ورد كاسوحة *

لم تكد تنقضي سنوات ثلاث على التحرّك الجماهيري الذي خرج ليشكر النظام في دمشق على «إنجازاته» في لبنان، حتى بدأنا نسمع أصواتاً منفردة ومنشقّة (بالمعنى الأخلاقي للانشقاق)، تطالب أطراف هذا الحلف الممانع بمراجعة أدبياتهم وحساباتهم، وبإعادة الاعتبار أكثر فأكثر لنهج في المعارضة لا يستسهل الركون إلى معايير سلطوية سائدة ومبتذلة، إن من حيث التحاصص الطائفي والمذهبي، أو من حيث المشاركة البائسة في سلطة لا تحكم ولا تملك من أمر سلطتها شيئاً. نهج يطمح لأن يكون من خارج الانقسام العمودي والأفقي الحاصل في بنية المجتمع اللبناني بين معسكري 8 و14 آذار المفلسين أيّما إفلاس، أي أن يمثّل طموحاً حقيقياً للاعتراض على النهج السلطوي والاستئثاري الطوائفي القائم في هذا البلد منذ اتفاق الطائف، والمتفاقم بحدّة منذ إصدار القرار 1559 واغتيال رفيق الحريري. وغاية هذا التيار الذي لا يمثّل للأسف الشديد إلا بضعة آلاف من اللبنانيّين الخارجين على طوائفهم (لأسباب موضوعية تتصل بحال الاهتراء اليساري والعلماني السائدة) هي إعادة إنتاج السلطة في لبنان على نحو يحرّرها من ربقة التحالف المافيوزي القائم بمعية سلطة الوصاية البعثية السابقة بين الحلف الريعي النفطي السعودي (تيّار المستقبل)، وأمراء الحرب والميليشيات والإقطاع الطوائفي الشيعي ـ الدرزي المشترك (حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي).
والحال أنّ هؤلاء اليساريّين الممانعين والمنتمين في معظمهم إلى الحزب الشيوعي اللبناني، وحركة الشعب، قد آثروا ولو إلى حين، تحييد التقائهم الموضعي مع تحالف 8 آذار عن النقاط الخلافية المتفجرة وترحيلها قليلاً، كي لا يتركوا مجالاً لأقرانهم في 14 آذار للّعب على تناقضات الحالة اللبنانية الممانعة للمشروع الكولونيالي الأميركي في المنطقة، وبالتالي النفاذ عبر هذه التناقضات إلى قلب المشروع الممانع والعمل على تقويضه من الداخل، بعدما فشلوا فشلاً ذريعاً في إسقاطه من خلال الخارج، إن لجهة المراهنة المباشرة على العامل الإسرائيليي في كلّ من: حرب تموز 2006 واغتيال عماد مغنية، أو لجهة الإفراط في الاعتماد على الدعم الأميركي المباشر، كما تجلّى أخيراً في استقدام المدمّرة «كول»، واستقرارها في المياه الإقليمية اللبنانية.
إلا أنّ هذا الحرص اليساري المفرط على ديمومة الحالة الممانعة بأطيافها المختلفة والمتعدّدة، لم يمنع تلك التيارات العلمانية وذات النزوع التغييري الراديكالي من الركون إلى سياسة النقد الذاتي والمستمر والمنهجي لتحالف 8 آذار، وخصوصاً في ما يتعلق بصلاته الوثيقة والإشكالية مع النظامين السوري والإيراني. إذ لا يمكن في حال من الأحوال وتحت أي ذريعة كانت، إغفال الخطأ المركزي والتأسيسي الذي قامت على أساسه في البداية فكرة 8 آذار، والمتمثّل في الردّ على رطانة ورداءة الخطاب «السيادي» المناوئ لنظام البعث برطانة أخرى لا تقلّ بؤساً وسوءاً عن سابقتها. فقد تمّ تحت عنوان فارغ وسطحي (شكراً سوريا)، التغاضي عن حقبة كاملة من الفساد وإعطاب المؤسّسات وضرب الحركة النقابية وشلّ الأحزاب... وإن أتت هذه الحقبة «بإنجازات» لا يجوز إغفالها مثل: توحيد الجيش، فرض الأمن والاستقرار، تحرير الجنوب... لكن في ظلّ الوضع القائم حينها، يمكن القول وبكثير من الصراحة والمكاشفة إنّ هذه «الإنجازات» كانت لتنال إجماعاً أكبر وتحوز قدراً يسيراً من التبجيل لو لم يكن الأداء الأمني والعسكري السوري بالتواطؤ والتنسيق مع الحلفاء اللبنانيّين على تلك الدرجة من الانحطاط السياسي والأخلاقي.
