strong>فنسان الغريّب *


في ظلّ المواجهة الباردة المتنامية ما بين الولايات المتحدة وإيران في الشرق الأوسط، وفي ظلّ الموقف الإيراني من مؤتمر أنابوليس الذي عبّر عنه رئيس مجمّع تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني، الذي يرأس أيضاً مجلس خبراء القيادة، في سياق انتقاده هذا المؤتمر، حين قال إن «أمن العالم رهن بأمن الشرق الأوسط، والكل يدرك أن إيران هي التي تمتلك مفتاح أمن هذه المنطقة»، في ظلّ كل هذه الأجواء، وفي ظلّ محاولة واشنطن تطويق إيران و«خنقها» سياسياً واقتصادياً (وربما عسكرياً لاحقاً)، لا بدّ من تبيان أداة القوّة الأبرز التي تتمتّع بها طهران، والمتمثّلة بالنفط، الذي يمثّل تحدّيا أمام واشنطن وخطراً يتهدّد مشروعها التوسّعي في المنطقة، ورغبتها في إطالة أمد هيمنتها في عالم متغيّر.

«الانحطاط البطيء»
يقول روجر هاورد، الصحافي المتخصّص بشؤون الدفاع والطاقة في الشرق الأوسط، في كتابه «نفط إيران»، إنه فجأة وبشكل غير متوقّع، يمكن أن تنهار القوى العظمى، وتسقط بسرعة كبيرة وحتى مثيرة. ورغم أنّ نفوذ وتأثير الكثير من الأمبراطوريات الكبيرة تراجعا تدريجاً وبشكل غير محسوس على مدى عقود طويلة، أو حتى قرون من الزمن، كما هي حال الامبراطورية البريطانية أو ما يدعوه إدوارد غيبون «الانحطاط البطيء»، إلا أنّ الكثير من المعاصرين والمؤرّخين يؤكّدون أن النهاية المفاجئة لقوى أخرى كالولايات المتحدة الأميركية، يمكن أن تحدث. ففي الزمن المعاصر، يبدو من المحتمل أن تعاني الولايات المتحدة فقدان نفوذها العالمي بسرعة مشابهة.
إنّ أميركا التي ظهرت عشية غزو العراق في آذار من عام 2003 عملاقاً طليقاً من القيود، وواثقاً من قدرته على إيجاد موطئ قدم له بسهولة في الشرق الأوسط، والذي أثار الإعجاب من أصدقائه وحلفائه، والعداء والازدراء من منافسيه وأعدائه، ربما يبدو موقفه في السنوات القليلة المقبلة، برأي هاورد، دفاعياً ويسهل اختراقه، مع انقلاب ولاء حلفائه وابتعادهم عنه، وتزايد جرأة أعدائه على مواجهته. وفي الوقت نفسه، ربما تبدو توقّعات أولئك الذين بشّروا بـ«القرن الأميركي القادم»، وتطلّعوا قدماً إلى السلام والديموقراطية والتقدّم الذي يمكن أن يجلبه معه، فارغة وفي غير محلّها.
إذا ما حصل ذلك، فلن تكون تجربة أميركا «الفاشلة» في العراق، أكثر العوامل أهمية في هندسة هذا التغيير، حيث تقوّض اسمها، وساءت سمعتها، واستنزفت مواردها وقواتها العسكرية نتيجة التمرّد الذي تواجهه هناك، إضافة إلى الإصابات بين المدنيّين والفظائع التي يشهدها هذا البلد. يقول هاورد إن الولايات المتحدة قد تجاوزت هزيمتها في فيتنام، وحافظت على هيمنتها العالمية رغم الضرر الكبير الذي ألحقته الحرب هناك بها.
ولن يكون سبب التغيير برأيه، الصعود القوي للتنين الصيني، الذي وضع قوّته الاقتصادية على الطريق الصحيح ليصبح أكبر سوق في العالم، ويتغلّب على الولايات المتحدة التي احتلّت المركز الثاني. وحتى في حال حدوث ذلك، تستطيع أميركا البقاء قوّة عظمى عالمية، إن لم تكن القوّة الأعظم التي تهيمن على العالم.

