بيل فريليك *


إنّ الاختيار بين مصيرٍ مروّع وآخر مروّعٍ مثله، ليس فيه أي تخيير. لكن هذا هو الخيار الذي يعرضه لبنان على 580 لاجئاً عراقيّاً قيل لهم أن «يختاروا» بين الشقاء في السجن لأجلٍ غير مسمّى ودون أي أمل في الخروج، أو العودة إلى العراق ومواجهة احتمال الموت.
وقال لاجئ عراقي محتجز في سجن رومية لباحثي «هيومن رايتس ووتش»: «لم يخبرني أحد كم سأبقى في السجن. وإذا لم أقدر على تنظيم وضعي فسوف أعود إلى العراق. وإذا عدت إلى العراق فسوف أُقتَل. لا أريد العودة، لكنّ الأفضل لي أن أعود على أن أقضي يوماً واحداً آخر هنا محبوساً مع المجرمين».
وفي لبنان حالياً 580 لاجئاً عراقياً في السجن، منهم نحو 422 شخصاً أنهوا فترة العقوبة ولكن ظلّوا في السجن. وليس في لبنان قانون لاجئين، وتُعامل غالبية العراقيّين باعتبارهم مهاجرين غير شرعيّين، بغض النظر عن نيّتهم طلب اللجوء أو احتياجهم للحماية باعتبارهم لاجئين. ومن يُلقَ القبض عليه يصبح عرضة للحبس والغرامات. لكن بعد انتهاء فترة العقوبة في السجن لكونهم في البلاد بشكل غير قانوني، يرفض الأمن العام اللبناني إطلاق سراحهم. ويمكن لغالبيتهم الخروج من الاحتجاز فقط بالموافقة على العودة إلى العراق.
ولا تقتصر المشاكل على نسبة قليلة كان من سوء طالعهم أنهم اعتُقلوا. ففي ظلّ خيارات قليلة تسمح لهم بتنظيم وضعهم، يعيش غالبية العراقيّين في خوف من الاعتقال. وقال رجل عراقي عجوز يقيم بصفة غير قانونية في بيروت الكبرى: «حين نخرج لا نعرف إن كُنّا سنعود. وحين أرى شرطياً أو شخصاً من السلطات أشعر بخوف بالغ، رغم أنّني عجوز ومريض. وكلّما واجهتنا نقطة تفتيش يُمكن أن يلقى القبض علينا».
وليست الغالبيّة من العراقيّين رهن الاحتجاز فقط، لكنّهم أيضاً غير مُعترف بهم رسمياً كلاجئين ومحظور عليهم العمل. وقد نفدت مدّخرات الكثيرين منهم، وهم عرضة للاستغلال والإساءة من قبل أصحاب العمل، ومُلاّك العقارات. وبعضهم لا يظهرون علناً ولا يُلحِقون أولادهم بالمدارس مع ازدياد تدهور أوضاعهم وضيق الحال.
ويحتاج اللاجئون العراقيّون إلى وضع قانوني مؤقّت يوفّر لهم، في الحدّ الأدنى، إقامة متجدّدة وتصاريح عمل. وهم بحاجة لضمانات بأنهم لن يُعتقلوا، وأنّه في حالة الاعتقال فستتوفّر لهم فرصة الدفاع عن أنفسهم بطلب الحماية والإخراج من السجن.
وبالتأكيد، ليست هذه المشكلة صنيعة لبنان، ولا يمكن أن يتوقّع أحد أن يتحمّل لبنان وحده عبء اللاجئين، أو أن يلتزم بإمدادهم بمحلّ إقامة دائم. فهذه مسؤولية دولية، ويجب أن تتحمّل الولايات المتحدة الشطر الأكبر منها بعدما تنصّلت منها إلى حدّ كبير إلى الآن. وقد أدّت الحرب الأميركية في العراق، سواء بطريق مباشرة أو غير مباشرة، إلى نزوح أربعة ملايين عراقي تقريباً، واضطرّ نصفهم إلى مغادرة بلدهم. ولذا فعلى الولايات المتّحدة على خاصّة مسؤولية الاستجابة السريعة والسخية لمساعدة اللاجئين في لبنان، وكذلك الأعداد الأكبر منهم في سوريا والأردن ومصر، بالإضافة للنازحين داخلياً في العراق.
إلا أنّ المسؤوليّة لا يتحمّلها فقط من سبّبوا المشكلة. فبما أنّ لبنان يواجه واقع وجود اللاجئين على أراضيه، فعليه الالتزام، باعتباره عضواً في المجتمع الدولي، بإمدادهم ببعض الحقوق الأساسية، خاصة الحقّ في عدم الإعادة القسرية... وهو الحق في عدم الإعادة إلى حيث يواجه الشخص الاضطهاد أو التعذيب أو الموت. ونظرياً، لا يعيد لبنان اللاجئين العراقيين إلى العراق رغم إرادتهم. إلّا أنّه من حيث الممارسة، تُكرِه السلطات اللبنانية اللاجئين العراقيين على «اختيار» العودة إلى العراق، بدءاً من اعتقال طالبي اللجوء العراقيين الذين ليست لديهم تأشيرات نافذة، ثمّ احتجازهم، ثم «تخيير» من هم رهن الاحتجاز بين العودة إلى العراق أو البقاء رهن الاحتجاز لأجلٍ غير مسمّى... بهذا يمارس لبنان عملياً الإعادة القسرية، ما يعني انتهاك القانون الدولي.
وعلى حكومات المنطقة وغيرها من الحكومات، إدراك حقيقة أنّ العراقيّين الفارّين من العنف هم لاجئون. وعلى كلّ من هذه الحكومات التزاماتها الخاصة. فعلى الحكومات البعيدة عن المنطقة مساندة لبنان ماليّاً ومشاركة العبء الإنساني بشكل ينطوي على قدر أكبر من المساواة، وهذا بواسطة إعادة التوطين. إلّا أنّ الحدّ الأدنى لالتزام لبنان ـــــ بدعم من الآخرين أو من دونه ـــــ يتطلّب عدم إكراه اللاجئين على العودة إلى الخطر القائم. ويشمل هذا عدم إكراههم على اتخاذ خيارات تعرّض حياتهم للخطر.
* مدير برنامج سياسات اللاجئين في منظّمة «هيومن رايتس ووتش»