بيد أنّ علاقة الممانعة اللبنانية بالنظام الإيراني ترتدي شكلاً مختلفاً عن تلك التي تربطها بسوريا وذلك بحكم الافتراق الجغرافي والانقطاع التاريخي والسياسي. وهذان أمران لم يحولا على أية حال دون استفادة قوى الممانعة في لبنان من الفائض المالي والعسكري واللوجستي الذي تنطوي عليه الحالة الإيرانية «المناهضة» للمشروع الأميركي في الشرق الأوسط، وإن كانت مناهضة مصحوبة بكثير من التوجس والريبة والشكوك في ما يتعلق بسلوك إيران المهادن للاحتلال الأميركي في كل من العراق وأفغانستان.
وما يزيد الطين بلّة، هو موقف «حلفاء» إيران في جبهة الممانعة من هذا السلوك المريب والمتناقض والغامض إلى أبعد الحدود، إذ لم نسمع يوماً من هؤلاء الممانعين موقفاً ينتقد ولو بشكل خجول الأداء الإيراني السلبي للغاية في كل من العراق وأفغانستان!
وإذا ما أراد المرء الابتعاد قليلاً عن القراءة الحادّة والمصحوبة بنزق عاطفي للحالة الإيرانية في العراق وأفغانستان ولبنان وفلسطين، فليس أفضل من التحليل بعقل بارد طريقاً وحيداً لاستكناه طبيعة هذا الدور المركَّب والمعقّد الذي تلعبه إيران هذه الأيام. إذ من غير المعقول مطالبة دولة إقليمية كبرى وذات مصالح متشعّبة كإيران، بالكفّ عن التدخّل في شؤون المنطقة ما لم تكن هناك استراتيجية عربية قادرة على ملء الفراغ الذي نجم عن انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، وهو الأمر الذي كثيراً ما أهملته أدبيات 14 آذار السائدة والرثّة، واستعاضت عنه وعن تعليله
المنطقي باستحضار خطاب ميتافيزيقي ومفارق تماماً للواقع ولحركة التاريخ. وقد عبر عن هذا الواقع خير تعبير، النائب وليد جنبلاط حينما أخذنا في تصريحاته غير مرّة إلى موقعة «ذي قار» وإلى الصراع العربي ـ الفارسي الرابض في قاع التاريخ، في ما يشبه دعوة علنية منه ومن حلفائه في السعودية ومصر والأردن وسائر منظومة الاعتدال العربي إلى الافتراق عن حالة العداء المقيم والتاريخي مع إسرائيل والكولونيالية الأميركية واستبدالها بحالة مفتعلة وزائفة من العداء مع النظام في إيران، وهو نظام يبقى رغم طبيعته الأصولية المتشددة وصبغته المذهبية
المفرطة وعدائه لمنطق العلمنة والتحديث ومطامعه الإقليمية المستجدة بعيداً جدّاً عن المنطق العدواني والتوسّعي والعنصري والاستيطاني الذي تقوم عليه إسرائيل.
قد يبدو هذا الوجه الإشكالي من وجوه تحالف 8 آذار (العلاقة المبتذلة مع النظامين السوري والإيراني) مجرّد تفصيل إذا ما قُورِن بوجوه أخرى أكثر أهمية ورصانة كالرؤية الاستراتيجية للصراع مع إسرائيل والموقف المبدئي من غزو العراق ومن المشروع الكولونيالي الأميركي في المنطقة، لكن الذهاب أبعد قليلاً في استقراء العلاقة التي تربط قوى الممانعة في لبنان بكلّ من سوريا وإيران يجعل المرء متيقّناً من أن «تفصيلاً» كهذا يمكنه مستقبلاً أن يحسم وجهة الصراع في المنطقة لمصلحة جبهة الممانعة، شريطة أن تكون العلاقة التي تربط بين مكوناته أكثر ندية، أي أن تكون المكونات «الأنتي دولتية» في هذا الحلف كحزب الله وحلفائه القوميّين والإسلاميّين أكثر قدرة على المناورة، وهذا يعني قدراً أكبر من الإرباك في صفوف العدو الإسرائيلي، مثلما باتت عليه حاله هذه الأيام بعد مجموعة من الضربات المؤلمة والموجعة، ابتداءً بحرب تموز 2006، وانتهاءً بالعملية الاستشهادية المباغتة في القدس الغربية قبل أيام.
