اكثر من تصرف شخصي واقل من وفد رسمي. لكنها لحظة تاريخية لا يمكن القول معها بالتلقائية او بالاستطلاع ولا يمكن قراءتها في اطار محلي او ثنائي. كانت الازمة العراقية يوماً الفصل الافتتاحي في النظام العالمي الجديد وكانت الازمة السورية بدورها فصلاً افتتاحياً في نظام عالمي جديد آخر. كل نظام عالمي يفرز نظاماً اقليمياً سواء في الاقليم الاوروبي او في اقليمنا. ومن سوء طالع الفرنسيين انهم وفي المرتين اساؤوا استشراف المآل. توقعوا احتمال منع سقوط العراق عام 2003 وتوقعوا حتمية سقوط سوريا عام 2010. دون ان تشهد المرة الثانية وزيراً يمتلك فكرة معينة عن الجمهورية وجرأة تقودانه الى الاستقالة كما فعل جان بيير شفينمان وزير دفاع ميتران عام 1991.


في كل المفاصل يبقى سؤال المعيار الفرنسي ــ الاوروبي واحداً: هل تكمن مصلحتنا في الارتماء في ذيل التنورة الاميركية من دون شروط لنحصل ولو على فتات المائدة؟ ام تكمن في سياسة استقلالية، حليفة لواشنطن ولكن غير تابعة لها، تؤمن لنا مصالحنا؟ هذا الجدل هو مسألة اساسية عابرة للاحزاب، فكل منها يمينياً كان او يسارياً ينقسم حولها وبحدة ولا داعي لتوضيح ان اللوبي الاميركي يتماهى مع اللوبي الاسرائيلي لدعم دعاة الاطلسة. انقسام يشكل لبّ السياسات الخارجية القائمة – خاصة بخصوص الشرق الاوسط والمتوسط - منذ ديغول – اديناور، مع فارق كبير هو ان انهيار جدار برلين جعل تحالف شيراك – شرودر ثلاثياً يضم بوتين. لكن سقوط العراق واكتساح الأمركة للعالم فكك خط موسكو - برلين – باريس، وجاء بساركوزي وميركل والآن هولاند.
المشهد اليوم مختلف. سوريا كذبت التوقعات وصمدت، روسيا ضّمت شواطئ القرم وتمكنت على شواطىء المتوسط (مصر بعد سوريا) أما إيران... إيران عقدة اخيل فمدت نفوذها على الشواطئ والمضائق الاخطر في العالم، وثبتت حضورها في اخطر العواصم العربية... والاهم من كل ذلك انها تكاد توقع اتفاقها مع الاميركي. هذا الاتفاق الذي سيغير وجه العالم.
لا اتفاقيات من دون اثمان سياسية واقتصادية. والاثمان متبادلة. فما الذي سينوب اوروبا، وفرنسا تحديداً منها (بريطانيا استشرفت الامر وحاولت تأمين شيء ما)؟ الام الحنون للبنان ارادت ان تكون الام الحنون للمعارضة السورية و»لأصدقاء سورية» ولعلها نسيت ان العرف الفرنسي ان ينفصل الابن الاصلي عن امه اذا ما بلغ المراهقة فكيف اذا كان ابناً بالتبني ولمجرد الاستغلال او اذا فشل في تحقيق ما تريده منه؟
الآن، اوروبا كلها تخاف وفرنسا تخاف اكثر. حرب العالم اليوم هي حرب الغاز، واوروبا هي رهينة الغاز. الغاز الروسي اولاً، واذا ما ارادت التمرد عليه فسيكون البديل هو الغاز الإيراني بعد رفع العقوبات. او الغاز الاميركي الاغلى سعراً بكثير. اما سوريا ما بعد الحرب فهي المنتج والممر والمفتاح للغاز، وهي ساحة اعادة الاعمار التي يسيل لها لها لعاب المستثمرين الفرنسيين، وهي عقدة المحور الدولي السياسي المقابل للاميركيين. في المقلب الأخر لا انتصار على داعش والمنظمات التكفيرية الا بالتنسيق مع الجيش السوري.
هل فعلاً يراد لداعش ان ينتهي؟ ربما لا مرحلياً. وربما اريد «تحجيمه» فقط كما جاء في خطاب اوباما الاول حوله. ولكن هذه المعادلة ستتغير بعد تغير التحالفات. واذا ما حصل، فإلى اين سيذهبون؟
في عام 1991 كتب كولن باول محذراً من ان الحل العسكري في العراق سيؤجج الكراهية للولايات المتحدة، فاضاف شفينمان محذراً: ذاك سيغذي الارهاب في المنطقة، وهذا الارهاب لن يتأخر في العبور من الضفة الشرقية الى الضفة الغربية للمتوسط. يوم 3/3 أمكن رصد حملة معممة في الصحف الاوروبية على الهجرة غير الشرعية عبر المتوسط: ايطاليا ترتجف من الهجرة وحراس الشواطئ يطالبون بالتسلح (لو فيغارو)... المانيا الثرية ترتبك امام تدفق المهاجرين (لو موند)... عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين دخلوا اوروبا عام 2014 بلغ 247 الف مهاجر، اي ثلاثة اضعاف مثيله عام 2013 (فرونتكس: منظمة امن الحدود الخارجية الاوروبية)، وقالت ايفا مونكور، الناطقة الرسمية باسم هذه المنظمة، ان ليبيا اصبحت نقطة الانطلاق الرئيسية لهذه الامواج البشرية في حين تشكل امبيدوزا وسيسيليا نقطتي العبور الاساسيتين. اضافة الى مئتي الف شخص تجمعهم التنظيمات التكفيرية في مخيمات في ليبيا تمهيداً لاجبارهم على الرحيل، من دون ان ننسى ان العبور الى سائر اوروبا هو امر سهل. كما قالت مونكور ان وجود داعش والمنظمات التكفيرية شكل سبباً اساسياً لمضاعفة الاعداد.
