strong>لطيفة بو سعدن *

شهدت الساحة السياسية في المغرب مطلع السنة الجارية، ولادة تنظيم حمل اسم «حركة لكلّ الديموقراطيّين». وما كانت هذه الحركة لتستأثر بمتابعة سياسيّة وإعلاميّة كثيفة لو لم يكن يرأسها فؤاد عالي الهمة، صديق الملك محمد السادس ورفيقه في الدراسة.
وعالي الهمة، رئيس لجنة الخارجية والتعاون البرلمانية، الذي يلقّبه البعض بمهندس الخرائط الانتخابية للعهد الجديد، ليس سوى الوزير المنتدب سابقاً في الداخليّة الذي آثر التخلّي عن هذا المنصب لكي يقدّم نفسه كمرشّح في انتخابات أيلول 2007 بدائرة صغيرة تسمّى «الرحامنة»، فقط لكي يخدم أهل بلدته. لم تصدّق الجهات السياسية هذا الخطاب، وخاصة منها الأحزاب ذات المنحى الديموقراطي واليساري، التي تراقب بدهشة خطوات صعود نجم جديد في السياسة. ورغم أنّ قرار انخراط الهمة في العملية الانتخابية جاء قبل أسبوعين فقط من الانتخابات، وقد أثار خروجه السياسي المفاجئ الاستغراب، لأنه لا يرتكز على «أجندة» سياسية، ولأن تحرّكه يكتسي طابعاً عفوياً ليس إلّا، فقد استطاع الوافد الجديد إلى الحقل الانتخابي أن يحصد عبر لائحته المقاعد الثلاثة المخصَّصة للدائرة، وتمكّن في زمن قياسي أن يكوّن فريقاً برلمانيّاً تجاوز عدد أعضائه الثلاثين، قدّم نفسه كمساند منتقد للعمل الحكومي، وكقوّة اقتراحية بالنسبة لمختلف الملفّات المطروحة على البرلمان.
وبعد حين، أطلّ الهمة إعلامياً من جديد، مرفقاً هذه المرّة بفاعليات من مشارب سياسية وأيديولوجية وفكرية متعدّدة، ليعلن عبر بلاغ ولادة «حركة لكلّ الديموقراطيّين». وهنا تأكّد الذين لم يرتاحوا لتطميناته الانتخابية من أن الرجل يعمل وفق استراتيجية سياسية مدروسة، تمهّد لحزب سياسي جديد قد يعيد سيناريوهات تاريخية معروفة لحزب الدولة. ما هي إذاً مختلف ردود الفعل التي أفرزها الحقل السياسي الحزبي تجاه هذه الحركة التي تأبّطت في طلّتها الأولى فاعليات محسوبة على النخب اليسارية، وأخرى على النخب اليمينية، وأخرى على النخب المخزنية؟ ولماذا تحفّظت ــــ إن لم نقل رفضت ــــ أحزاب اليسار، سواء تلك الموجودة في الحكومة أو في المعارضة، على مبادرة الهمة؟ وهل ستتحوّل جمعية صديق الملك إلى حزب سياسي يغطّي تدخّلات الملك؟ وهل هذا الأخير بحاجة لغطاء سياسي لتحرّكاته، هو الموجود عمودياً وأفقياً داخل حقل الممارسة السياسية؟
ظهور تنظيم الهمة ترافق مع بلاغ إعلامي يمكن اعتباره بمثابة النص التأسيسي للحركة، طبعاً في غياب أرضيات أخرى. البلاغ الذي أكّد على الثوابت الوطنية كمرجعية، يدعو للعمل «من أجل وعي ديموقراطي متجدّد»، وينتصر من جهة أخرى للقيم الديموقراطيّة كمنهجية، ويستهدف «ترسيخ قيم الحداثة»، ويسجّل «تراجع مساهمة النخب الوطنية بمختلف مشاربها ومواقعها إزاء مهمّات تأطير المواطنين وتعبئتهم وإشراكهم في صياغة حاضرهم ومستقبلهم».
أحاط نصّ البلاغ نفسه بمفاهيم تنتمي إلى حقل الحداثة والديموقراطية، وتماهى في العمق مع خطاب ظلّ ينتمي إلى فضاءات سياسية ذات بعد تاريخي ونضالي. وبذلك ابتعد عن لغة المخزن. ولكن هذا ليس بالغريب في سياق تبنّى فيه الملك نفسه المرجعية الديموقراطية والحداثية، لكن بعيداً عن أيّ إصلاح دستوري من شأنه أن يحدّث بنية الدولة نفسها ويجعل من محمد السادس ملكاً حداثياً فعلاً.