لا شكّ بعد هذه المطالعة في أنّ الوجهة الاستراتيجية التي يسير على هديها تحالف 8 آذار هي أكثر تماسكاً وثباتاً بما لا يُقاس من الوجهة التي يتّخذها صراعه على السلطة مع أفرقاء 14 آذار. والمشكلة هنا ليست محصورة في أطراف 8 آذار أو 14 آذار، بل تتعدّاهما معاً إلى بنية النظام الطائفي المتهتّكة والمهترئة، التي تعيد إنتاج نفسها كل مرّة بشكل جديد ومختلف، بحيث لا يعود هناك من مكان لقوى طامحة إلى التغيير وقلب الواقع السلطوي القائم بفعل الغلبة والهيمنة الطائفية والريعية والاستخبارية. لذلك ليس من قبيل المبالغة في شيء القول إن حال الاستعصاء اللبنانية الراهنة، واستنفاد التسويات الممكنة سوف تبقى مستمرّة وبنجاح منقطع النظير، ما لم تحصل اختراقات على كلا المحورين التاليين: إيقاف زحف المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي بملحقاته العربية «المعتدلة» من جهة، وإعادة إنتاج طبقة سياسية جديدة في لبنان غير مرتبطة لا بالوصايات الإقليمية والدولية المتنقلة من سوريا إلى أميركا إلى إيران إلى السعودية، ولا بالاقتصاد الريعي النفطي المدمّر للبنية الإنتاجية الحقيقية في لبنان من زراعة وصناعة.
وإنتاج هذه الطبقة السياسية مشروط بالضرورة بالآتي:
- تفكيك التحالفات السياسية الحالية (8 و14 آذار) التي، من فرط ابتذالها وابتذال شعاراتها لم تعد تعني شيئاً أو تفضي إلى شيء.
- المراهنة على قوى سياسية من خارج الطبقة المهترئة التي كرّستها الوصاية المشتركة الأميركية ـ السورية في اتفاق الطائف، وليكن تجمّع القوى اليسارية المزمع عقده في الأونيسكو بعد أيام بدعوة من الحزب الشيوعي اللبناني مثالاً عن هذه القوى التي يشفع لها رغم «تقليديّتها» وانحسار تأثيرها وتخبّطها وسيرها على غير هدى، عدم تورّطها في مافيات الفساد والإفقار التي حكمت لبنان في حقبته البعثية، وضمّت بين صفوفها ـ أي المافيات ـ حينها «نخبة» من أولئك الذين ينوون مجدّداً بيع اللبنانيين بضاعة كولونيالية فاسدة ومستهلكة تحت عنوان: «ربيع بيروت 2008». وعسى ألا يكون هذا العنوان الزائف وصفة جديدة لإفساد ما بقي من ربيع بيروت الحقيقي. بيروت المناهضة للاستبداد والديكتاتوريات العربية على أنواعها، لكن أيضاً الممانعة للإمبريالية والكولونيالية الجديدة القادمة إلينا على متن الأساطيل والمدمّرات الأميركية، وهذا أمر ثانوي على أي حال وغير جدير بلائحة الشرف الاحتفالية «الكبيرة» التي خصّها «منظّرو» 14 آذار بمؤتمر صحافي «خاص» و«استثنائي» للغاية. وبين أولئك «المنظّرين»، كثير من اليساريّين التائبين، الذين يجدر بهم بدلاً من التوجّه إلى البريستول حيث معقل اليمين اللبناني الجديد والمفرط في تطرّفه، الذهاب إلى مصالحة رفاق النضال والكفاح في الأونيسكو.
* كاتب سوري