جورج قرم *


أصبح اللبنانيّون في حالة قرف ويأس من الأوضاع التي تتخبَّط فيها البلاد منذ أشهر، وهم يخضعون لشتّى أنواع الضغط المعنوي عبر الإعلام المكثَّف المحلّي والعربي والدولي لكيْ يسلِّموا أمرهم للأقدار، على أمل انتهاء هذه الأزمة الملعونة.
سنسعى هنا إلى التلخيص المقتضَب والسريع لأهم أبعاد الأزمة، توضيحاً لكلّ ما نتعرَّض له من ابتزاز وضغوط وإرهاب فكري.

في الأبعاد الداخليّة للأزمة ورمزيّتها

لقد وصفْتُ صعود دكتاتوريّة الفريق الحاكم منذ عام 1992 في مقال سابق («كلُّنا شركاء في تصاعد دكتاتورية الفريق الحاكم»، جريدة «الأخبار»، 18 تشرين الثاني 2006) ولن أكرِّر ما سبق أنْ كتبْتُه، إنَّما أودّ أنْ أؤكِّد أنَّ جزءاً كبيراً من المعركة يدور حول وضع حدّ للاستئثار السياسي والاقتصادي والمالي، الذي تتميّز به الساحة اللبنانية من جانب فريق سياسي واحد يتمتّع بوسائل إعلامية ومالية استثنائية بالنسبة إلى حجم البلاد سكّانياً وجغرافياً واقتصادياً، وبالنسبة إلى تعدُّديتها. إنَّ الأزمة الحالية هي تتويج لرغبة الاستئثار من جهة، وتعاظم نفوذ القوى الرافضة لهذا الاستئثار وتحالفها من جهة ثانية.
في هذا المضمار، فقد تركَّزت المعركة، في قاموسنا اللبناني، على قضيّة الثلث الضامن أو المعطِّل، الذي ترغب بإصرار المعارضة أنْ تحظى به، وهو الشيء الذي ترفضه إلى أبعد الحدود «الأكثريّة» النيابية الحالية، وترفضه أيضاً الدول المتحالفة معها، أكانت عربية أم أوروبية أم أميركية. ولقد عدْتُ مؤخراً إلى أهمّ الكتابات في موضوع الديموقراطية التوافقية، وبشكل خاص كتابات آرند لجبهارت (Arend Lijphart)، وهو يُعدّ أكبر منظِّر غربي في الديموقراطية التوافقية منذ عقود، فوجدْتُ أنَّه يفرِّق بين الديموقراطية التوافقية (consensual) والديموقراطية التشاركية (consociative)، ويؤكِّد أنَّ النوع الثاني من الديموقراطية يتطلَّب بالضرورة حقّ نقض قرارات السلطة لأي مجموعة من المجموعات التي يتكوَّن منها المجتمع التعدّدي. وهو يستعمل بشكل صريح عبارة حقّ الفيتو. وينصح على كلّ حال، بالنسبة إلى النوع الأول من الديموقراطية ـ أيْ التوافقية ـ بألاَّ تتّخذ قرارات مصيرية دون الإجماع عليها من جانب ممثِّلي المجموعات المختلفة.
وقد عدْتُ أيضاً إلى كتابات الدكتور أنطوان مسرّة، وهو الذي كان معجباً طوال عقود بنظريّات لجبهارت، وطالب بتطبيقها مراراً وتكراراً في لبنان قبل الأزمة الحاليّة. وهو أيضاً في مؤلّفاته يرى أنَّ الديموقراطية التشاركية والتوافقية تتطلَّب وجود حقّ النقض لأيّ مجموعة من المجموعات المكوِّنة للمجتمع المتعدِّد.
لذلك لا بدَّ لأيّ حوار بين «الأكثرية» و«الأقلية» أنْ ينطلِق من تكريس هذا المبدأ، وخاصّة بعدما التزم حزب الله في وثيقة التفاهم مع التيار الوطني الحرّ اعتماد صيغة الديموقراطية التوافقية تكريساً لمبادئ العيش المشترك والتقاليد الخاصّة بها في لبنان منذ الميثاق الوطني إلى الأزمة الحاليّة مروراً بظروف صياغة اتفاق الطائف. ولا بدَّ أيضاً من استعمال الكلمات الدقيقة الموضوعيّة والعلميّة عند التحدّث عن الموضوع، أيْ المطالبة بالديموقراطية التشاركية وليس فقط بالديموقراطية التوافقيّة، مع الإشارة إلى أنَّ الحالتيْن تتطلَّبان عدم تخطّي قناعات إحدى المجموعات المكوِّنة للمجتمع التعدّدي، ما دامت التعددية هي السمة الرئيسية في المجتمع.
