عصام سليمان *


يمثّل الدستور الإطار القانوني الأسمى لإدارة الشأن العام، وكلّ ما له علاقة به، ولا يجوز أن يتحوّل بأي شكل من الأشكال إلى أداة لعرقلة تسيير شؤون الدولة والمجتمع، أو الخروج بالعملية السياسية عن المسار الصحيح. ومن المؤسف أن الأمور سارت على امتداد السنوات المنصرمة في اتجاه لا يتفق والدستور، وأوصلت البلاد إلى ما هي فيه، وأدخلت المؤسّسات الدستورية في مأزق قاد إلى الفراغ في سدّة رئاسة الجمهورية.
الخروج من المأزق لا يكون إلا بالوفاق والعودة إلى الدستور، وإذا تطلّب ذلك تعديل الدستور من أجل إنقاذ الوطن، ينبغي أن يأتي التعديل متفقاً والنصوص الدستورية. وهذا يتطلّب تفسيراً مرناً للدستور في ضوء الغاية التي وُضع الدستور من أجلها، والإقلاع عن التفسير الجامد الذي يتحوّل معه الدستور إلى وسيلة لشلّ الحياة السياسية والمؤسّسات الدستورية.
نص الدستور في المادة 74 على أنّه إذا خلت سدّة الرئاسة يجتمع المجلس فوراً لانتخاب رئيس. وجاء في المادة 75 أن المجلس الملتئم لانتخاب الرئيس يُعتَبَر هيئة انتخابية لا هيئة اشتراعية ويترتّب عليه الشروع حالاً في انتخاب رئيس الدولة دون مناقشة أيّ عمل آخر.
المجلس لا يلتئم لانتخاب رئيس إلّا بالنصاب القانوني لجلسة انتخاب الرئيس، وهو الثلثان. والخلاف بين الأكثرية والمعارضة يحول دون اكتمال النصاب. إذاً ليس بمقدور المجلس أن يلتئم، فهل يمتنع عن الاجتماع إذا كان ثمة مخرج لإيجاد حلّ لانتخاب الرئيس، وإبقاء البلاد في المجهول، والتقاعس عن القيام بدوره؟
المجلس غير القادر على انتخاب رئيس في إطار النصوص الراهنة للدستور، عليه أن يبحث في مخرج دستوري، وإن اقتضى ذلك تعديل الدستور للخروج من المأزق السياسي والدستوري. لذلك لا بدّ من أن يجتمع المجلس للبحث في تعديل الدستور، ما دام غير قادر على الالتئام لانتخاب رئيس للجمهورية، بحيث يأتي تعديل الدستور خطوة مؤدية إلى الالتئام وانتخاب رئيس للجمهورية.
أمّا المبادرة في طرح تعديل الفقرة الأخيرة من المادة 49، فيمكن أن تأتي من عشرة نواب وفقاً للمادة 77، لكون المجلس في عقد عادي، وفي هذه الحالة يدعو رئيس المجلس النواب إلى الاجتماع لإقرار اقتراح التعديل بأكثرية الثلثين، ورفعه إلى الحكومة لكي تعدّ مشروع قانون بالتعديل، تقرّه بأكثرية الثلثين، وترسله إلى مجلس النواب لإقراره بالأكثرية نفسها، أو تأتي المبادرة بتعديله من الحكومة مباشرة لكون مجلس الوزراء يقوم وكالة بمهام رئيس الجمهورية بسبب شغور سدّة الرئاسة، لأن صلاحية اقتراح تعديل الدستور أُنيطَت بموجب المادّة 76، برئيس الجمهورية.
تبقى مشكلة الحكومة، فكيف يمكن لحكومة تعتبرها المعارضة فاقدة للشرعية وغير دستورية، أن تمارس صلاحية تعديل الدستور؟
من دون الغوص في الجدال حول دستورية الحكومة وشرعيتها، فهي موجودة ولم يصدر مرسوم يعتبرها مستقيلة. وقد نصّ الدستور في المادة 69 على الحالات التي تُعتَبَر الحكومة فيها مستقيلة، ولا ينطبق أي منها على وضع الحكومة في واقعها الراهن. وهذه الحكومة أنيطت بها وكالة صلاحيات رئيس الجمهورية (المادة 62).
والمخرج يكون بقبول المعارضة القرار الذي تتّخذه الحكومة بتعديل الدستور في إطار التوافق بين الأكثرية والمعارضة على انتخاب رئيس للجمهورية، أو عودة الوزراء المستقيلين عن استقالاتهم التي لم تُقبَل، وذلك للمشاركة في اتخاذ قرار تعديل الدستور، وخاصّة أنّه يتوقّف على هذا القرار انتخاب رئيس جديد واستقالة الحكومة حكماً بينما استمرار الأزمة يطوّل عمر الحكومة.
أمّا القرارات التي سبق أن اتخذتها الحكومة، فلا تمثّل مشكلة، لأنّ السلطة التي تتّخذ القرار تستطيع أن تعدّله أو تلغيه. فمجلس الوزراء الذي سيؤلَّف بعد انتخاب الرئيس يمكنه التصرّف بقرارات الحكومة الحالية كما يشاء. وقد سبق لحكومات أن عدّلت أو ألغت قرارات صادرة عن حكومات سابقة.
أما المخرج الذي جرى الكلام عنه، والقاضي باستقالة الحكومة لتصبح حكومة تصريف أعمال، ومن ثمّ تتّخذ في إطار تصريف الأعمال قراراً بتعديل الدستور، فهو يخالف المنطق الدستوري، لأنّ تصريف الأعمال يعني اتخاذ القرارات الضرورية لتسيير شؤون الحكم بالمعنى الضيق، بينما قرار تعديل الدستور هو من أهمّ القرارات، وقد يكون أهمّها على الإطلاق، ولا يجوز اتخاذه في إطار تصريح الأعمال. القضية تخضع للوفاق الوطني، ولا حلول خارج هذا الوفاق.
* كاتب واستاذ جامعي