حسن شامي *

1 ـ كانت هناك رزمة صغيرة من القصاصات والبطاقات والأوراق المالية، موضوعة على زاوية منضدة ترتفع قليلاً عن حافة السرير. وثمّة، فوق السرير، سترة جلدية بنيّة اللون، ووشاح نبيذي وقبّعة رمادية، وهي كلّها مرميّة، كأنّما على عجل، فيما يتبدّى على الأرض، عند أسفل السرير، زوج أحذية أسود رجّالي. على يسار الواقف عند باب الغرفة، تظهر حقيبة سفر متوسّطة الحجم، مغلقة بإهمال يبديها شبه مفتوحة. الواقف عند عتبة الغرفة التي كان يراها للمرة الأولى في حياته، لم يمكث سوى دقيقة واحدة. لم يجرؤ على فتح الباب بالكامل، ولا على الدخول إلى الغرفة، كما يمكن أن يفعل مَن يتفقّد البقايا، منقّلاً خطواته ببطء، ومتلهّياً بفتح الستائر على مهل كي ينفذ النور الذي يطرد من الغرفة عتمة النوم المؤقَّت والعابر. فهنا، على هذا السرير، نام صديق نومه الأخير، ذلك الذي لم يفق منه.
هي ثوانٍ معدودة، كانت خلالها العينان تعملان عمل العرّافة مستحضرة الأرواح، إذ تتلمّسان أثر الصديق، بالأحرى تتشمّمان، مثل كلبة صيد، رائحة عبوره الأخير. أحسب أنّ ذلك لم يكن سوى محاولة غامضة لتوثيق الحسرة ولبسط الشوق الذي لا لقاء في آخره. شوقٌ شريد وطائش. وليس للواقف عند العتبة سوى أن يبقى واقفاً هناك، يتهجّى الغياب بقلب صديق أو بلهفة أختٍ كبيرة لا فرق.
كأنّني أتفقّده لأودّعه. غريبٌ أن تكون زائراً ومودّعاً في آن واحد. القلب أيضاً كان يعمل عمل رجل الآثار ونقّابته: يستجمع عناصر حياة بكاملها بالاستناد إلى أطلالها، أي علامات انقضائها. غير أنّ ما استُجمع في تلك اللحظة لا يعدو أن يكون غير توثيق شعوري للهباء وللتحسّر وللكآبة. كان ثمّة، عند عتبة الغرفة وفيها، رائحة كآبة تشبه رائحة متحف مهجور أو سهرة فاشلة. قد تكون رائحة فقدان كبير ومفاجئ، شيئاً من رائحة حياة أخذت تأسن قبل أوانها، شيئاً من رائحة خبز بائت، غريب أيضاً، أن يكون للكآبة رائحة.
كان ذلك قبل عام، في بيت الصديق، المفجوع مرّتين، حازم صاغية.
2 ـ يخيّل إليّ اليوم أن ذهابنا على عجل، أنا وفاروق وهاشم، إلى لندن، كان اختباراً قاسياً لمقولة معروفة تبدو الحياة تمريناً متّصلاً على وجوهها: ثمّة وقت لكلّ أمر، وقت للصداقة، ووقت للاختلاف في الرأي والموقف والفكرة، وقت للمواساة، ووقت للفرح والأُنس. في لندن، ومن ثمّ في بيروت لدى استقبال الجثمان وتشييعه إلى مثواه الأخير، كان الأمر يتعدّى المواساة الظرفية بكثير. كان وقتاً مفتوحاً لتقاسم الحزن والدموع والخسارة. وقد اجتمع صحب كثيرون من ذوي المشارب والأمزجة المختلفة. بعضهم جاء من تجارب سابقة، وبعضهم من صداقات حاضرة، وبعضهم من مستقبل يحلمون به، واجدين في كتابات جوزف ومواقفه ما يسعفهم في تحصين حلمهم وتطلّعاتهم. كانوا، لا بدّ، يشعرون بأنهم خسروا، في ما يتعدّى الصداقة والودّ الشخصي، شيئاً من روح البلد ومن نبضه. لقد تعطّلت عضلة من عضلات القلب. وهذه المزاوجة بين الخاص والحميمي، وبين الهمّ العام المشترك، ما كان لأحد مثل جوزف أن يجمعها في سلوك واحد. كأنه أرخبيل صداقات وتجاذبات في مدينة فاضلة. كأنه قطعة من بلد. كأنه بلد للحالمين والصعاليك، في المعنى النبيل للصعلكة. هو الذي يمكن تلخيص سنّته في الحياة بعبارات أمير الصعاليك، عروة بن الورد:
أُقسّمُ جسمي في جسومٍ كثيرةٍ وأحسو قُراحَ الماءِ والماءُ باردُ
هكذا كان، هكذا هو «أبو الزوز». قدم في الصعلكة الحديثة، وقدم في السياسة. وقت للصداقة واحتراف الحياة، ووقت للحلم بنهضة عربية كان يساهم باستجماع واستنبات شروطها بقوة الذكاء والمعرفة. ينبغي أن أضيف، ربما، وقتاً ثالثاً لصهرهما في حياة واحدة.