الاوروبيون لا يخشون الاعداد فحسب وانما يخشون بالطبع ما يمكن ان تحتويه هذه الاعداد من ارهابيين محتملين. بخاصة في ظل تقديرات محللين استراتيجيين بأن واشنطن تعمد الى تشجيع هذا الارباك الاوروبي كي تضع القارة العجوز تحت نير فزاعة هؤلاء وبالتالي حاجتها للاطلسي وتبعيتها للولايات المتحدة. فزاعة لن توفر استعمالها أيضاً في وجه روسيا والصين.
الهاجس الامني تجلى في تركيبة الوفد: مستشار في وزارة الدفاع، مستشار امني في بيروت، مسؤول الامن في الاتحاد لاجل المتوسط ورئيس الاستخبارات السابق. الأخيران يذكران بمثل فرنسي شائع يقول: «لا يمكن ان تصبح موساد سابقاً». اما قصة الاتحاد لاجل المتوسط فهي حلم ساركوزي الذي اراد به ان يجمع غاز الجزائر الى غاز ونفط وثروات ليبيا الى وزن مصر الى استراتيجية سوريا ولبنان، وفي قلب كل ذلك اسرائيل كما قال يومها. ورد بالرفض كل من الرئيس بوتفليقة ومعمر القذافي، في حين قبل مبارك بتداول الرئاسة، واضيف الاردن من دون اي تماس متوسطي. منذ فجر التاريخ والصراع المصيري على المتوسط هو رهان يتعدى دول حوضه بشرقها وغربها الى توازنات العالم.
بكل هذه المعطيات نفهم زيارة بعض النواب الفرنسيين الى سوريا بدون تكليف رسمي ولكن بدون سلوك معزول بدليل قول جيرار بابت: لن اذيع سراً اذا قلت ان 12 نائباً اشتراكياً كانوا مهتمين بزيارتي. وعندما دعا كامباديليس معاقبتي حزبياً عرضت مقابلته. علماً بان النواب الاخرين كانوا اكثر تجرؤاً وقابلوا الرئيس الاسد معترفين بقوته وبعدم إمكان الحل بدونه.
بهذه المعطيات نفهم ايضاً رد فعل فرانسوا فيون، صاحب اطول مدة ولاية في رئاسة الوزراء – بعد بومبيدو، حيث اعرب عن تأييده للنواب واستعداده لزيارة دمشق. الرجل معروف بمعارضته للتجنيس التلقائي ولتصويت الاجانب بوصفه تعدياً على المواطنة وبتأييده لاقتصار المساعدات الاجتماعية على المهاجرين الشرعيين، وانشاء جهاز رسمي لادماج المهاجرين يكافئ ويعاقب، ولكن الاهم هو ان هذا السياسي الاستراتيجي هو صاحب نظرية الدعوة الى كونفدرالية اوروبية مع المانيا وشراكة مع روسيا في اطار قطاع اليورو. شراكة اقتصادية وسياسية تسمح للطرفين بالتوازن مع القارة الاسيوية ومع اميركا. وهو الذي صرح بعد اتفاقية مينسك الاخيرة قائلاً: «ان هذه الاتفاقية هي خبر سعيد للامن الاوروبي... وهي تبرهن على فائدة الحوار مع روسيا. وعلى ان المبادرة الفرنسية – الالمانية التي ما زلت ادعو اليها منذ عشرة اشهر هي فعالة. لقد أضعنا وقتاً طويلاً... فرنسا والمانيا تستطيعان معاً ان تقلبا مسار الاحداث والمجموعة الاوروبية ليست محكومة بالجمود والعجز. علينا ان نجدد اطلاق علاقتنا بروسيا والتخطيط لأوروبا الكبرى».
الانباء الرسمية نقلت عن لقاء النواب مع الاسد معادلة ذات جناحين: ما يفيد الشعبين – قالوا - شرعية المحافظة على مبدأ عدم التدخل – محاربة مبدئية لا انتقائية للارهاب - قال- . مصالح ميركانتيلية مقابل مصالح وجودية حقوقية. رغم ذلك، هي الخطوة الاولى في رحلة الألف ميل. رحلة خطا فيها آخرون أميالاً طويلة فيما تتلمس فرنسا اصابعها التي تبحث عن معلومات امنية قد تفيد منها اسرائيل وواشنطن اكثر من باريس. وتنسى ان العلاقات الدولية التي تقوم اساساً على المصالح يجب الا تفترض لدى الاخرين الزهايمر وطنياً وانسانياً في ما يتعلق بالقيم.
* كاتبة واعلامية لبنانية ــ عمّان