علم ينطلق من الفلسفة والاقتصاد والتاريخ والمنطق

نبيل مقدم
اتّجهت معظم المؤلّفات العربيّة أو المترجمة عن عالم الاستخبارات، إلى تغطية جوانب محدودة من هذا النشاط الأمني. وكان التركيز بشكل بارز يصبّ على تناول الأجهزة الاستخبارية الأكثر شهرة وفعّالية في العالم، والكشف عن تنظيمها وميادين عملها، وبعض المهمات التي كان لتنفيذها دويّ وأصداء، إضافة إلى كتابة سير رجالات بلغوا شأناً في هذا المضمار.
في كتابه «خصائص الاستخبارات والأمن القومي» الصادر عن دار بيسان، يخوض مدين حميّة في قضايا وموضوعات لم نألف أنها على تلك الصلة بالذي يسمّى «الاستخبارات»، فهذا النشاط وفقاً لِما درج عليه وعينا، هو قيام جهاز بإحصاء حركات الناس وكلماتهم ومراقبة نشاطاتهم، وتخوينهم، وترويعهم من إبداء أي اعتراض على أمور معيّنة، واستجلابهم إلى غرف التحقيق دون احترام لحقوقهم المنصوص عنها في القوانين.
لقد نجح المؤلّف من خلال المحاضرات التي يضمّها كتابه، والتي ألقاها في معاهد وكليات أمنية سابقاً، من تنقية وعينا للاستخبارات من هذه الصورة المشوّهة، وفتح لنا أبواباً ومنافذ جديدة ومغايرة، لتروي عطشنا في فهمنا للاستخبارات.
ومن خلال عرضه، يتلمّس القارئ الفجوة، ما بين المصطلح ومدلوله، وكم ينتقص المصطلح من الأبعاد الفكرية والفلسفية والعملية والفنية في قيمة المدلول، وتمكن بالمنهجية التي اعتمدها في مقاربته للموضوعيات الاستخبارية من أن يردم هذه الفجوة، ويعيد الاعتبار لمفهوم الاستخبارات، بتأصيله كنشاط تاريخي ظهر مع البشرية ومنها لينطلق في الكشف عن ماهيّته ومضامينه وأشكاله ودوره ووظيفته وأهدافه وأدواته.
وإذا كان الكاتب لم يتقصّد بكتابه معالجة إشكالية بعينها، فإنه أوجز بشكل سريع أكثر من إشكالية تعتمل في الحقل الاستخباري، فهو بالأصل، وإن كان مدفوعاً للحديث عن خصائص «الاستخبارات والأمن القومي»، غير أنّ تلمّسه بالتجربة والمقارنة، ضعف الاستخبارات العربية، وفشلها في أكثر من مناسبة في التصدي للمهمات الموكلة إليها، «وبالأخص خارجياً» وفشلها في تقديم نفسها عبر دورها وخدماتها وإنجازاتها إلى المواطن في بلدانها، وهذا ما أفقدها سنداً وأزراً هما غاية الأهمية لتطوير ذاتها، أهدافاً وأدوات وأساليب، وبالتالي إنجازات، جعله شديد الحرص على التصويب على مكامن هذا الخلل مع إبدائه الاقتراح والتوصية لما هو مناسب، وبالنهاية كان هذا جزءاً من محصلة كتابه.
فالاستخبارات عند حمية، تنطلق من الفلسفة، فكلاهما يبحث عن الحقيقة، ويحاول تفسيرها، وكلاهما يعتمد على الأدوات الذاتية لنبش الحقائق واستنطاق الوقائع، ويبرز في أكثر من مكان من الكتاب القواعد العقلية والذهنية والقوانين التي لا يمكن فصلها عن العمل الاستخباري، فإذا هو علم يتجمّع من علوم أخرى، ومنها السياسة والاقتصاد والاجتماع والتاريخ والمنطق والرياضيات والفيزياء والتكنولوجيا وغيرها. وبما أنّ القيمة المعرفية للاستخبارات تأخذ هذه المكانة عند حميّة، فهو يدعو إلى بنائها على أساليب وأسس سليمة ومتينة بين الأجهزة المعنية، محذّراً من تضارب المصالح الذي يقضي على ثمرات هذه المعرفة.
«خصائص الاستخبارات والأمن» ليست نصوصاً تغرق في النظريات والتجريد، ففيه موضوعات شبيهة بالمرويّات البوليسية، وإذ أوردها الكاتب ليس لغاية التشويق والإثارة، وهي لا تخلو منهما، بل لتوضيح المصطلحات المستخدمة في هذا المجال، فكانت لديه مقاربات مميزة في التجسّس والدفع الاستخباري وصراع الاستخبارات.
* كاتب لبناني



العنوان الأصلي
خصائص الاستخبارات والأمن القومي

الكاتب
مدين حمية

الناشر
دار بيسان