وفي هذا الخصوص، لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ نوعية التعددية التي يمتاز بها لبنان قد تكون قابلة للنقاش لأنَّها ليست مرتبطة بفوارق إثنية أو لغوية كما يُقال ويُشاع، وهي سمات تجعل من كل مجتمع فرعي مجتمعاً معزولاً عن الآخر. إنَّ استعمال كلمة التعدّدية في لبنان، مفرط في تعميق الفروق، قد يكون الكثير منها خيالي الطابع ويُستغَلّ في المعترك السياسي الداخلي والإقليمي. وهذه الظاهرة ليست لبنانية فقط، إنَّما هي جزء من لعبة الجيوسياسة المتأجّجة في المنطقة منذ مئتَي سنة، وهي ظاهرة تؤجّجها القوى الغربية لتحقيق مآربها.
لذلك، وعلى الرغم من عدم تحمِّسي لنظريات الديموقراطية التوافقية أو التشاركية التي من شأنها تكريس الطائفية بشكل متزايد عوضاً عن التخفيف من حدَّتها، أعتقد بأنَّ الوقت قد حان لتثبيت مبادئها بالشكل الصحيح، وهي بالمناسبة مكَرَّسة بشكل واضح في اتفاق الطائف. وذلك بانتظار إنضاج الظروف التي تسمح بتخطّي المقيِّدات الطائفية التي تحول دون تطبيق ديموقراطية علمانية الطابع. هذا مع الإشارة إلى أنَّ مطالبة حزب الله بتطبيق مبادئ الديموقراطية التوافقية التي كان ينادي بها جزء كبير من المسيحيين في الماضي قبل الأزمة الحالية، قد تكون ـ ولو بشكل لا واعٍ ـ للأسباب نفسها التي دفعت هذا الجزء من المسيحيين في الماضي إلى نشر مبادئ الديموقراطية التوافقية، أيْ حماية مشروع خاصّ للطائفة وتأكيد خصوصية عقيدة زعمائها؛ مع العلم أنَّ خطابات الأمين العام لحزب الله تسعى إلى التوفيق بين العقيدة الدينية ـ السياسية والبعد الوطني اللبناني والبعد القومي العربي والبعد الإسلامي، وهذا ليس بالأمر السهل.
وفي هذا الإطار، لا بدَّ من الإشارة أيضاً إلى التطوّر الكبير الحاصل، في نظرنا، في الوضع الطائفي في البلاد، إذْ إنَّ الميثاق الوطني، كما اتفاق الطائف وضعت مبادئهما على أساس أنَّ المشكلة الأساسية في لبنان هي بين مسلمين ومسيحيين، بينما نرى اليوم في المشهد السياسي انقساماً حادّاً داخل كل مجموعة من المجموعتَين، وهو انقسام يأخذ طابعاً مذهبيّاً مؤسفاً عند المسلمين، ويأخذ طابعاً سياسياً تقليدياً عند المسيحيّين بين من يوالي الدول الغربية موالاة الأعمى، ومن يودّ أن يبقى لبنان بعيداً عن مشاريع الهيمنة الغربية على المنطقة التي كثيراً ما أدَّت إلى خراب لبنان. وقد تطوَّر مؤخراً هذا الخلاف إلى دور البطريركية المارونية في السياسة وفي الخلافات المارونيةوهنا تكمن المشكلة الكبيرة في تطبيق آليات الديموقراطية التوافقية في الظرف الراهن في لبنان حيث يسود الانقسام في الرأي السياسي داخل الطوائف. فمَن مِن الزعامات السياسية المنقسمة بعضها على بعض داخل طائفة من الطوائف له الصفة التمثيليّة في هذه الحالة؟ وربما هذا ما دفع رأس الكنيسة المارونية إلى تولّي الدور السياسي التمثيلي للطائفة المارونية وبانحياز متزايد لفئة من السياسيّين على حساب الفئة الأخرى، وهذا ما أدّى مؤخّراً إلى انتفاضة شديدة اللهجة ضدّ هذا الموقف. كما أنَّ رئيس التيار الوطني الحرّ ميشال عون كان قد سعى إلى توضيح قضية تحديد تمثيل الطائفة في «وثيقة الطروحات المسيحية اللبنانية»، بالتأكيد على أنَّ الصفة التمثيلية للطائفة هي للزعيم الذي يمثّل أغلبية الطائفة حسب نتائج الانتخابات. وهنا تكمن صعوبة تطبيق آليات الديموقراطية التوافقية عندما لا تكون المجموعات المكوّن منها المجتمع غير موحّدة الرأي في القضايا السياسية الكبرى.
