لا أحد يعرف بالضبط كيف ولدت الرواية، ولكنّ العديد من المحللين والكتاب (والسياسيين والمسؤولين) باتوا يتعاملون مع مشروعٍ مفترض لنقل الغاز القطري الى اوروبا بالأنابيب، عبر سوريا ودولٍ أخرى، على أنّه حقيقة؛ بل إنّ البعض صار يحلّل الأحلاف في المنطقة والحرب في سوريا معتمداً على نظرية "انبوب الغاز" والطريق الى اوروبا. الأساس الوحيد للموضوع، في عالم الواقع، هو تصريحٌ مقتضب أدلى به الأمير القطري السابق في آب 2009، اثر لقاء مع القادة الأتراك في مدينة بوردروم الساحلية يقول فيه، في إطار حديثٍ أوسع عن التعاون في مجال الطاقة، إنّ بلاده متحمّسة لفكرة أنبوب يربط قطر بتركيا، و"سيتمّ تأليف لجنة عمل" لدراسة الموضوع "والخروج بنتائج واقعية في أقرب وقتٍ ممكن".

بالطّبع، لم يسفر الأمر عن أي "نتائج" ولم نسمع بالموضوع مجدداً؛ ولم تحصل الاتفاقات والمفاوضات والدراسات التي تسبق مشروعاً بهذا الحجم (والتصريحات التفاؤلية التي يدلي بها رؤساء الدول في القمم واللقاءات لا تعدو، في كثير من الحالات، أن تكون لطفاً دبلوماسياً، والّا لكانت بلاد العرب اليوم تزخر بالمشاريع المشتركة والصناعات وسكك الحديد). غير أنّ الغريب في هذه الحالة هو أنّ القصّة قد جرى تلقّفها بعد بدء الحرب في سوريا، وتعددت التحليلات التي ترتكز عليها، حتى ضاع أصلها وصار صحفيون عرب وأجانب (كبيبي اسكوبار) يستخدمونها لتفسير الصراع على المنطقة كتنافسٍ بين أنبوب قطري الى اوروبا وآخر ايراني الى المتوسّط (الثاني، على الأقل، هو مشروعٌ فعليّ وقد تمّ الاتفاق عليه بين ايران والعراق وسوريا؛ ولولا الحرب، لكان اليوم حقيقة).
فكرة انبوب الغاز القطري هي طرح غير واقعي قبل أن تكون خبراً اعلامياً جرى تضخيمه، ولو قارب أحدهم المشروع بالمعنى العملي، لكانت سوريا أبسط عقباته. قبل الحسابات الاقتصادية، وصعوبة الاتفاق مع عددٍ كبير من الدول التي يفترض أن يمرّ الأنبوب بها، وفكرة أن قطر تصدّر الغاز بالفعل الى اوروبا بشكله المسال، فإنّ المسألة سياسية في العمق، وهي تعكس في ثناياها جانباً مهماً من وجوه النظام الذي أنشأته اميركا في منطقتنا.
العقبة الأولى والأساس أمام أيّ انبوب غازٍ قطريّ هو السعودية. ولو كان البلدان يملكان مقداراً من الثقة بينهما ورغبةً في التعاون، لما اضطرّت قطر أصلاً الى بناء مشاريع التسييل المكلفة، ولا سعت خلف السوق الأوروبية، بل أنّ دول المنطقة نفسها (في عالم "عقلاني") كانت ستستهلك الغاز القطري بأكمله وتشتري أكثر انتاجه. السّعوديّة تحتاج الى كميات كبيرة من الغاز، والامارات تحتاج الى الغاز، والكويت والعراق والأردن ولبنان؛ والغاز القطري ــــ لأنه وفير وسهل الاستخراج بشكل استثنائي وقريب جغرافياً من هذه الدول ـــــ قد يكون أرخص وأوفر حتى من البديل المحلّي. ولكن، في العالم "الحقيقي"، لا الدوحة تجرؤ على جعل السعودية ممراً لشريانها الحيوي (فيصير تحت خطر القطع كلما اختلف البلدان على موضوعٍ اقليمي، أو انتقد السعودية ضيفٌ على "الجزيرة")، ولا الرياض تقبل بأن تضع نفسها في حالة اعتمادية تجاه الغاز القطري، مع كل النتائج السياسية التي تستجلبها هذه الوضعية.