أسيرة البلدان المنتجة للنفط

ما هو التحدّي الأبرز الذي تواجهه واشنطن اليوم، والذي تعمل قيادتها جاهدة على تفاديه أو مواجهته بشتى الطرق، لا سيما في الشرق الأوسط؟ يعتبر هاورد أنّ التحدي الأكبر والأكثر أهمية، سيكون اعتماد الاقتصاد العالمي على النفط والغاز الطبيعي، حيث بدأت القوة السياسية تنتقل فجأة إلى أيدي أولئك الذين يمتلكون المصادر الطبيعية ويستخدمونها لتغذية حال التبعية على حساب أولئك الذين لا يمتلكونها، وهو الأمر الذي تواجهه واشنطن مع إيران، في ما يتعدّى طموحها النووي، إلى التحدّي الذي يمثّله نفطها والذي يعد مصدراً أساسيّاً لتغذية اقتصادات القوى العظمى الأخرى، وفي مقدّمتهم الصين (منافس أميركا) وأوروبا (حليف أميركا المفترض). لذلك فإنّ قوّة «سلاح النفط» الذي تمتلكه إيران، تعادل ـ إن لم تكن تفوق ـ أهمية امتلاكها السلاح النووي، وهو أمر يدركه جيداً، محافظو الادارة الأميركية، ويسعون لمواجهته بشتّى الطرق.
خلال القرن العشرين، اتُّهمت حكومات البلدان المتطوّرة دائماً باستغلال الموارد الطبيعية للبلدان الأقل تطوّراً، وكان هناك اعتراض بأن الأولى تستخدم تفوّقها العسكري الكاسح لنهب ثروات تلك البلدان والحصول على الأفضلية لاستغلالها. ولعب قادة وطنيّون، مثل محمد مصدّق في إيران وجمال عبد الناصر في مصر، هذه الورقة إلى النهاية، وتمكّنوا من استعادة شركة النفط التي كان يمتلكها الغرب، أي الشركة الأنغلو ـــــ إيرانية، إضافة إلى شركة قناة السويس التي كانت تتمتّع بامتيازات محلية كبيرة.
واليوم، يرى الكثير من المحلّلين أن الحافز الرئيسي لقيام الولايات المتحدة بغزو العراق عام 2003، كان اهتمامها باحتياطاته الضخمة من النفط العالي الجودة.
إلا أنّه في القرن الحالي، ظهر برأي هاورد، تغيّر واضح وسريع في الخطاب السياسي لقادة دول أوروبا وأميركا الشمالية الذين اتهموا علناً نظراءهم في الدول الغنية بالطاقة، باستغلال احتياطات النفط والغاز لإحداث تأثيرات سياسية هائلة. وادّعى نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني في أيار من عام 2006 استخدام القادة الروس مصادر الطاقة المتوافرة لديهم كـ«أداة إكراه أو ابتزاز». إنّ الصورة الجيوسياسية الواسعة في عام 2006 تظهر بوضوح عملية التحوّل السريع لعملية وقوع القوى السياسية أسيرة قبضة البلدان التي تمتلك احتياطات من النفط والغاز. وفي ظلّ الاعتماد شبه الكلّي على النفط المستورَد، والذي يسبّب قلقاً كبيراً للدوائر الأميركية العليا، لا يمكن أن تنظر واشنطن لسياسات الدول المنتجة للنفط، ومنها روسيا وإيران وفنزويلا، سوى بمزيج من الحسد والشعور بالخطر.
برأي هاورد، يُضاف إلى عامل تحدّي بعض الحكومات المنتجة للنفط (كإيران وفنزويلا) لواشنطن علناً، عامل آخر يقوّض قوّة أميركا الدولية، ألا وهو ندرة النفط العالمي، فلضمان مصادر إمدادات الطاقة، أصبحت الحكومات الأجنبية أكثر استعداداً لإعطاء الأولوية لإمداداتها الذاتية من الطاقة، على استرضاء واشنطن. فقد امتنعت الصين مثلاً، في أيلول 2004، عن تأييد قرار في الأمم المتحدة رعته واشنطن ويقضي بإدانة عمليات «الإبادة الجماعية» في السودان، لا بل وعدت في المقابل بمنع أي تحرّك لفرض عقوبات نفطية على هذا البلد الذي هو أحد المصدّرين الرئيسيّين للنفط إلى الصين.
ويعود اعتراض الصين واليابان وفرنسا وألمانيا على حرب العراق في جزء كبير منه إلى أسباب نفطية. واليوم أيضاً، يمكن إدراج اعتراض قوى عظمى عدّة على احتمال شنّ حرب أميركية على إيران، في الإطار نفسه، حيث تختلف المصالح بين واشنطن وتلك القوى. من هذه الزاوية نفهم تجرّؤ تلك القوى على انتقاد واشنطن وتحذيرها من مغبّة إحداث أزمة اقتصادية ومالية عالمية كبرى، إذا قامت إدارة بوش الابن بتنفيذ خططها العسكرية لناحية ضرب إيران.

