strong> يسار أيوب *


لا يبدو أنّ السلطة الفلسطينيّة، ممثّلة برئيسها ومعاونيه، ستقدم على اتخاذ خطوات جوهرية في مجرى المفاوضات مع إسرائيل، ولا حتى مجرّد التقليل من الظهور الإعلامي المشترك بين الجانبين، وخصوصاً بعدما أخذ التصعيد العسكري ضدّ قطاع غزّة مدى واسعاً لم يشهده منذ الانسحاب الإسرائيلي إلا مرّات قليلة.
ويبدو أنّ ما يشجّع عباس على ذلك هو الفكرة التي تربط الضربات الإسرائيلية المتتالية للقطاع بإضعاف حركة «حماس»، تلك الحركة الانقلابيّة برأيه، وأنّ الصواريخ البدائية الفلسطينية هي السبب الرئيس الذي يجب أن يوضع له حدّ قبل الطلب من إسرائيل وقف عدوانها وصواريخها المتطوّرة (ذكيّة كانت أو غبيّة).
من هنا، لا بد للمعارضة الفلسطينية أن تتّخذ، ربما، خطوات جوهرية تعيد لها تأصيلها كقوى سياسية فاعلة لا تمثّلها السلطة الفلسطينية التي رمت بمنطق المقاومة خلف ظهرها، ولا تمثّلها م. ت. ف التي أصبحت هيكلاً نظرياً مفرغاً من محتواه الثوري كائتلاف لقوى الثورة الفلسطينية، وخصوصاً بعدما قُذف بمقرّرات «حوار القاهرة» بين الفصائل الفلسطينية عام 2005 إلى آخر أولويات السلطة، وبالذات البند المتعلّق بإعادة بناء أو هيكلة م. ت. ف. على أسس جديدة.
المعارضة الفلسطينية، ومنذ أمد بعيد، تقوقعت في «اللابرنامجيّة» التي دفعتها غالباً لمواقف معارضة عدمية لمركز القرار الفلسطيني (رئاسة م. ت. ف.) دون القدرة على ترجمة معارضتها إلى برنامج استراتيجي وتكتيكي كامل يؤكّد رؤيتها السياسية التي تعارض من منطلقها. أي أن هذه المعارضة اختارت الانزواء عن الفعل وممارسة ردّ الفعل كسياسة ملازمة لها، ما أفقدها القدرة على تسلّم زمام المبادرة الوطنية في اللحظات التاريخية الدقيقة العاصفة التي مرّت بها مسيرة القضية الفلسطينية ومسار المنظّمة.
وتاريخ فشل المعارضة على الدوام يشي أوّلاً بقصور منهجي وبرنامجي تعاني منه قبل أن يكون نتيجة لعوامل موضوعيّة خارجة عنها كتسلّط أو مركزة شديدة في القرار الوطني الفلسطيني الذي يتقاسمه عدد من الأشخاص كمجموعة ترأّست الهرم السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتنظيمي للشعب الفلسطيني من خلال موقعها في م. ت. ف. والسلطة الوطنية عامة، وحركة «فتح» بصفة خاصّة.
ويبدو لي واقعيّاً أنّ التيار الإسلامي وحركة «حماس» بصفة خاصّة هي المؤهّلة أكثر من غيرها من القوى الفلسطينية لتسلم زمام قيادة المعارضة. كما كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين خلال أكثر من عقدين. غير أن «حماس» ولكي لا تقع نهائياً في تاريخيّة الفشل، مضطرّة لمجموعة من الخطوات التي لا بدّ منها كي تتحوّل معارضتها إلى ما يمكن القول عنه «معارضة مثمرة» تستطيع طرح رؤاها السياسية في المسائل المصيرية عبر خطاب لا يضعها في الدائرة العدمية التي أنتجت خطاباً فلسطينياً كان مفاده «الكلّ أو الكلّ» في كل شيء وبالنهاية لم يحصد غير الهباء.
