سارع الكاتب ناهض حتر في الرد على مقالي هنا في «الأخبار» (الأردن: كيان وظيفي أم دولة وطنية)، وبعنوان لافت، كرّر فيه عنوان مقالي، معكوساً، ومضيفاً إليه، ما يمتلكه من «علم» وقدرة على تحليل «الواقع»!
لن أدخل في مساجلة مع ما طرحه. لكن هشاشة منطق «الأستذة» الذي عودنا عليه السيد حتر، يتضح في أسلوب نزع الأفكار التي وردت في المقال من سياقها الموضوعي، بطريقة انتقائية حاول من خلالها التهرب من الرد على وظيفة الكيان التي مارسها عبر العقود التي أعقبت تشكيله تحت المظلة/ الحماية البريطانية المباشرة، حتى تخلصه الشكلي - لينتقل لمظلة حماية أخرى - منها في مارس/ آذار 1956 حين صدر قرار تعريب الجيش في الأردن، بعد أن قام ضابطان من الضباط الوطنيين بإبلاغ الملك حسين بن طلال بالتالي: «نريد تعريب هذا الجيش، والتخلص من كل القيادات البريطانية المشرفة عليه»، فرد الملك متسائلاً: «وإن لم أقبل بذلك؟»، أجاباه بنبرة حاسمة: «سنضطر لإزاحتكما كليكما، أنت والقيادة البريطانية». أدرك حينها الملك أن خطوة التعريب باتت ضرورة ملحة لا يمكن التهرب منها، فكان قراره، وخطابه المباشر في إعلان تعريب الجيش.

كيان وظيفي بامتياز

الكيان الوظيفي ليس مصطلحاً نستعمله، أو نتداوله كجزء من «العك والثرثرة» التي يتقنها عدد من «الأساتذة» و»المفكرين» العاملين وبشغف كبير على ملء الكراسي الشاغرة على بعض المنصات والشاشات ومراكز الأبحاث. فهذا الكيان له وظيفة محددة في الإقليم، حرص على القيام بها منذ إنشائه، ويسجل له دوره البارز في سرعة التنفيذ في منعطفات عدة شهدتها المنطقة، سأدلّ عليها ببعض الأمثلة:
1ــ الغزو اليهودي/ الصهيوني لفلسطين (لإعادة إنعاش الذاكرة، لا بدّ من التنويه لكتاب «جذور الوصاية الأردنية» الصادر عن دار الفارابي للدكتور سليمان بشير، وكتاب «عبد الله وشرق الأردن بين بريطانيا والحركة الصهيونية» الصادر عن شركة قدمس للنشر والتوزيع، للباحثة ماري ولْسُن).
2ــ دولة الوحدة عام 1958 والتآمر عليها.
3- حرب حزيران 1967 وحرب أكتوبر 1973. إن الوثائق التي نشرها السيد هيكل في كتابيه: المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل، وحرب أكتوبر 1973 ستعرّي زيف الدفاع عن دور الكيان الوظيفي ومهمته. أما «اتفاقية وادي عربة» وما نتج منها من علاقات متعددة مع كيان المستعمرين الصهاينة، كاستيراد الغاز، وإنشاء قناة (أنبوب) البحرين: الأحمر والميت، فقد تكفّلت برفضها وإدانتها، قوى سياسية وشعبية وشخصيات عديدة.

أزمات داخلية متدحرجة

أما الدولة الوطنية التي يحاول الأستاذ حتر الدفاع عنها، كشفتها وقائع الحياة السياسية اليومية: محلياً - في الداخل-، وإقليمياً – دول الجوار، فهي لا تعدو كونها، وباعترافه «دولة وطنية هشة»، وإن حاول إخراج نموذجه المفضل من حالة الوهن التي ترافقها، بالحديث المتكرر في أكثر من مقالة عن «صلابة الرابطة الوطنية الاجتماعية»، المستندة برأيه إلى «عصبية محلية لاحمة غير متشققة طائفياً أو مذهبياً أو إثنياً، وتستوعب الجماعة الوطنية الأردنية كلها».