العامل الأهمّ يتلخّص في أنّ هذه الاستخدامات الإقليمية، وان كانت منطقية من الناحية الاقتصادية، فهي ليست الوظيفة المحددة لغاز قطر، ولا هي السبب الذي قامت، من أجله، أكبر شركات العالم ودوله باستخراج هذا الغاز من تحت مياه الخليج. من يؤمن بخرافة "الأنبوب القطري" قد يصدّق أنّنا نعيش في منطقةٍ تملك دولها النفطية سيادةً على قرارها ومواردها، وتخطط لمشاريع في محيطها، ولديها خطط ورؤى استراتيجية. الغاز القطري، كالنفط السعودي، يلعب دوراً على رقعة الطاقة العالمية، ودوره هذا يتم التخطيط له "من فوق"، وانتاجه يهدف لتلبية حاجاتٍ تبعد آلاف الكيلومترات عن المنطقة (ولا علاقة لهذه الحسابات، بالطبع، بمصلحة الشعب القطري أو السعودي ورفاهه، ناهيك عن مصلحة العرب).
خرافة من هذا النوع تخفي القصّة الحقيقية للغاز القطري، وهي تستحقّ أن تروى، وبدايتها كانت مع محاولات الولايات المتحدة ـــــ أيّام بيل كلينتون ـــــ إيجاد مصادر للطاقة يوفّرها حلفاء، تضعف حاجة اوروبا الى الغاز الروسي، وتغني اليابان وكوريا الجنوبية عنه. وقد تجلّى النجاح الأكبر في هذا المضمار في توقيع اتفاقية انبوب "نابوكو"، التي كانت تعني اختراق المجال "السوفياتي" في العمق، ومدّ أنبوبٍ لمنافسة الغاز الروسي عبر بلدين سوفياتيين سابقين (جورجيا وأذربيجان)، أصبحا عملياً محميتين أميركيتين (والمشروع، مثل مشاريع الخليج، هو استراتيجي وسياسيّ في العمق، ولو كان في واجهته شركات تجارية، وتقول هيلاري كلينتون بوضوح انّه "قد تمّ تبنيه من قبل الولايات المتحدة من أجل خدمة حلفائنا في الناتو").
هذا الدّور الذي يلعبه النفط والغاز العربي في النّظام العالمي لا يجوز أن يظلّ الغائب الأكبر عن نقاشنا السياسي، وهذا الدور هو السبب الوحيد لاستخراج الغاز والنفط من قطر والسعودية وغيرها، ولعلّه علّة وجود هذه الدول والأنظمة أساساً. تعبير "ثقافة غاز" و"مثقفي نفط" ليست ذمّاً أو اهانة، بل توصيفاً صادقاً لما ينتجه "نظام الطاقة" هذا، الذي يبدأ في واشنطن وينتهي في "حقل الشمال". المشكلة هي أنّ من ينهل من هذه "الثقافة" هو آخر من يحلّل مصادرها، ويسقط الاقتصاد السياسي للنفط من تنظيراته عن المنطقة، ولو كانت معامل التسييل على بعد كيلومتراتٍ عنه.
بدلاً من أن ينطلق أي تحليل في الإعلام الخليجي من العامل الذي أوجد هذا الإعلام والثقافة، وأعطاه دوره ومهامه وانحيازاته، أي النفط والنظام الأميركي، يتكلّمون عن أيّ شيء لتجنّب الموضوع المركزي والتغطية عليه، ويتبنّون أي منطلق ايديولوجي لاصطناع أساسٍ أخلاقيّ بديل (ليبرالي، اسلامي، طائفي، أخلاق ومثاليات، لا يهمّ). نجد هنا، بالتحديد، المثال الأعلى للنظرية التي "تجهل نفسها" والمثقّف الذي ينزّه نفسه عن وظيفته ومنبعه، فيصبح من المفيد، بالمعنى الفكري والعلمي، تذكيره بهما.