3 ـ لم يكن لنا قبل عام، سوى أن نستيقظ في اليوم التالي، من يوم آسن وثقيل. أحسب أن كثيرين مثلي نظروا من نافذة غرفتهم أو مطبخهم إلى الشارع لاستقبال النهار، فوجدوه غريباً وقاسياً كأنه ليس لهم، فذرفوا دموعاً كي يهتدوا، ربما، إلى ملامحهم وسيرتهم. آنذاك، لو قال لي مَن أحسبه فرداً وبيتاً زوجياً وأسرة، شيخنا وواسطة عقدنا في الصداقة الصعلوكية مع جوزف، أي حسن داوود، لو قال إنّ رحيله المباغت يكسر الظهر، لصدّقته. لو قال، حتى بدون نشيج، إنّ هذا الرحيل كابوس حقيقي أشبه بحال مَن يستيقظ ولا يجد يديه، لصدّقته. قال شيئاً من ذلك صديق عمره حازم، أي مَن أحسب أنه شرب مع جوزف ماء غمامة واحدة. فعند ذهابنا، في لندن، من البيت الثاني لحازم (وهو بيت صديقه وعديله كمال كريم وزوجته هدى غصوب) إلى البيت الأول والقريب، قال لي حازم بتقشّف مَن تيبّس النشيج في روحه: ماذا سأفعل وكيف؟ لقد خسرت (برحيل مي وجوزف) أوّل قارئين أفكّر بهما عندما أشرع في الكتابة. لا داعي للتوسّع هنا، في كون الكتابة تحقّقاً من الوجود. لا أعلم لماذا كان جوزف وحازم يبدوان لي مثل ولدين أو شيخين يتناكفان ويتغامزان في آن، يتساجلان ويتراشقان متواطئين الواحد مع الآخر، ثم يفيئان إلى بعضهما البعض تظلّلهما الغمامة ذاتها.
4 ـ كان وقتاً للمواساة. على أنني لم أقل لحازم ولحسن ولآخرين، ما رحت أقوله لنفسي، وهو أن صديق عمرهما «اشتراني» أنا أيضاً. لا أعلم أين وكيف ومتى كان مبتدأ ذلك؟ أردّ ذلك حيناً إلى بيروت، قبل مجيئي إلى فرنسا أواخر عام 1980، عندما اقترح عليّ أن نكتب سويّاً سيرة مجموعة يسارية ثورية وتجربتها، اعتُقل أفرادها وسُجنوا فترة معيّنة. كنتُ آنذاك في الثالثة أو الرابعة والعشرين من عمري، وكنت قد بدأت قبل سنتين أو ثلاث أنشر قصائد ومقالات في جريدة «السفير». استغربتُ اقتراحه وفرحت به بدون أن أستجيب لطلبه. استغربت لأن معرفتي به لم تكن قوية بعد. وفرحت لأنّني شعرت بأنّه يدعوني إلى صداقته، إلى تقاسم شيء ما. وهو يفعل ذلك بذكاء الصعلوك وحدسه.
أردّ، حيناً آخر، مبتدأ صداقتنا، إلى تلك السهرة الباريسية، قبل سبعة وعشرين عاماً، في بيت صديقنا حسان يحيى. لكن جوزف في تلك السهرة من أيّامه وعليها، كان لا يريد أن يعيش أولاده (بالأحرى ولداه، أميّة وزياد) الحرمان الذي عاشه هو، بحسب ما راح يردّد وهو يلقي رأسه على كتفي. أحسب أنني أحاول أن أستبقي شيئاً منه كلما تهيّأ لي أنّه ترك دموعه، وابتسامته الطفولية الماكرة أيضاً، على كتفي ومضى، كما فعل من قبل صديق وحبيب آخر، شربنا، أنا وهو، ماء غمامة واحدة، ثم غادرَنا باكراً جداً، وهو دون الثلاثين، وفي فصل الربيع، أعني سعد أرزوني.