الكيان الوظيفي ليس
مصطلحاً نستعمله كجزء من «العك والثرثرة»
هنا تتوضح الانتقائية بشكلها الصارخ! غاب عمّن يدعي امتلاك أدوات التحليل الطبقي، رؤية التشققات الهائلة في بنية «الجماعة... كلها»، والتي ظهر جزء منها في احتجاجات جماهيرية عدة صاخبة شهدها الأردن، الأولى: هبة نيسان 1989 التي انطلقت شرارتها من مدينة معان الجنوبية _ بسبب قرار حكومة زيد الرفاعي رفع أسعار المحروقات وبعض السلع الأساسية_ وامتد لهيبها لكل المحافظات، وغطت حرائقها العديد من سيارات الشرطة والمؤسسات الحكومية، وسقط خلالها عدد من الشهداء والجرحى، واعتقل على أثرها المئات.
الثانية: أحداث آب عام 1996 «انتفاضة الخبز»، التي فجرها قرار حكومة عبد الكريم الكباريتي بزيادة سعر رغيف الخبز استجابة لتوجيهات البنك الدولي. وانطلقت شرارتها من مدينة الكرك الجنوبية لتتحول إلى حركة احجاج شعبية وسياسية ونقابية واسعة، عبرت عن نفسها بتظاهرات ومسيرات جماهيرية صاخبة، ترافقت مع اشباكات بين المتظاهرين ورجال السلطة.
الثالثة: هبة تشرين الثاني 2012 التي انطلقت مع صدور قرار رفع أسعار المشتقات النفطية، وقد شهدت اعتصامات وتظاهرات، هتف خلالها المحتجون الغاضبون: «الشعب يريد اسقاط النظام، واحد اتنين... يالله ارحل يابن حسين»، تخللتها اشتباكات مع رجال الشرطة، والدرك (قوات البادية... سابقاً) في كل المحافظات. وقد قدمت هذه الحوادث دليلاً حسياً، واقعياً، يدحض كل الأصوات التي تُسَبحُ بنتائج «دينامية الاستجابة_الملكية_الفعالة لاحتياجات المجتمع والدولة»، ودور «الدولة الاجتماعي».
لكن السيد حتر الذي حاول أن يقدم لنا «مجتمعاً واحداً موحداً» أسست له «العصبية المحلية اللاحمة» يتهرب من تلمس تشقق آخر، أكثر قبحاً وخطورة، يبرز بسبب التمييز بين «الأردني من أصول فلسطينية والأردني من أصول شرق أردنية»، حتى أن رموز «الليكود الأردني» والناطقين باسمه، أصبحت أسماؤهم حديث الشارع السياسي منذ سنوات عديدة، وتردد صداها في «القصر ومجلس النواب والوزارة».

التعامل مع الأزمة السورية

إن محاولة الخلط المقصودة من خلال مزج المكونات الاجتماعية في عجينة واحدة تجاه تعاملها/ موقفها مما تتعرض له سوريا: وطناً ومجتمعاً ودولة، هي تضليل صارخ، يهدف لحرف الأنظار عن التخوم الفاصلة بين مؤسسة القصر، الحكومة، الجيش، المخابرات، وقوى وشخصيات وطنية وقومية ويسارية. لقد أدرك الوطنيون الأردنيون (وهم في غالبيتهم العظمى معارضون بارزون، على مدى عقود عدة لسياسات التطبيع والتبعية والنهب الاقتصادي) خطورة تخندق الكيان في جبهة العداء والتآمر على سوريا، ودانوا بشكل واضح، وظيفة القصر ومؤسساته الأمنية والعسكرية في توفير الدعم اللوجستي للمسلحين، وفتح معسكرات التدريب لهم، وتحويل الأردن إلى ممر لعبورهم. إن غرف العمليات العسكرية والأمنية المتنقلة ما بين مدينتي المفرق وعمّان، والنشاط المحموم لأجهزة استخبارات الدول التي ترعى الإرهاب، تتطلب نضالاً دؤوباً بأشكال متعددة تقرره القوى الثورية (حتى لا يلقي السيد حتر تهمه الجاهزة علينا في أننا «نحدد برنامج عمل الوطنيين الأردنيين في المرحلة المقبلة») لإنهاء نشاطاتها التخريبية والإجرامية بحق الشعبين الشقيقين، ووقف اندفاعة النظام في المشاركة المستمرة بالتآمر على سوريا.
إن الحديث المتكرر عن أن «قضية سوريا هي قضية أردنية داخلية في الدرجة الأولى»، يتطلب من قائله، الإقلاع عن وضع المساحيق على الوجه القبيح للنظام الذي فتح الأرض والسماء لعبور «الرياح السامة» التي تفتك بالجسد السوري. إن تأكيد «العلاقة المميزة والتاريخية» و»الروابط الخاصة» بين الشعبين، يتطلب تحشيد كتلة شعبية، لا تُستدعى للتوقيع على بيان فقط، بمقدار ما يتوجب وضعها في مهمات عمل وطنية يومية. إننا ندرك وبقناعة تامة حجم المسؤوليات والمهمات الملقاة على الوطنيين الأردنيين. لهذا، غير مسموح لنا ولغيرنا «إعطاء دروس لهم»! لكن تبادل الأفكار والآراء والتجارب بين الوطنيين العرب، سيغني البرنامج السياسي والكفاحي في كل إقليم، ويطور خطة العمل الثورية، في مواجهة جبهة الأعداء، ممن اختلفت تسمياتهم وانتماءاتهم.
* كاتب عربي