أفغانيّات ما بعد الاحتلال: حريّتكم مردودة مع الشكر

مَي الصايغ
«كلّ ما أسمعه منذ سقوط حركة طالبان، هو الشاداري (الشادور). مشكلتي ليست بهذا اللباس، بل بعدم وجود طعام لي ولعائلتي» تقول فريدة بغضب. لتتابع نصيرة، «صحيح أن طالبان فرضت الشاداري، لكننا بعد خمس سنوات نشعر بالراحة فيه. لقد أصبح جزءاً من ثقافتنا. مجتمعنا لا يتقبّل المرأة بدون شاداري. لن نخلعه لأنّ الغرب يريد ذلك، البعض منّا سيتخلّى عنه عندما يحسّ أنّه مستعدّ لذلك. الضغط الغربي الذي يمارس علينا لنزع الشاداري لا يختلف عن محاولة فرضه من جانب حركة طالبان، لدينا الحق باختيار ما نريد أن نلبس».
انطلاقاً من هذا الواقع، سعت إلاهي روستامي ــ بوفي في كتابها «المرأة الأفغانية الهوية والغزو» إلى إيصال صرخة نساء أفغانستان إلى مراكز صنع القرار ووسائل الإعلام في الغرب، الذي دأب على تسويق مقاربة لواقع المرأة الأفغانية باعتبارها ضحية منسيّة بفضل الهمينة الذكورية والدين، تنتظر ساعة عتقها، بقيم غربية. مقاربة ما لبثت أن أثبتت عدم صدقيتها مع سقوط نظام «طالبان» على خلفية الحملة العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة في عام 2001، لتذهب الوعود بالحرية والأمن والديموقراطية والتحرير، أدراج الرياح.
لقد انسابت فصول هذا الكتاب كحلقات من سلسلة حياة نساء أفغانيات، جمعتهنّ أرضية مشتركة، وهي التمييز الجنسي الذي يمارس ضدّهن من جانب «الرجل» ضمن إطار الدين الإسلامي والهيمنة الثقافية والخضوع لمجتمع ذكوري، ناضلن من أجل تغييره. كما أرادت الكاتبة البريطانية ذات الجذور الإيرانية من خلاله الرد على المرأة الغربية التي تعجز عن تفهّم واقع نظيرتها في المجتمعات ذات الغالبيّة المسلمة، وإظهار عقم الرؤية التي تنادي بالتفوّق الغربي والاستراتيجية الإمبريالية لإنقاذ الأفغانيات والمسلمات. وهو ما دفعها إلى إلقاء الضوء على نضال الأفغانيات في ظلّ حكم «طالبان»، حيث كان لهيئة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، التي أسّستها الحركة، تأثير مدمّر على حركة المرأة. فابتغت بوفي إظهار إرادة المرأة الأفغانية التي لم ترضخ للواقع، بل تمكّنت من خلق مساحة لفرض نفسها، واستطاعت كسر حاجز الخوف عبر إنشائها مع سواها مدارس سرية، وتحويل منازلهنّ إلى مراكز لشبكات تُعنى بشؤون المرأة والطفل، توارياً عن عيون «طالبان» التي دسّت جواسيسها بينهنّ، والتي قامت باعتقال واضطهاد وتعذيب بعضهنّ بتهمة تنظيم صفوف لتعليم النساء. شبكات كانت بمثابة آليات لتمكين المرأة عبر خلايا سرية من مقاومة حكم «طالبان»، وانتشال أنفسهنّ من أعماق الخضوع. كما مثّلت صِمَام أمان لمجتمع أغرقته النزاعات الإثنية بين أطياف المجتمع الأفغاني (البشتون والطاجيك والأوزبك والهزاري)، من خلال عمل النساء جنباً إلى جنب من دون تفرقة لحماية مجتمعهن من التفكّك، فنجحن حيث فشل ساسة أفغانستان.
أمام هذا الواقع الجائر، استبشرت الأفغانيات خيراً باقتراب وضع حدّ لنظام «طالبان» على يد الأميركيّين وغيرهم في تشرين الأول 2001.
إلا أن منظّمات «التنمية وتحرير المرأة والديموقراطيّة» التي دخلت مع الاحتلال وجدت صعوبةً في العمل من دون تنسيق مع قوات الاحتلال، وفصل نشاطاتها الإنسانية عن الأجندة الإمبريالية التي تدعمها حكومات بلادهم. أمر لم يَخفَ على الأفغان، الذين وجدوا في طريقة عمل فرق إعادة الإعمار التي تتكوّن من خليط من الجنود وعمّال الإغاثة المدنيّين، طريقة لتوزيع الأدوار بين الجنود الذين يقومون بقتلهم في النهار، وعمال الإغاثة الذين يوزعون عليهم المساعدات مع حلول المساء.
