وسام الحاج *


يُقال إنّ غسّان كنفاني أرّخ «عصر التيه» الفلسطيني في قصص اللجوء التي عاصرها وكتب آلامها. اليوم في عصر عُولِم فيه الموت على شاشات الفضائيّات الإخباريّة، تصلنا أيضاً لحظيّة الألم اليومي. كُتب على المدوّنين عن فلسطين أن تحمل كتاباتهم الالتباس العسير للانقسام وضبابية الرؤية في الساحة الفلسطينية، وأن ينقلوا القصص اليومية، والمواقف بألم اللحظة، والفرح غير المستباح. وكان الانقسام الفلسطيني في غزّة منذ بداياته مؤلماً وقاسياً، وعلى مدار حلقاته التي امتدّت لشهور طويلة، كتب الكثير من المدوّنين بين مؤيّد ومعارض، ومن يحاول أن يفهم مبرّرات هذا الطرف أو ذاك.
القمع الذي مارسته أجهزة «حماس» الأمنية، والذي توجّه لتجمع «فتح» الأخير في ذكرى وفاة ياسر عرفات، كان صدمة للكثير من المدوّنين الفلسطينيّين، حتى أولئك الذين امتدحوا أداء «حماس» السياسي «كتيار مقاوم».
في الثاني عشر من تشرين الثاني، لم تجد أمل كعوش صاحبة مدوّنة ميرون (http://www.meiroun.blogspot.com) إلا أن تستبدل قلمها وريشتها بلوحة يعبئها السواد تحت وصلة تغطية الخبر. والعنوان المختار هو: ذكرى دامية لاستشهاد عرفات ـــــ أكثر من مئة قتيل وجريح.
الشاب رامي خريس الذي اشتهرت مدوّنته «زرياب» (http://cheikh-zeryab.blogspot.com) مع مجموعة من مدوّنات الشباب اليساريّين بنقدها الحادّ والساخر لـ«فتح» ورموز السلطة، قال في تناوله لأحداث احتفالية ذكرى وفاة عرفات: «أنا شخصياً لم أذهب، لديّ سببان وجيهان، وشخصيّان جدّاً: الأوّل هو العلاقة التي تربطني بعرفات ذاته، أنا يا أخي لا أحبّ عرفات ولا أكنّ له مشاعر التقدير مثل الآلاف الذين خرجوا بالأمس، وثانياً، أنا لست على استعداد لأن أقف وسط هذا السيل الجارف لأستمع لأحمد حلّس مسؤول فتح في غزّة، فلقد أمضيت أوقات فراغي على مدار عقد من الزمن في الاستماع لموشّحات تلفزيون فلسطين الفتحاوية، وشعرت باكتفاء ذاتي إزاءها، ولذلك لا طاقة لي بتحمّل المزيد منها». إلا أنّه يستدرك «كلّ ما تقدّم لا يجب أن يُفهم على أنّه تأييد لحماس وقمعها. تبقى الجماهير الفتحاوية رغم اختلافي الكبير معها وحنقي على فئات واسعة منها». ويتناول خريس الموضوع بجدية أكبر في مقال على مدوّنته الجديدة «اقتصاد وسياسة» (http://economipolitica.blogspot.com).
ومن الجدير بالذكر أن هذا الموقف من ممارسات «حماس» في غزّة، يعبّر عن تحوّل هامّ ونوعيّ في رؤى من أثنى على سلوك الحركة الاسلامية في غزّة في الفترة الأولى التي تلت الحسم العسكري، ويعدّ نموذجاً لتغيّر المزاج العام في غزة تجاه الحركة. فقد كتب خريس بعد السيطرة على غزة تحت صورة نشرها لأحد المتطوعين الذين كلّفتهم «حماس» بتنظيم المرور في شوارع مدينة غزة: «هذا الفتى الأسمر الذي يلبس سترة فسفورية طُبع عليها شعار الحركة قد يكون اسمه أبو مصعب أو أبو عبيدة، لكن من المؤكّد أنّه أيضاً تشي غيفارا حمساوي بكل امتياز»، مؤكّداً «أنّ أبا مصعب وأبا عبيدة، أشبال حماس الذين يسقون بعرقهم شوارع وأزقة غزّة، هم الورثة الحقيقيّون للكومندانتي الذي ضجّت الأرض من تحته يوماً بكل الثورة والعطاء».
