علي شهاب *


كان يمكن الدراسة التي أعدّها معهد «سابان» الأميركي لدراسات الشرق الأوسط عن «حماية لبنان من تهديد السلفية الجهادية»، أن تمرّ سريعاً في خضمّ سيل التقارير البحثية والدراسات عن بلاد الأرز، لولا أنّ الاستنتاجات التي يخرج بها المركز تقارب «الانقلاب» في الرؤية إزاء عناوين متعدّدة مرتبطة بالوضع اللبناني، ولولا أنّ هذه الاستنتاجات تصدر عن مركز يموّله ويرأسه رجل الأعمال الإسرائيلي حاييم سابان، ويديره مارتن انديك ويشغله جملة من خبراء أمنيّين وعسكريّين إسرائيليّين.
ولئن كان «الذهول» يسود الباحث عند قراءة توصيات الدراسة للوهلة الأولى، فإنّ التدقيق ما وراء الأسطر، يكشف في جزء كبير هدفاً أميركياً ـــــ إسرائيلياً استراتيجياً باستدراج الجهاديّتين السنية والشيعية إلى الصدام، وإلّا فكيف السبيل إلى تفسير الدعوة إلى «السعي للحصول على تعاون حزب الله، الذي تعدّ ذخيرته البشرية والاستخباراتية حيوية لضمان أمن لبنان واليونيفيل» بهدف «مكافحة تهديد» السلفية الجهادية؟
غير أنّ الدراسة لا تخلو من اعتراف ضمني نادر بفشل السلطة اللبنانية الحاليّة في معالجة الكثير من القضايا التي تصبّ في النهاية في إطار توفير البيئة لصعود القاعدة في البلاد.
وتتركّز توصيات الدراسة في النقاط الآتية:
ـــــ بقدر ما يبدو هذا الأمر غريباً وغير منطقي بالنسبة للمسؤولين الغربيّين والأميركيّين، فإنّه سيكون من الغباء إنكار أن ما يمتلكه حزب الله من قيمة بشرية واستخبارية تقنية منظّمة تنظيماً جيداً، يكبح انتشار السلفية الجهادية في المناطق الجنوبية، ويعين على احتوائها.
ـــــ على الدولة اللبنانية أن تتعلّم من أخطائها الماضية، وأن تشمل خطّتها الإنمائية مناطق لم تصل إليها عملية إعادة الإعمار الكبرى بعد الحرب. وقد ثبت أنّ التركيز حصريّاًَ على إعادة بناء العاصمة على حساب مناطق أخرى، هو سياسة مدمّرة. إنّ بناء الدولة ووجودها الصلب المتماسك في المناطق المحرومة، يُعدّ أمراً جوهرياً وأساسياً، لأنه يحرم تنظيم «القاعدة» من إيجاد الملاذ الآمن له في لبنان.
ـــــ هناك إجماع ظاهر اليوم بين الفئات السياسية اللبنانية على رفض حمل الفلسطينيّين للسلاح خارج المخيمات، ومراقبة تنظيم السلاح داخلها. والحقيقة أنّ النقاش اللبناني ـــــ الفلسطيني حول هذا الموضوع الذي قد شرع فيه، يجب عدّه خطوة بالاتجاه الصحيح، الأمر الذي يمكن أن يقود بعد ذلك إلى مفاوضات بشأن التخفيف من معاناة الشعب الفلسطيني بتوفير الحريات المدنية الأساسية لهم. إنّ مشكلة اللاجئين الفلسطينيّين في لبنان وفي بلدان أخرى، مرتبطة بالصراع الفلسطيني ـــــ الإسرائيلي ارتباطاً جوهرياً وأساسياً، وبذلك فإن تسوية دائمة وشاملة للصراع الإسرائيلي ـــــ الفلسطيني هي التي ستجلب حلّاً محدّداً ونهائياً بالنسبة لمشكلة اللاجئين الفلسطينيّين.
ـــــ يجب على الدولة اللبنانية أن تساعد المؤسّسات والشخصيّات السنية المعتدلة في جهودها لإقناع العناصر المتطرّفة بنبذ العقيدة القتالية واعتناق فكرة النشاط الإسلامي السلمي.