إن «حماس» مدعوّة اليوم للعمل على عدة محاور لبلورة حركة معارضة وطنية شاملة تكون هي عمودها الفقري وفق صيغة تتيح لها أن تعارض من منظور وطني عريض لا من منظور حركي فئوي ضيّق. وهذه المحاور لا ينبغي لها التوقّف عند المقاومة والمقاومة السياسية وسياسة المقاومة، بل ربما كان من المهم أن تتناول نواحي أخرى قد يكون أوّلها العمل على برنامج اجتماعي واقتصادي موجّه إلى الشعب الفلسطيني الموجود في الداخل أساساً، ثمّ في الخارج بمرتبة ثانية. وقوام هذا البرنامج العمل على وضع رؤية اقتصادية لتحسين حالة الاقتصاد الفلسطيني وتوضيح إمكانات انتقاله من حالته الريعية، واعتماده الأساسي على المساعدات الأجنبية المشروطة أو غير المشروطة، إلى اقتصاد إنتاجي صناعي وزراعي (حتى لو كان بدائياً). وبذلك يمكن العمل على تقديم وجهة نظر تساعد في تحسين الوضع المعيشي للكثير من الفلسطينيّين الواقعين تحت خطّ الفقر. ويمكن ربط الفلسطينيّين في الخارج بمشاريع اقتصادية تهدف إلى إنعاش حالتهم الاقتصادية، وخصوصاً أولئك الذين يعيشون في دول تعاني أساساً من حالة اقتصادية مزرية. إن تقديم رؤية اقتصادية متطورة كهذه ينبغي أن تترافق بالتأكيد، على مبدأ سيادة القانون (على الأقل في غزة الآن)، وترسيخ مبدأ المساواة أمامه، والقيام بحملة محاسبة شاملة تبدأ بتقديم عناصر «حماس» الذين تجاوزوا الأصول القانونية في التعامل مع المواطنين، وصولاً إلى الذين ارتكبوا جرائم بحق الشعب وأفراده خلال أحداث السيطرة على غزة وما قبل وما بعد.
ويجب على الحركة أن تعمل (أيضاً على الأقل في غزة) على محاولة تنظيم علاقات تقترب ولو قليلاً من مبادئ المواطنة، وتحدّ ولو قليلاً من تأثيرات بنى وانتماءات تقليدية وأنماط اجتماعية تصنَّف على أنها تشكيلات مجتمعات ما قبل الدولة الحديثة (كالعائلية والعشائرية) دون السماح للانتماءات الحزبية الحديثة بأن تنحدر نحو سابقاتها، ودون أن تكون ملاذاً لمن يريد الخروج عن النسق القانوني محتمياً بحزبه أو فصيله.
كما أن «حماس» مدعوة أيضاً للوصول إلى برنامج تنظيمي ـــــ سياسي ينظّم علاقاتها مع الفصائل الأخرى المعارضة ويسمح لها بالتعبير بحرية عن أهدافها، وصولاً إلى صوغ برنامج استراتيجي شامل يعتمد رؤية سياسية واضحة ويتضمّن القدرة على ترجمتها بمبادرة أصيلة. فهي (أي حماس) مدعوة لصياغة علاقاتها ضمن تحالف سياسي مع قوى المعارضة الأخرى وفق قواعد ديموقراطية توافقية دون محاولة تكرير تجربة م. ت. ف. وسيطرة «فتح» عليها التي أنتجت نمطاً من العلاقات، مبنياً على التبعية والاستزلام والاسترزاق على مستوى الفرد كما على مستوى الفصيل.
و«حماس» في تمسّكها بعدم القبول بانتخابات تشريعية مبكرة ينبغي لها أن تؤسّس هذا الرفض على قاعدة إشراك الأطراف الأخرى فيه دون أن يكون مجالاً لابتزازات سياسية وعطايا مالية وتنظيمية. وبذلك فهي مطالبة بتوضيح رؤيتها الشاملة لعمل المجلس التشريعي، وولايته، وصلاحياته، وبنيته، ومدى تمثيله، وما هي الظروف التي تسمح بانتخابات تشريعية مبكرة، ونقل هذه الرؤية إلى شركائها في المعارضة ليشكّل أرضية لرؤية مشتركة بينها، وبالتالي الخروج من المنطق الأمني إلى المنطق السياسي في خلافها مع «فتح» وسيطرتها على القطاع. غير أن «حماس» في البرنامج التنظيمي المقترَح لترتيب فضائها المحلّي لا يمكن لها أن تستمرّ في ممارسات أحادية باعتبارها صاحبة الأغلبيّة التشريعية والشعبية، بل عليها أن تفصح عن قناعة لديها بمبادئ التوافق بين القوى السياسية الفلسطينية. وهذا ما لن يتمّ إذا تمسّكت «حماس»، في خطواتها السياسية، بالمنطق العددي على ما شاهدناه في المؤتمر الوطني الفلسطيني الذي انعقد في دمشق أواخر الشهر الماضي الذي خلط بين القوى السياسية ومنظّمات حق العودة المنضوية تحت مسمى منظمات المجتمع المدني والشخصيات المستقلّة في خلط واضح بين مهمات كلّ فئة، بهدف حشد أكبر عدد ممكن من المشاركين.
