strong> مصطفى بسيوني *


على أصداء الإضرابات العمّالية التي عمّت محافظات مصر وامتدّت للعام الثاني على التوالي، انطلقت مناقشات مطوّلة بشأن الحدّ الأدنى للأجور الذي يحدّده المجلس القومي للأجور، وهي الهيئة التي نصّ على تشكيلها قانون العمل. وقد أظهرت النقاشات أنّ كل الأطراف متّفقون على ضرورة رفع الحدّ الأدنى للأجور لمواكبة ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة.
وقبل التعرّض للاقتراحات المختلفة، يجدر التعرض لأوضاع الأجور الحالية ودلالتها:
تشير بيانات البنك الدولي لعام 2001 إلى أن الحدّ الأدنى للأجور في مصر للفترة من 1995 إلى 1999 يبلغ 415 دولاراً سنوياً، ولا تظهر بيانات تالية على ذلك. ويبدو مدى تدنّي الحدّ الأدنى للأجور في مصر مقارنةً بدول أخرى في مستويات قريبة من التطوّر والنموّ مثل تونس (1525 دولاراً) والجزائر (1340 دولاراً). ويزيد من انخفاض الحدّ الأدنى للأجور في مصر زيادة ساعات العمل التي تراوح بين 54 و58 ساعة أسبوعياً حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وإذا نظرنا إلى جانب آخر من تقرير البنك الدولي، فسنجد التناقض صارخاً. فمع هذا الانخفاض في الحدّ الأدنى للأجور يقرّر التقرير نفسه أن متوسّط تكلفة العامل المصري في الصناعة التحويلية قد انخفض من 2210 دولارات سنوياً في الفترة من 1980- 1984، إلى 1863 دولاراً في الفترة من 1995- 1999، بينما زاد صافي القيمة المضافة من العامل في الصناعة التحويلية من 1481 دولاراً إلى 4113 دولاراً عن الفترات نفسها.
وإذا كانت بيانات البنك الدولي عن الحدّ الأدنى للأجور في مصر تتوقّف قبل عام 2000، فإن الملاحظ أن الحدود الدنيا للأجور التي تقبل بها التأمينات الاجتماعية في عقود العمل تراوح بين 120 و150 جنيهاً شهرياً، وهو ما يقلّ عن الحدّ الأدنى الذي يشير إليه تقرير البنك الدولي إذا أخذنا في الاعتبار الأسعار الجارية للدولار. وإذا وضعنا في الاعتبار أن نسبة الإعالة في مصر حوالى 3 إلى 1 حسب تقرير التنمية البشرية 2006، وهو ما يعني أنّ الأجر ينفق منه على ثلاثة أفراد، سنجد أنّ الحدّ الأدنى للأجر هو أدنى بكثير من خطّ الفقر المدقع والمقرّر دولياً بدولار واحد في اليوم للفرد.
هذه بعض الأرقام عن الحدّ الأدنى للأجور في مصر، الذي يحيط به بعض الغموض. وبخصوص متوسّطات الأجور، يمكن تناول مثلين لهما دلالة كبيرة، هما أجور عمّال شركة غزل المحلة الذين عرضوا قسائم رواتبهم أثناء إضراباتهم وكانت تراوح بين 200 و500 جنيه شهرياً مع مدد خدمة تصل لعشرين سنة، وموظّفو الضرائب العقارية الذين عرضوا أيضاً قسائم رواتبهم أثناء اعتصامهم وراوحت أيضاً حول القيمة نفسها مع اختلافات طفيفة.
ويعبّر هذان المثلان عن قطاعات واسعة من العاملين بأجر في مصر، فقطاع العاملين بالغزل والنسيج والملابس الجاهزة من أوسع القطاعات وأكثرها بؤساً، وكذلك قطاع موظّفي الدولة. وتكمن أهمّية هذين المثلين أيضاً في أنهما مثّلا أعلى قمم حركة الإضرابات والاحتجاجات المطالبة بزيادة الأجر.
وإذا كانت أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامّة والإحصاء الرسمي تشير إلى متوسّطات أجور أعلى، تراوح بين 700 و900 جنيه شهرياً في القطاعين الخاص والعام، فذلك لأن هذه الأرقام لا تأخذ في اعتبارها الفروق الكبيرة في الأجور بين المستويات الوظيفية المختلفة، وكذلك القطاعات المختلفة.
كشفت هذه الأوضاع المزرية في الأجور الحركة العمالية الصاعدة التي استطاعت أن تفرض قضيتها على الساحة المصرية، جاعلة من مناقشة مسألة الأجور، وخاصة حدّها الأدنى، أمراً لا مفرّ منه.
ونستطيع التمييز بين ثلاثة أطراف يتفاعل كل منها مع قضية الحدّ الأدنى للأجور على طريقته. الحكومة أوّلاً وقد بدأت تطرح رفع الحدّ الأدنى للأجور خلال النصف الثاني من عام 2007 وتعد بانعقاد المجلس القومي للأجور ليقرّر حدّاً جديداً للأجر يتماشى مع ارتفاع الأسعار. ورغم أن الحكومة هدفت من تلك الدعاية إلى امتصاص الغضب العمّالي، وقد كان في أوجه، إلا أنّ الاقتراحات التي ظهرت من جانب الجهات الرسمية في هذا الصدد، لم تبشّر بالخير.