يروق لي حيناً ثالثاً أن أردّ صداقتي مع جوزف إلى سهرة باريسية أخرى قضيناها في بيته في الدائرة الخامسة. كنت شديد القلق على أهلي، وقضيت معظم المساء وأنا أحاول الاتصال هاتفياً بلبنان بعد انتشار نبأ القصف الإسرائيلي الشديد على الجنوب وقطع الجسور، ما ينذر بعزله عن المناطق اللبنانية الأخرى. في تلك السهرة قرأت مقاطع من «مخاطبات» النّفّري ومواقفه. كان «أبو الزوز» منتشياً، فأخذ يدي ولثمها، مؤدّياً طقساً صعلوكياً مرتجلاً وعفوياً. لم يكن جوابي أقل صعلكة: لثمت يده على الفور.
5 ـ أروي ذلك اليوم لا للتندّر أو لاستحضار ذكريات، بل لأقول إنّه لا جدوى من رسم شجرة نسابة، بجذورها وفروعها وأعاليها، للتعرّف إلى مبتدأ الصداقة مع جوزف. فهذه تنشأ وتنمو دائماً في منتصف مسار ووسط حقل. تنمو أفقياً مثل العشب. يكفي أن تكون حيث يمكن للعشب أن ينبسط وينمو، وستجده بالتأكيد. ليس مهمّاً أن يأتي متأخّراً أو باكراً، على مهل أو على عجل، ليس مهمّاً أن تشاطره كل الرأي أو نصفه أو ربعه أو حتى أقلّ من ذلك، المهم هو الشراكة والتقاسم. إنه رفيق درب، رفيق حقل. المهم هو أن يكون حاضراً «الآن، هنا». أحسب أن شغفه بالحياة الحزبية، مناخاً وسلوكاً وجدالات، أو نقاشاً حارّاً وتدخيناً، كما كان يقول متفكّهاً، إنما يعود إلى رغبته في أن يكون في الوسط، في قلب الحقل، في حفلة على العشب. عندئذٍ يتألق عارضاً فكرته التي تعهّدها بذكاء المقاربة التحليلية وسعة الاطلاع، حاملاً في الوقت ذاته إيقاع التعبير عنها.
في الوجوه المتعدّدة لفرادة جوزف، ثمّة دائماً إيقاع. للصداقة إيقاعها، وللسياسة إيقاعها، وللعبارة إيقاعها. لا أحد مثله أوصل الصداقة والصعلكة إلى أرقى تجلّياتها. ولا أحد مثله وضع الجملة القصيرة في السرد السياسي والفكري. لا أحد مثله يصادق ويناضل ويكتب كأنه يرقص، أو يعلّمك الرقص، بحسب ما رأى بثاقب نظر أحمد بيضون. وفي كلّ ذلك، ثمّة دائماً ما نتعلّمه منه. أن تزداد تواضعاً كلّما ازددت علماً ومعرفة. أن تكون صديقاً، أو عاشقاً، بدون تملّك. أن تكون نهضوياً بدون نخبوية استعلائية وفارغة. أن تكون حزبياً بدون تحزّب أو تعصّب. أن تكون تراثياً بدون أن تكون ماضوياً. أن توغل في التاريخ كي تخرج منه. أن تكون مستقبلياً بدون الانقطاع الأبله عن الماضي التاريخي. أن تكون... هل ينبغي أن أضيف: أن يتوقّف القلب عن الخفقان وعلى الشفتين ابتسامة خفيفة، بحسب ما أخبرني آخر الذين تحدّثوا (واختلفوا) مع جوزف، عندما دخل إلى الغرفة في الصباح ولمس يده الباردة ولمح ابتسامته الطفيفة هذه، أعني صديقنا (اللدود؟ سيقول حازم) بشير هلال. سيظلّ سرّ ابتسامته يلاحقنا. هل كان يريد، بابتسامته، أن يقول: هكذا أفضل ربما؟ أم أنه كان يترنّم بعبارة من عبارات الأغنيات التراثية التي كان مولعاً بها إلى حدّ الاحتراف، عبارة كلثومية، ربما، من نوع «من كتر شوقي/ سبقت عمري».

* كاتب لبناني مقيم في باريس