ياسين تملالي


غطاء إيديولوجي لتشريع تصفية حركات التحرّر الوطني
خصّصت مجلة «نقد» آخر أعدادها الصادر حديثاً لنشر نصوص محاضرات ألقيت في مؤتمر دولي عُقد في باريس من 2 إلى 4 تشرين الثاني 2007، تحت عنوان «الرعب والإرهاب»، وشارك فيه باحثون من أوروبا وآسيا وأميركا الجنوبية والمغرب العربي.
وتتّسم هذه المحاضرات بتنوّع الزوايا التي تطرّقت من خلالها إلى هذا الموضوع. أمّا ما يوحّدها، فهو نظرتها الانتقادية للخطابات السائدة إعلامياً عن «الإرهاب» وعن «الحرب» المعلنة عليه، وكشفُها الطابع التبسيطي والتجاري أحياناً لهذه الخطابات وكذلك ما ترمي إليه من تبرير للسياسات العدوانية والإمبريالية.
وقد قسّم الناشر محتويات العدد إلى أربعة أقسام، خصّص أوّلها «للرعب في تاريخ المجتمعات»، وثانيها «للتوظيف السياسي لمفهوم الرعب»، وثالثها «للآثار غير المتوقّعة للحرب على الإرهاب»، ورابعها للرعب كبضاعة إعلامية.
يقول المؤرخ دحو جربال مدير «نقد» في توطئته لهذا العدد الخاص: «الرعب واقع يومي. قد يكون سببه انعدام الأمن أو حدوث كوارث طبيعية... إنّ تعدُّد مظاهره هو بالذات ما يفرض علينا تمييز مختلف أشكال الإرهاب، وخاصة أن بعضهم اليوم يحاول طمس اختلافاتها باستعمال معمّم ونمطي لهذا المصطلح الغائم».
ونقرأ في القسم الأول من العدد مقالاً طويلاً لرانابير سمدار (جامعة كلكوتا) بعنوان «الفلسفات والأفعال في زمن الإرهاب»، شرح فيه كون الرعب وسَمَ التاريخ الإنساني في كل حقبه، سواء نعتتْ هذه الحقب «بالمرعبة» ــــ كما هي الحال بالنسبة إلى إحدى فترات الثورة الفرنسية ــــ أم لا. المهم إذاً هو معرفة الأسباب التي تؤدي إلى وصف حقبة معينة دون سواها بوصف الإرهاب، وفهم خصوصية الإيدولوجيا التي مكّنت من إضفاء طابع الشرعية على الرعب الذي ميّز هذه الحقبة أو تلك. يقول الباحث: «استند الرعب في التاريخ البشري إلى فلسفات جدّ متباينة». من هذا المنطلق، فإن الأشكال التي يتخذها منتجات تاريخية لا تجليات مختلفة لظاهرة لاتاريخية تتجاوز الزمان والمكان.
وتحلّل مقالات القسم الثاني الاستخدامات السياسية لمصطلح «الإرهاب» وما ينتج منها من نزع لطابع التسييس ــــ وبالتالي الشرعية ــــ عن الكثير من القضايا العادلة. وأكثر هذه الاستخدامات شيوعاً هو وصم الحركات التحررية بالإرهاب (حركة التحرير الفلسطينية) وتبرير عدوان القوى العظمى على دول شرعية الوجود بتهمة تمويلها الإرهاب العالمي أو ممارسته (العراق).