ويبقى الموقف من م. ت. ف. وتفعيل مؤسّساتها وإعادة هيكلتها بغية إشراك الفصائل غير المنضوية فيها كـ«حماس» والجهاد الإسلامي، وإعادة تمثيل القوى الأخرى التي خرجت منها بعد المجلس الوطني السادس عشر في 1983 والنظر إليها باعتبارها كياناً يمثّل ويحفظ وحدة الشعب الفلسطيني في مختلف أماكنه، وباعتبارها وطناً معنوياً يتّسع للجميع بعد القيام بمراجعة جوهرية في الأسس التي قامت عليها، يبقى موقف «حماس» منها مثاراً للجدل. وعليه، ينبغي أن تبني موقفاً واضحاً من المنظمة ليشكّل أيضاً نقطة انطلاق نحو رؤية دينامية مشتركة للمعارضة تجاه المنظمة.
أمّا الشقّ السياسي الذي يجب على «حماس» العمل عليه مع حلفائها في المعارضة فيمكن تلخيصه بالابتعاد عن الخطابات الضبابية في الطرح السياسي بالاعتماد على عبارات عائمة والتركيز على البلاغة والإنشاء. فهي وكلّ فصائل المعارضة مطالبون اليوم ببرنامج سياسي يشكّل قاسماً مشتركاً بين قواها المختلفة ولا يترك فصيلاً معارضاً خارج تحالف المعارضة. والتركيز هنا على وجوب النصّ بوضوح على التمسّك بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني بعد توضيح ما هي هذه الحقوق كبداية أولى، كما أن الوصول إلى قاسم الحد الأدنى يتطلّب من هذه القوى جميعاً التنازل لبعضها البعض، وصولاً إلى نقطة التقاء أساسية، يمكن، بالاستناد إليها، بناء مواقف سياسية ورؤى واستراتيجيات وخطط طويلة وقصيرة الأمد تقود الصراع مع إسرائيل كعدو مشترك لكلّ المكوّنات السياسية للشعب الفلسطيني، وبالأخصّ خطط واستراتيجيات المقاومة المسلّحة بما فيها العمليات الانتحارية والصواريخ الفلسطينية، والخطاب السياسي المقاوم والالتزام بهدنة... إلى آخر هذه المواضيع الشائكة فلسطينياً.
وعلى الرغم من تصريح سلام فيّاض باستبعاده التوصّل الى اتفاق نهائي مع الإسرائيليّين خلال العام الجاري، كذلك في دعوة محمود عبّاس لوقف تبادل إطلاق النار في القطاع بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل في تصريح يبدو فيه استعادة لموقعه الأساس كرئيس للسلطة الفلسطينية الممتدّة إلى غزة أيضاً، لا يبدو أن هناك انزياحاً سياسياً ما في الصراع المحتدم بين الحركتين. وبذلك فإنّ تقدم «حماس» نحو تبنّي برنامج شامل للمعارضة (بصفتها معارضة تطمح لسلطة) قد يبدّد «الشربكة» السياسية الحاصلة بين القوى والفصائل الفلسطينية. وتَقَدُّم «حماس» باتجاه تأصيل نظري لمهمات السلطة والمعارضة والمنظمة والمقاومة قد يساعد في بلورة موقف فتحاوي يسعى للاقتراب منها، وموقف عربي جماعي مؤثّر وداعم لها، كما يسهم في إبعادها عن دائرة الاتهامات بالتبعية للقوى الإقليمية (سوريا وإيران) واتهامها بتنفيذ أجندة خارجة عن مصلحة الشعب الفلسطيني.
* كاتب فلسطيني