وإذا كان البلاغ لم يوضح الخط الأيديولوجي للحركة، فإنّ حيثيّاته، إضافة إلى ما صرّح به بعض المؤسّسين، تقدّم الحركة كمنقذ للمغرب من الأزمة... بعد أن حمّلت الأحزاب مسؤولية ما آل إليه الوضع السياسي في البلاد، من تدنّ للمشاركة السياسية وانفصام العرى بين الأحزاب والمجتمع. وكذلك فإن الحركة في مغرب اليوم المتأزّم تسعى لردّ الاعتبار للسياسة، عبر تقريب المواطن اللامبالي منها، دون أن تحدّد موقفها من المشكلات المرتبطة بالإصلاح الدستوري مثلاً، الذي عادت مطالبه تظهر على الساحة، أو أنّها تكتفي بما سبق وصرّح به فؤاد عالي الهمة عندما قال إنّ المسألة الدستورية قد أصبحت متجاوَزة بالنسبة لمغرب اليوم...
رحّبت بعض الأطياف السياسية بمبادرة صديق الملك، كحزب الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري والتجمّع الوطني للأحرار، فيما اعتبر حزب الاستقلال على لسان أمينه العام حركة الهمة دعامةً جديدةً للحكومة التي يرأسها، وفي ذلك ترجمة فعلية لوضعية عجز الأغلبية عن قيادة تجربة حكوميّة يتنبّأ البعض بتوقّفها عبر تعديل حكومي خلال السنة. أمّا مصطفى الرميد، عضو المكتب السياسي للعدالة والتنمية ذي التوجّه الإسلامي، فرأى أنّه «من حقّ عالي الهمة أن يلعب دوراً سياسياً، لكن شريطة أن لا يستمدّ قوته من علاقته بالملك أو بالدولة». غير أنّه يصعب تحديد أين تبدأ وضعية الملك وأين تنتهي وضعية الدولة، فالتداخل قوي بينهما.
وإذا كان الكاتب الوطني لجبهة القوى الديموقراطية قد وصف المنتمين لحركة الهمة بالانتهازيّين الجاهلين العمل السياسي، مؤكداً أنّ فؤاد عالي الهمة لا يمتلك خاتم سليمان لكي يحلّ الأزمة العميقة التي يمرّ بها المغرب، فقد رأى بيان للحزب الاشتراكي الموحَّد مبادرة الهمة تكراراً لتجارب سابقة أثبت الواقع فشلها، في إشارة إلى جبهة الدفاع عن المؤسّسات الدستورية التي أنشأها سنة 1963 صديق الملك الحسن الثاني أحمد رضا اكديرة، واستخدمت لمواجهة حزب الاستقلال آنذاك، وساهمت في إعلان حالة الاستثناء سنة 1965. ودعا الاشتراكي الموحَّد من جهة أخرى إلى تأسيس تعاقد جديد على أنقاض التناوب الديموقراطي المبني على توافقات 1996، عبر تدشين مرحلة الإصلاحات الدستورية.
ولعلّ الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، دينامو المرحلة السياسية لما بعد الحسن الثاني التي طبعها وهم الانتقال الديموقراطي، بدا من أشدّ المعارضين للبروز السياسي لصديق الملك، فنشرت جريدته ملفّاً عن الموضوع، مستحضرةً نضالات الحزب التاريخية، كما وقفت عند رمزَي الحزب، الشهيد المهدي بن بركة وعبد الرحيم بو عبيد، كنوع من الاحتماء بالرمزية النضالية والتاريخية ضدّ تحرّك سياسي يراه ملتبس الغايات. وشكّك إدريس لشكر، عضو مكتبه السياسي، في مبادرة الهمة، ورآها حركة تأتي في سياق الظواهر المهدّدة «لديموقراطيّتنا الناشئة». الاتحاد الاشتراكي دخل في دوّامة من الاهتزازات السياسية منذ أن وضعته النتائج الانتخابية التشريعية في المرتبة الخامسة، ومنذ أن قبل كاتبه العام حقائب وزارية لم تحفظ للحزب «وزنه السياسي»، ما جعل هذا الأخير محطّ انتقادات دفعت به إلى الاستقالة. وطالب اتحاديّون بضرورة عودة الحزب إلى صفوف المعارضة... ففي هذا السياق من الهشاشة، تصبح مبادرة الهمة نوعاً من «الفوبيا» المزعجة للحزب، التي من الممكن أن تطرح نفسها كمنافس شرس له، أو كما ذهب إلى ذلك المحلّل السياسي محمد الساسي كـ«ضرّة» تنافس الاتحاد في طلب ودّ الدولة ليس إلّا.
صحيح أنّ الأحزاب لا تنشأ بقرارات فوقية، خاصة إذا كانت تستهدف الناس وترنو إلى تعبئتهم، إلا إذا كنّا بصدد استمرار تقاليد سياسية لا علاقة لها بدولة المؤسّسات والتعدّدية المبنيّة على المنافسة، تستثمر القرب من المخزن (الذي اعتقد حزب الاتحاديين سابقاً أنه مات)، وتعيد إحياء دور الكاريزما في الممارسة السياسية بعدما دخلت مرحلة الموت البطيء مع الأحزاب التاريخية... اللهمّ إلا إذا تعلّق الأمر بكاريزما تعتمد على شرعية «ملك الفقراء»، وتلك حكاية أخرى.

* صحافيّة مغربيّة