ولـ«تحقيق قفزة في عملية محاربة القاعدة في لبنان»، يدعو مركز «سابان» إلى الأخذ بالتوصيات الآتية «في المدى القريب من قبل الحكومة اللبنانية وحلفائها، بمن فيهم الولايات المتحدة»:
ـــــ إشراك سوريا من خلال تأمين تعاونها الاستخباري في شأن تهريب السلاح والعناصر على طول الحدود السورية ـــــ اللبنانية، «من دون أن يعني ذلك الانتقاص من سيادة لبنان واستقلاله».
ـــــ تطوير عمليّات «الرصد والمراقبة» حول المخيّمات الفلسطينيّة، وذلك «من دون استفزاز الفلسطينيّين».
ـــــ توفير تمويل مناسب لاستخبارات الجيش اللبناني والعمل بجدية لإعادة هيكلة هذا الجهاز. ويكمل التقرير أنّه «حتى الآن، كانت إجراءات الحكومة اللبنانية الأمنية العملانية قاصرة؛ فهي لم تفشل في منع التفجيرات الأمنية وحسب، بل إنّها قصّرت في عملية مقاربة الإصلاح الأمني الواسع».
وفيما تدعو الدراسة إلى «فهم للأسباب المتجذّرة لتهديد السلفية الجهادية في سبيل العثور على حلّ طويل»، تشدّد على أنّه «ليس هناك حلّ عسكري لوجود القاعدة المتنامي في لبنان، فعلاج لبنان الشافي وترياقه الأكثر فاعلية ضدّ التطرّف والسلفية القتالية، يشمل رؤية اجتماعية ـــــ اقتصادية في إطار سياسات الإنماء المتوازن، إذ إنّ مصطلحات مثل التوظيف والتعليم والأمن الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والإنعاش، تُعد مصطلحات مباشرة مجهّزة لمحاربة السلفية الجهادية في لبنان بشكل أفضل من تلك المتعلّقة بمكافحة الإرهاب، وضرب رأس العنف أو البحث والتدمير».
وتخوض الدراسة الأميركية في تحليل «الأسباب المتجذّرة» للسلفية في لبنان، بالإشارة إلى أنّه، «منذ صحوتها في بداية الثمانينيات، كانت عقيدة السلفية الجهادية عقيدة دفاعية إلى حدّ كبير. وكانت تعكس بوضوح شديد ظروف الأزمة التي يعيشها لبنان. فتاريخيّاً، كانت مخيّمات اللاجئين مراتع للمجموعات السلفية الإسلامية على اختلافها. فالاجتياح الإسرائيلي للبنان، والإجراءات الأمنية الصارمة من قبل السلطات اللبنانية، والصدامات العنيفة مع الجماعات الإسلامية المنافسة، أدّت إلى إيقاظ وتحريك التيّار الجهادي السلفي ككلّ دفاعاً عن مشروعه الإسلامي. ومع ذلك، ظلّت السلفية القتالية مقيَّدة بالوقائع المحلية ومرتبطة بالقاعدة ارتباطاً هامشياً فقط».
وتكمل الدراسة أنّه «بالرغم من تعاطفهم بعضهم مع بعض، فإنّ حلفاء القاعدة في لبنان ليسوا موحّدين تحت مظلة منظّمة واحدة؛ فالجهاديّون السلفيّون لديهم أجندات مختلفة، كما أنّهم يشكّلون كيانات صغيرة نسبيّاً، سرية وشبه مستقلة مع هيكليات تنظيمية غير رسمية. وكلّ كيان مهتمّ باستمراريته وبقائه أكثر من اهتمامه بشن جهاد هجومي ضدّ الكفّار. كما أنّهم منقسمون إلى فئات سياسيّة أيضاً. وعموماً، واجهت هذه الجماعات تحدّيات مستمرّة داخل المجتمع السني اللبناني الذي كان معارضاً بغالبيّته للأيديولوجية الجهادية السلفية. وعلى أيّ حال، فإنّ التغيرات البنيويّة التي حدثت في لبنان والمنطقة في السنوات الأربع الماضية، أثّرت بعمق، وربما أعادت تعريف السلفية الجهادية، ليس فقط في لبنان، وإنما في المنطقة ككلّ. وبمعنى آخر، فإنّ التهديد اليوم هو أكثر تعقيداً وانتشاراً ممّا كان عليه في السابق».