في نهاية المطاف، تحاول بوفي من خلال تحليل مقارن لتجارب أفغان الشتات في إيران وباكستان والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، أن تكشف النقاب عن الفروق بين الحركات النسائية. ففيما أغنت خبرة الأفغانيات في الحركات النسائية في إيران وباكستان وجهود المنظمات غير الحكومية، مسيرتهن النضالية، لم تشعر الأفغانيات في بريطانيا والولايات المتحدة بأنهن جزء من الحركة النسائية الغربية.
واللافت أن بوفي خلصت إلى أن مستقبل حقوق المرأة في أفغانستان لا يقتصر على تحدي الهيمنة الذكورية فقط، بل يمتدّ أيضاً إلى كسر الهيمنة الإمبريالية الغربية.
فرغم جهود المنظّمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، فإنّ قضايا المرأة لم توضَع على الأجندة السياسية. واختار الغرب شعار تحرير المرأة المسلمة من سلطة الرجل التعسّفية لشرعنة التفوق الغربي على الإرث الثقافي الإسلامي. ورأى هذا الغرب أنّ على المرأة اتّباع الطريقة الغربية في الحياة لكي تتحرّر، وتقديم هويتها الفردية على حساب الهوية الجماعية التي تمثّل أحد مرتكزات العائلة الأفغانية.
غير أنّ نضال المرأة الأفغانية يبقى النموذج الأمثل في مواجهة الاستراتيجية الإمبريالية الغربية، من خلال سعيها إلى تحقيق انسجام بين حقوقها ودورها بشكل لا يتعارض مع هويتها الأفغانية وثقافتها الإسلامية.
أمّا المأخذ الآخر لبوفي على الحركات النسائية في الغرب، فهو عدم تفهّم المرأة الغربية لواقع الأفغانية وخصوصيتها في المجتمعات الإسلامية، وقصورها عن منع تسخير إيديولوجية حقوق المرأة لخدمة الهيمنة الإمبريالية لكلّ من الولايات المتحدة وبريطانيا في أفغانستان والعراق، إذ لم يسهم وجود المرأة في مراكز القرار في تخفيف معاناة الأفغانيات، بدءاً من وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس التي وقفت إلى جانب إدارة بوش في الحملة العسكرية على أفغانستان، وصولاً إلى الجنديات اللواتي شاركن في القتال.
كما أنّ الرؤية المتعالية للغرب من خلال التشديد على تفوقه الحضاري، أسهمت في حجب الرؤية عن الممارسات الخاطئة لتبرير الحرب والهيمنة الإمبريالية، بحيث سعت المنظّمات الحكومية وغير الحكومية على حدّ سواء، إلى إسقاط النموذج الغربي لحقوق المرأة على الواقع الأفغاني، من دون مراعاة التقاليد الخاصة به، وإيجاد نقاط تلاقٍ بين اهتمامات المرأة الأفغانية والغربية.
ويبقى في نظر الأفغانيات أنّ التنمية الاقتصادية والاجتماعية هي الطريق الأمثل لتحقيق الأمن والاستقرار، التي تمثّل بدورها المدخل لإحداث تحوّل نوعي في العلاقة بين الرجل والمرأة داخل المجتمع الأفغاني.
وعلى ما يبدو، فإنّ جذور بوفي الإيرانية مكّنتها من فهم واقع المرأة الأفغانية، وعدم الوقوع في الفخّ الذي سقط فيه كل من حاول مقاربة حقوق المرأة في المجتمعات الإسلامية عبر تصوير الرجل بالوحش المستعدّ دائماً لالتهام فريسته، كما تمكّنت من الغوص إلى عمق المشكلة من دون الاكتفاء بالتنظير من أعلى.




العنوان الأصلي
identity and invasion ـــ Afghan women

الكاتب
إلاهي روستامي ــ بوفي

الناشر
zed books