فأعلى اقتراح رسمي يقترح 310 جنيه شهرياً. ومشكلة هذا الاقتراح ليست فقط في انخفاضه وعدم تلبيته لآمال العمّال، لكن أيضاً لارتباطه بأمرين: الأول عدم زيادة اشتراكات التأمين الاجتماعي على صاحب العمل جراء رفع الحدّ الأدنى للأجر، وهو ما يعني عمليّاً أن أصحاب الأعمال لن يدفعوا أي زيادة في الأجور، لأنّ الأجر النقدي الشامل «الأساسي والمتغيّر» الذي يتقاضاه العامل لا يقلّ عادة عن ذلك المبلغ الزهيد أصلاً. ويعمد أصحاب الأعمال إلى تحرير عقود العمل بأجر أقل من ذلك لتوفير أقساط التأمينات، أي إن العامل أيضاً لن يزيد أجره بالفعل نتيجة رفع الحدّ الأدنى للأجر إلى هذه الحدود.
الأمر الثاني الذي ارتبط به هذا المقترح هو الحديث عن إلغاء الدعم عن المواد الأساسية، وهو ما يجعل رفع الحدّ الأدنى للأجر مجرّد إجراء مصاحب لإلغاء الدعم بهدف محاولة امتصاص الغضب المتوقّع. ويبدو أنّ الحكومة تحاول بواسطة اقتراح كهذا التحايل على القضية بل واستخدامها في تمرير سياستها. الطرف الثاني الذي يتفاعل مع قضية الأجور هو الحركة العمّاليّة نفسها، ويتّسم تفاعلها مع القضية بالمباشرة والجزئية في آن. فرغم أنّ انخفاض الأجور كان المحرّك الأساسي لأغلب الإضرابات العمالية، إلا أن المطالب انصبّت على الجزء المتغيّر من الأجر مثل الحوافز والأرباح والبدلات، لا على رفع الأجر ككلّ، إلا في حالات بعينها، وتحديداً في بعض شركات القطاع الخاص. وإن كانت المطالبة بكوادر خاصة للأجور لبعض الفئات مثل المدرّسين والمهندسين والأطباء وسائقي السكّة الحديد تعد تطوراً ملحوظاً في مطالب الحركة، إلا أنها ما زالت تدور في فلك مهن دون غيرها. وربما كان الأمر الأكثر أهمية هو ظهور مطلب انعقاد المجلس القومي للأجور في اليومين الأخيرين من إضراب عمال غزل المحلة.
الطرف الثالث الذي يتفاعل مع قضية الحدّ الأدنى للأجور هو تجمعات النشطاء النقابيين والسياسيين الذين قرروا خوض حملة من أجل رفع الحدّ الأدنى للأجور بشكل حقيقي، يحتسب على أساس خطّ الفقر الأعلى المقرر بدولارين في اليوم للفرد، لأسرة مكوّنة من أربعة أفراد، أي ثمانية دولارات في اليوم، بما يساوي حوالى 1200 جنيه شهرياً. والمشكلة لدى هذه الفئة أنها رغم تبنّيها لرؤية طموحة وعادلة للحدّ الأدنى للأجور، إلا أنها لا تمتلك الأدوات الكافية لجعلها واقعية. فلا تنظيم نقابي مستقلّ على المستوى القومي ينظّم الحركة العمالية في اتجاه هذا الهدف، ولا وسائل دعاية وتحريض واسعة الانتشار تحشد جمهوراً واسعاً من العمّال خلف هذا المطلب.
هذه هي الأطراف الثلاثة التي تتفاعل مع قضيّة الحدّ الأدنى للأجور. وهناك طبعاً الطرف الذي لم يتفاعل بعد، وهو أصحاب الأعمال الذين لن يتحلّوا بالكرم عند محاولة رفع الحدّ الأدنى، وخاصة في ظلّ نظام لا يخفي انحيازه إليهم.
وإذا كان الطرف الأوّل، وهو الحكومة، يتلاعب بقضية الحدّ الأدنى للأجر فيفرغها من قيمتها من ناحية، ويستخدمها في تمرير سياسته من ناحية أخرى، فإن تصاعد التحرّكات العمالية والاجتماعية يفرض على الحكومة يوماً بعد يوم التعاطي مع القضايا التي يثيرها بالجدية الواجبة. وبالفعل، كان من النتائج غير المباشرة لتلك التحرّكات وقف عدد من مشاريع الحكومة التي كانت ستهدر الكثير من حقوق الفقراء والكادحين، أو تأجيلها، مثل مشروع قانون التأمين الصحي ومشروع قانون الوظيفة العامة.
وإذا كانت حملات النشطاء النقابيّين والسياسيّين تفتقد الجماهيرية، بما يضعها في مأزق حقيقي، فإن التطورات التي طرأت على الحركة العمالية خلال العام الماضي تجعل التفكير في إمكان انتقال الحركة العمالية في مطالبها من الخاص إلى العام، ومن الجزئي إلى الكلّي، ليس بالأمر المستحيل.
لقد تحرّك العمّال في مواقع كثيرة في مصر، ومع تحرّكاتهم حقّقوا مكاسب خاصة بكلّ موقع على حدة من ناحية الأجر وظروف العمل. ولكن هناك مواضيع هامة للغاية لم تتقدم بها الإضرابات العمالية كمطالب، مثل حق الإضراب الذي كان مقيداً وانتزعه العمال، وحقّ التفاوض أيضاً. كذلك لم ترفع الحركة العمالية بشكل جماعي مطلب رفع الحد الأدنى للأجور، لكنها أجبرت الحكومة على طرح القضية للنقاش. فإذا غامرت هذه الأخيرة في اعتماد حد أدنى للأجور لا يتناسب وما يأمله العمال من وضع حد لتدهور أوضاعهم، فمن المرجح ألّا تهدأ التحركات المطلبية.
* صحافي مصري