وعلى ضوء هذه الإشكالية المعقّدة داخلياً، يجب مناقشة وضع لبنان في ظلّ التجاذبات الإقليمية والدولية على المنطقة.

في البعد الإقليمي

عندما وُضع الميثاق الوطني، كان الافتراض بأنَّ مشكلة لبنان الأساسية هي موالاة المسيحيين (كلّ المسيحيين!) للغرب، وانشداد المسلمين (كل المسلمين!) تجاه الوحدة العربية (الشرق متجسِّداً بوحدة عربية أو بتضامن عضوي أو بذوبان الكيان اللبناني بكيان أوسع). وعلى هذا الأساس، قضى الميثاق بتنازل المسيحيين عن حماية فرنسا وبتنازل المسلمين عن السعي إلى ضمّ هذا الكيان اللبناني إلى كيان عربي جامع أو جزئي (أقاليم بلاد الشام أو الهلال الخصيب).
ولا بدَّ من الإشارة إلى تطوّرَيْن هامّيْن قد حصلا في العقود الأخيرة، الأوَّل يتعلَّق بنتائج الفتنة الداخلية بأبعادها الإقليمية عام 1958، حيث إنَّ الشهابية قد قرَّرت أنَّ على لبنان أن يبتعد عن المشاركة في سياسة بعض الأنظمة العربية المتحالفة مع محور الدول الغربية، وأنْ يعقد أفضل العلاقات مع القوى العربية الرئيسيّة التي تقف ضدّ مشاريع الغرب في الهيمنة على المنطقة، أيْ في حينه مصر الناصرية.
أما التطوّر الثاني اللافت، فحصل إثر الفتنة الشعواء الطويلة بين عاميْ 1975 و1990، حيث انصبَّ التركيز على إجبار القوى المسيحية المتحالفة مع الغرب، وبعض منها مع إسرائيل، على الاعتراف بعروبة لبنان، وهذا ما حصل في مؤتمري جنيف ولوزان وكُرّس في اتفاق الطائف. لكن فات العاملين في الحقل السياسي حينذاك وجود مشكلة إضافية كبيرة وهي: ماذا يفعل لبنان في حال انقسام العرب فيما بينهم؟ أيّ عروبة يجب أن يتعلَّق بها لبنان؟ هل هي عروبة حلفاء واشنطن والعواصم الغربية الأخرى، أم هي عروبة الدولة أو الدول الرافضة لتوجهات السياسة الغربية في المنطقة، عربية كانت أم غير عربية؟ مع الإشارة إلى أنَّ رفض التوطين المكرَّس في الدستور بعد اتفاق الطائف يتطلَّب دون أدنى شكّ أن يكون لبنان قريباً من محور الممانعة، لأنَّ التوطين سيزيد حتماً من التوترات الطائفية والمذهبية في البلاد.
لهذه الأسباب، نعتقد أنَّ السياسة الخارجيّة اللبنانيّة يجب أن تتقيَّد بما يناسب المصالح الوطنية كما فعل فؤاد شهاب بعد أحداث 1958 وتماشياً مع روحية الميثاق الأساسيّة بأنَّ لبنان لا يمكن أن يُستعمَل ساحة من جانب أيّ دولة، غربية كانت أم شرقية، لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية فيها، ومن أجل تحقيق ذلك لا بدَّ من الكفّ عن إعطاء الطوائف اللبنانية بشكل جماعي رمزيّة إقليميّة ودوليّة، بمعنى أنَّه لا يجوز تعميم أيّ صفة سياسيّة جامعة ترمز إلى علاقة جوهرية مع قوى خارجية، شرقية كانت أم غربية، على أيّ طائفة من الطوائف اللبنانية، والنظر إلى أنّ المواقف المتخَذة من جانب الزعماء السياسيّين المدنيّين أو المراجع الدينية التي تقحم نفسها في المواقف السياسية (أكانت مسيحية أو إسلامية) لا علاقة لها بميزات أنثروبولوجية لهذه أو تلك من الطوائف اللبنانية، لكنَّ المشكلة تكمن في النظام الطائفي نفسه الذي يعمل باستمرار لسجن كلّ اللبنانيّين داخل طائفتهم وكأن لا إرادة ذاتية ولا حرية للفرد وأن كلّ اللبنانيين هم مثل القطيع يتبعون زعماء طوائفهم. والمشكلة كذلك تكمن في الإعلام اللبناني والعربي والدولي وسيل الدراسات الأكاديميّة الطابع التي تصبغ كلّ المواقف السياسية بصبغة دينية ـ طائفية لإخفاء حقيقتها الموضوعية في الصراعات الإقليمية ـ الدولية والقطرية الداخلية.