سبقه زميله «الإمام الأحمر» (http://faragallah.blogspot.com) المؤيّد بشدة لسيطرة «حماس» على غزّة، باستهجان مستتر للاشتباكات المتتالية بين عناصر أمن «حماس» ومقاومي «سرايا القدس» لحركة الجهاد الاسلامي، ويقول في مدوّنته: «يعني بين كل هالأضداد في المنطقة ومحيطها، وبين كل هالعشائر والأديان والأمم والشعوب يلّي مش طايقة تشوف بعض، كان لازم تدبك بين حماس والجهاد، رغم أن القضية... تمرّ».
وفي مدوّنة تبولة غزّة (http://tabulagaza.blogspot.com)، تحت عنوان (حماس: بين الاضطهاد والخلاصHamas: Between Oppression and Salvation)، كتب السيد فيليب زرق المهتم بالشأن الفلسطيني عن حواره مع أصدقائه في غزة عبر برنامج المحادثة skype، حيث يشكون له الوضع السياسي الداخلي والارتفاع الهائل للأسعار في غزة: «سعر كيس الدقيق صعد من 80 إلى مئتي شيكل، أسعار السجائر أصبحت عالية جداً، حتى إن جمال قلّل من تدخينه بشكل حاد. شيء إيجابي على الأقل للحصار الخانق. أضاف جمال بطريقته المعتادة في الضرب بالمطرقة على أطراف الأصابع: «كل الأشياء ترتفع أسعارها في غزة، إلا البشر ما زالت أسعارهم زهيدة». ثم ينتقل السيد رزق في الحديث مع أصدقائه إلى الحشد الضخم لحركة «فتح» في الذكرى السنوية لوفاة ياسر عرفات، ويتطرّق الحوار لحملة الاعتقالات التي طالت المئات من نشطاء «فتح» من قبل أجهزة «حماس» الأمنية. وإذ يعرب (صديقه) جمال عن قلقه وتخوّفه ممّا آلت إليه الأمور، والأخبار المفجعة عن مقتل 6 متظاهرين على أيدي أجهزة الأمن التابعة لـ«حماس» في ذلك اليوم، يستشهد رزق بإدانة تقرير المركز الفلسطيني لحقوق الانسان للعنف الذي واجهت به الأجهزة المتظاهرين. إلا أنه يضيف أيضاً تحقيقاً لـ جدعون ليفي عن «هآرتس» يشير إلى تنامي قوة «حماس» العسكرية في مواجهة عمليات جيش الاحتلال الذي يواجه على حدّ قول أحد ضبّاطه ـــــ نقلاً عن ليفي ـــــ «جيشاً بكل المقاييس، لا مجموعة من الزعران»، مناقضاً الفهم الذي يسوّق له الصحافي الإسرائيلي لنظرية «توازن الرعب» في غزة.
أما في الضفة الغربية، فتتصاعد حدّة ممارسات الأجهزة الأمنية، بين الاعتقالات المتواصلة لنشطاء «حماس»، والحملة الأمنية في نابلس، التي طالت نشاطاتها حصار المقاومين في مخيم العين وغيره. وتُوِّجت هذه الممارسات بـ«حسم أمني» لمنع تظاهرات الاحتجاج على مؤتمر أنابوليس، سقط جرّاءها قتيل وعدة جرحى. إلّا أن معظم الآراء المنشورة عن هذه الأحداث موجودة على صفحات المنتديات، واكتفت بعض المدوّنات بنقل التغطية الإخبارية عن وسائل الاعلام.
* صحافي فلسطيني