وتنتقل الدراسة إلى ربط الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وتشكّل «قاعدة عمليات جديدة للإرهاب العالمي، حيث إنّه فتح الأبواب للقاعدة في الشرق الأوسط، وأصبحت السلفية الجهادية أكثر استقراراً في المنطقة، وغدت تمثّل تهديداً أساسياً لاستقرار البلدان على امتداد الشرق الأوسط. ولم يكن لبنان، الرابط الأضعف في سلسلة البلدان، استثناءً، فتأثيرات الحرب في العراق، وعودة التوتّرات الأمنية والسياسية والطائفية في لبنان عقب انسحاب الجيش السوري في أيار 2005، وحرب تموز 2006، وإدراك السنّة لتصاعد القوّة الشيعية الإيرانية في المنطقة، أعطى حياة جديدة أو معنى جديداً للتيار الجهادي السلفي في لبنان».
وفي هذا السياق، تُدرج الدراسة قضية «فتح الإسلام» في نهر البارد على أنها «دلالة واضحة على انتشار السلفية الجهادية في لبنان، فحتّى شهر أيار المنصرم، قلّة من الناس كانت قد سمعت بفتح الإسلام، إذ إنّ هويتها الحقيقية لا تزال حتى الآن موضع جدل. وبالرغم من أنّ بعض المراقبين يشيرون إلى روابطها مع تنظيم القاعدة، فإن آخرين، بمن فيهم ضبّاط كبار في الأمن اللبناني، يقولون إنّها لا تعدو كونها الاختراع الأخير لدمشق لدفع المصالح السورية قدماً في لبنان، ومنع قيام محكمة دولية لمحاكمة قتلة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري».
غير أنّ معهد «سابان» يعود ليحسم هوية «فتح الإسلام» بالقول إنّ «الادّعاء بأنّ فتح الإسلام ما هي إلا أداة سورية، ليس تبسيطاً للأمور فحسب، وإنما هو ادعاء لا طائل منه. فمع وفرة المعلومات التي طفت أخيراً على السطح، أصبح موضوع ارتباط فتح الإسلام بتنظيم القاعدة واضحاً لا لبس فيه. وتبرز هنا ثلاث نقاط: تصريح قادتها مراراً بأنّ فتح الإسلام متأثّرة بأيديولجية ووجهة نظر القاعدة العالمية، اشتراك فتح الإسلام والقاعدة بالأسلوب وطريقة العمل، ووجود اتصالات قديمة مع نشطاء القاعدة في العراق والعالم كله».
* صحافي لبناني




معهد «سابان» لسياسات الشرق الأوسط

في أيار 2002، ألقى الملك الأردني عبد الله محاضرة عن السلام أمام شريحة من صنّاع القرار في واشنطن كانت تشارك في افتتاح مركز «سابان» لسياسات الشرق الأوسط، الذي يستمدّ اسمه من مؤسّسه رجل الأعمال الإسرائيلي المؤثّر في واشنطن حاييم سابان.
ويدير المعهد الدبلوماسي الأميركي والسفير السابق لدى إسرائيل مارتن إنديك، أمّا مدير الأبحاث فهو كينيث بولاك المحلّل لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ومدير مجلس الأمن الوطني الأميركي لشؤون الخليج الفارسي والشرق الأدنى.
ومن أبرز الباحثين في المعهد، الخبير في شؤون الإرهاب والمحاضر في جامعة جورج تاون دانيال بيمان والخبير في شؤون الشرق الأوسط والضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية بروس ريدل، والبروفسور الإسرائيلي في تاريخ الشرق الأوسط والسفير الأسبق لدى الولايات المتحدة ايتمار رابينوفيتش، والصحافي الإسرائيلي ناحوم برنياع، والمسؤول الأمني الإسرائيلي آفي ديختر، والمسؤول الإسرائيلي السابق في الاستخبارات العسكرية يوزب كوبرواسر، والصحافي في «واشنطن بوست» روبن رايت والرئيس السابق لدائرة التخطيط في الجيش الإسرائيلي شلومو ياناي.