على المستوى الدولي

إذا أراد لبنان أن يُشْفى من أمراضه المزمنة في انعدام قدرة تحمّل العوامل الدولية والإقليمية على تسيير نظامه السياسي، فعليه أن يغيِّر تغييراً جذرياً من عادات قديمة متجذِّرة في أحداث القرن التاسع عشر، وتدخُّل الدول الغربية تدخلاً سافراً في شؤون الطوائف اللبنانية. وقد وصفْتُ هذه الحالة المرَضية في أحد مؤلَّفاتي بأنَّها تتجسَّد في «وشوشة» القناصل وهيمنة ثقافتهم على الطبقة السياسية اللبنانية.
ويبدو أنَّ الدولة اللبنانية وأهلها ورؤساء الأحزاب والمراجع الدينية لم يقرأوا اتفاقية فيينا العائدة إلى عام 1961 (وخاصة المادة 41) التي تنظِّم العلاقات الدبلوماسية بين الدول وتفرض على الدبلوماسيّين عدم القيام بأيّ نشاط يمكن أن يكوّن تدخُّلاً في الشؤون الداخلية، وكذلك لم تقرأ قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 9/12/1981 الذي يعيد تأكيد مبادئ اللاّ تدخُّل المباشر أو غير المباشر في شؤون الدول الداخلية من جانب دول أخرى.
يبدو حقاً أنَّ قليلاً هو عدد اللبنانيّين المطّلعين على التقاليد المكتوبة وغير المكتوبة التي تنظِّم عمل السفراء في الدول المضيفة لهم والتي تمنعهم من التدخّل في الشؤون الداخلية المحلّية والإدلاء بالتصريحات الصحافية بشأن الشؤون الداخلية، وضرورة مراجعة وزارة الخارجية في طلب المواعيد من الرسميين. كما أنَّ قليلين هم السياسيون الذين يحتجون على تصريحات المسؤولين غير اللبنانيين عن الوضع الداخلي في لبنان ومعظمها تصب في مصلحة فئة من اللبنانيين على حساب الفئات الأخرى، مما يُعدّ تدخُّّلاً في الشؤون الداخلية. واللافت للنظر أيضاً أنْ لا أحد من المسؤولين قد احتجّ على مقاطعة رئيس الجمهورية السابق أو رفض استقبال أحد السفراء أو الوزراء الأجانب الذين كانوا يمتنعون عن زيارة رئيس الدولة، وهذه المقاطعة تعدّ تمادياً في التدخّل في الشؤون الداخلية إلى أبعد الحدود.
ورغم القواعد القانونية التي تسود العلاقات بين الدول، نرى سفراء الدول الأجنبية وفي مقدّمتهم سفراء الدول الغربيّة (وسفراء الدول العربية لهم تصرّف أكثر تهذيباً بكثير في معظم الأحوال)، يصبحون في كلّ أزمة داخلية لاعبين أساسيين في الحياة السياسية اليومية: يعقدون الندوات الإعلامية، يظهرون على الشاشات التلفزيونية يومياً للإدلاء بآرائهم في الشأن الداخلي اللبناني، ويتردّدون بشكل يومي على من يرون أنهم من أنصار سياسة بلادهم من السياسيين اللبنانيين والمراجع الروحية.
وهذا مشهد مهين لأي لبناني يؤمن فعلاً بمبادئ سيادة الوطن. فضلاً عن قبول الدولة بكلّ هذه الزيارات المتكرِّرة إلى لبنان وسيل التصريحات شبه اليومية لكبار المسؤولين الغربيين لتأييد فئة من اللبنانيين على حساب فئة أخرى. وفضلاً أيضاً عمّا حصل من مقاطعة كلّ الدول الغربية والعديد من الدول العربية رمز الدولة الأعلى ووحدة الكيان، أيْ رئيس الجمهورية، في السنوات الثلاث الأخيرة. وهذه سابقة خطيرة للغاية يجب أن تثير العجب والغضب عند كل لبناني يفهم بالعمق ما هي حقيقة السيادة والاستقلال.