ويحلّل أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية، عبد الغني عماد، في مقاله «بين المقاومة والإرهاب والجهاد» قرار مجلس الأمن رقم 1373 الصادر في 28 أيلول 2001 ، أي بعد أسبوعين من تفجير برجي التجارة في نيويورك: «أدان هذا القرار هجمات واشنطن ونيويورك الإرهابية (...) إلا أنه تجاهل الأسباب الحقيقية للإرهاب، وأشار إلى أن دافع تزايد الأعمال الإرهابية هو التعصّب والتطرف، دون الإشارة إلى العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية المولّدة للتعصب والتطرف». ويضيف الباحث شارحاً المنطق الانتقائي لهذا القرار: «أكد الحق الراسخ للفرد والجماعة في الدفاع عن النفس كما هو معترف به في ميثاق الأمم المتحدة، إلا أنه أغفل في الوقت ذاته حق تقرير المصير وحق مقاومة الاحتلال، وهما من الحقوق الراسخة التي أكّدها نفس الميثاق». هذا، وليس إغفال حق المقاومة في القرار المذكور ذا دلالة في حدّ ذاته، فلم تكن تلك أوّل مرّة ينسى فيها نصّ أممي حق الشعوب في الدفاع عن نفسها. ما هو ذو دلالة في هذا القرار كونه ترسيماً لامباشراً لنظرة جديدة لحركات التحرر الوطني، نظرة تمكّن القوى العظمى من محاربتها تحت المظلة الأممية بذريعة لجوئها إلى العنف.
وتركّز مقالات القسم الثالث على دراسة «الحرب على الإرهاب»، في ما لها من نتائج غير نتائجها العسكرية المباشرة. ومن هذه النتائج توسّع مفهوم «حالة الاستثناء» في العديد من «الدول الديموقراطية»، وتحوّلها، كما يقول ديدي بيغو في مقاله، إلى إحدى معطيات الحياة السياسية المعاصرة، حتى في أكثر الدول استقراراً. من هذا المنطلق، فإن ممارسات الجيش الأميركي في معتقلَي غوانتانامو وأبو غريب ليست «انتهاكات» بقدر ما هي «وجوه جديدة لحكم جديد». لم تعد حالة الاستثناء إذاً، بما تعتمد عليه من تهويل «لخطر الإرهاب» مجرد ذريعة لحرمان بعض الأقليات حقوقها (المسلمون في الولايات المتحدة)، وجعلها هدفاً مشروعاً لريبة أجهزة الاستعلامات. لا، أصبحت حالة الاستثناء وسيلة تبرّر بها كلّ الممارسات غير الليبرالية، أي بعبارة أخرى وسيلة تحكّم في أوجه حياة المجتمعات حتى في أقلّ مظاهرها اتصالاً بمسألة «الإرهاب العالمي».
تحول «الإرهاب» في عالمنا إذاً إلى بضاعة سياسية تمكّن بعض الدول من بسط هيمنتها على دول أخرى، وبعض الحكومات من التشكيك في شرعية حركات تطالب بحقوق تعترف بها المواثيق الدولية، كحقّ مقاومة الاحتلال مثلاً. ماذا عن الرعب كبضاعة تجارية محضة؟ هذا هو ما يتطرّق إليه القسم الرابع من «نقد». ولا يتردّد إيفايلو ديتشاف، أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة صوفيا في مقاله «مسرح الإرهاب»، في الحديث عن تكوّن «اقتصاد خوف» يعتمد على تهويل مخاطر الإرهاب، وعلى استبدال مخاوف البشر الحقيقية، الناتجة من تجاربهم الشخصية، بمخاوف متخيّلة مصطنعة. ويقدم إيفايلو ديتشاف إحصاءات بليغة نشرتها صحيفة «ديلي ميرور» البريطانيّة عن أكثر الأخطار المميتة التي يتعرض لها الإنسان في عالمنا الحديث المليء بالحوادث. وممّا تثبته هذه الإحصاءات، هو أن احتمال الموت في هجوم إرهابي هو واحد من 9،3 ملايين، أي إنّه أقلّ إمكاناً بأربع مرات من الموت سقوطاً عن السرير مثلاً. بالرغم من ذلك، فإن ملايين البشر يخشون الموت في «تفجيرات إرهابية» أكثر من خشيتهم الحوادث المنزلية الأكثر حدوثاً. وتفسير ذلك، يقول الكاتب، أن «اقتصاد الخوف لا يرتبط مطلقاً بمعرفتنا العقلانية للعالم»، بل يرتبط بمدى تدخّل الإعلام في تصورنا لهذا العالم.
* صحافي جزائري






العنوان الأصلي
الرعب والإرهاب ـ
الدولة والمجتمع
الكاتب:
مجموعة كتّاب
الناشر
مجلة الدراسات
والنقد الاجتماعي