصريّون من العمال والفلاحين المجندين، قدّمه السادات ثمناً للتسوية مع إسرائيل. ثم جاء مبارك لتصبح المدينة مركزاً للتطبيع وصفقات التهدئة، ومنتجعاً للأغنياء، ومنتدى لقادة العالم وملاّكه، وليس فيها أي مكان للفقراء الذين حرّروها.

* صحافي مصري