ويمكن هنا إجراء المقارنة في بوادر انهيار الدولة الذي نشهده اليوم بما حصل من قبول الدولة اللبنانية في الستينيات والسبعينيات، بعدم الردّ على اعتداءات الجيش الإسرائيلي السافرة، بما فيها الإنزال على مطار بيروت (1968) أو في شارع فردان (1972)، بدون إطلاق رصاصة واحدة ولو رمزية ضدّ العدو؛ وما حصل في السنين الأخيرة من قبول فئة واسعة من اللبنانيّين مقاطعة الدول الأجنبية لرئيس الجمهورية اللبنانية لما يرمز مثل هذا الموقف من عدم احترام الدولة اللبنانية وهيبتها وسيادتها. كما لا بدَّ من الإشارة إلى التوقيف الشائن للجيش وللدولة الذي جرى فيه توقيف الضباط الأربعة الكبار بطلب من اللجنة الدولية. مثل هذه التصرّفات كانت أيضاً بمثابة إنذار مبكر لما يمكن أن يحصل من شلل في المؤسّسات الدستورية اللبنانية.
في الحقيقة، لم يتعلَّم بعد العديد من اللبنانيّين، في مراكز المسؤولية أو خارجها، ماهيّة سيادة الدولة وآلياتها الجوهرية التي لا يمكن أن نتنازل عنها إذا أردنا الحفاظ على الاستقرار والكيان وعدم اهتزازه في كل أزمة إقليمية. وإذا أراد اللبنانيّون أن يحموا كيانهم من أن يتحوَّل إلى ساحة صراع إقليمي ودولي عند اشتداد التوتر الإقليمي، فعليهم أن يتعلَّموا أسس ومبادئ السيادة الوطنية.
أمّا قضية السياسة الخارجية اللبنانية وموقع لبنان في الصراعات الإقليمية والدولية، فهذه أيضاً قضايا داخلية، وهي خلافية منذ ظهور جبل لبنان في النظام الدولي ككيان محمي من الدول الغربية في القرن التاسع عشر، وقد آن الأوان لأن يكون للبنان سيادة «قطرية» غير ناقصة تجاه كل دول المنطقة وعدم السماح بزجّ الطائفية في المواقف السياسية. لقد حان الأوان أن نتّفق فيما بيننا على تجدّد روحية الميثاق الوطني كما ذكرْتُ سابقاً لتحديد مَنْ هو العدو ومَنْ هو الصديق، وموقف لبنان في حال حصول خلاف حاد بين أنواع مختلفة من العروبة السياسية. وفي هذا الخصوص يجب ألّا يتهجّم الإعلام اللبناني بشكل تجريحي على هذا أو ذاك من الأنظمة العربية وألّا يتحوّل إلى أداة إعلامية في الصراع على المنطقة، فيسكت عن تصرُّفات بعض الأنظمة ويتهجَّم على أنظمة أخرى، بشراسة نادرة، وذلك في ظلّ تنامي العصبيات القطرية المتأجِّجة. وفي الإعلام اللبناني، على اللبنانيين أن يعتبروا أنَّهم أصدقاء جميع الشعوب العربية بغض النظر عن طبيعة أنظمتهم.
كما يجب عليهم، بعد الاتفاق الداخلي، أن يكونوا في الطليعة لإعادة اللحمة والانسجام والتعاضد بين الأنظمة العربية في المعمعة الإقليمية والدولية التي نعيشها، ولا أن تكون الجامعة العربية هي التي تبادر إلى تشجيع «الوفاق» بين اللبنانيّين ممّا لا يمكن أن يعطي نتيجة إيجابية في ظلّ توازنات الجامعة الداخلية اللامتكافئة.
ومع تقديرنا الكامل لهذه المبادرة، كان حريّاً بلبنان لو كان موحّداً معافىً، ذا سيادة كاملة غير منقوصة ومحترمة من الجميع، أن يبادر هو إلى إجراء مصالحة بين الأنظمة العربية، لكيْ تواجه بالتكاتف والتضامن الأوضاع الصعبة التي تمرّ بها المنطقة. لذلك علينا جميعاً أن نتعلَّم ونعلِّم أولادنا مبادئ السيادة، ما قد يسهِّل اتفاق اللبنانيين فيما بينهم في الأمور المصيرية لإجراء الإصلاحات الضرورية لإعادة الحيوية إلى كياننا المصلوب، وللعودة الى الدور الفاعل والطليعي في الساحة العربية والدولية.
* كاتب وسياسي لبناني