إيران تتحدّى النفوذ الأميركي الدولي

يحتلّ التحدّي الذي تمثّله إيران في وجه الولايات المتحدة جزءاً من هذه الصورة الكبيرة للسياسات النفطية الجديدة في القرن الحادي والعشرين. وارتفاع أسعار النفط، برأي هاورد، هو عامل مهم في سياسة التحدّي النووي الجديدة التي تنتهجها إيران، أحد أكبر مصدّري النفط في العالم. في تشرين الأول من عام 2003، خضع المفاوضون الإيرانيون للضغوط الدولية الداعية إلى منح المزيد من الصلاحيات لمفتّشي الوكالة الدولية للطاقة الذريّة، والإيقاف الفوري لعملية تخصيب اليورانيوم. لكن بعد عامين فقط، ازدادت رغبة النظام الإيراني في تحدّي الأمم المتحدة، ومواعيدها النهائية المتتالية، وآلية تمرير قراراتها. السؤال المحوري الذي يُطرح في هذا الإطار، هو عن السبب الحقيقي وراء هذا التغيير في سياسات طهران وتجرّؤها على تحدّي الأمم المتحدة، ومن ورائها واشنطن؟
لم يكن التغيير الذي طرأ على سلوك طهران، برأي هاورد، ناتجاً عن انتخاب الرئيس الجديد محمود أحمدي نجاد (في صيف عام 2005)، بل بسبب ارتفاع أسعار النفط من نحو 33 دولاراً للبرميل في بداية عام 2004 إلى ما يقرب من 70 دولاراً في آب من العام التالي، وهو آخذ بالصعود المتواصل اليوم، ما يعطي دفعاً إضافياً لسياسات التحدّي التي تعتمدها القيادة الايرانية في مواجهة محاولات واشنطن محاصرة هذا النظام وإسقاطه.
إن ارتفاع أسعار النفط منح طهران القوّة للتهديد بفرض إجراءات عقابية ضدّ منتقديها، ومكافأة البلدان التي تقف إلى جانبها، وعلى رأسها الصين. كذلك مكّن ارتفاع سعر برميل النفط طهران من تقوية أذرعها العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، ابتداءً من لبنان عبر حزب الله، الحليف القوي لطهران، مروراً بـ«حماس» في فلسطين، وصولاً إلى حلفائها الشيعة في العراق. من هنا نفهم تصريح رفسنجاني بأنّ إيران أصبحت تمتلك اليوم مفتاح أمن المنطقة. إنّ امتلاك طهران هذا المفتاح يعود في جزء كبير منه إلى ارتفاع أسعار النفط الذي منح القيادة الايرانية القدرة على تقوية تحالفاتها مع الجماعات التابعة لها في المنطقة، كما على إخافة خصومها. وهي القدرة نفسها التي تملكها طهران وتستخدمها في مواجهة مشروع التمدّد الامبراطوري الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، لا بل تواجهه بمشروع تمدّد أمبراطوري إقليمي إيراني مضادّ.
لذلك كلّه فإن احتياطات إيران الضخمة من النفط والغاز الطبيعي لم تشجّع نظام طهران على تحدّي الإرادة الأميركية وحسب، بل وضعت ضغوطاً متزايدة على نفوذ أميركا الدولي، بحسب رأي هاورد.
لقد أصبحت محاولات واشنطن لعزل إيران عن الاستثمارات الأجنبية، وبناء جبهة موحّدة يمكن من خلالها مواجهة طموحات طهران النووية، أصبحت هذه المحاولات أكثر صعوبة نتيجة الإغراء التي تمثّله تلك المصادر للقوى العظمى الأخرى، المنافسة اقتصادياً للولايات المتحدة، وحتى سياسياً على المدى المتوسّط والبعيد.
إنّ تزايد الطلب الداخلي على النفط والغاز، الذي لا يمكن تجاهله، يدفع بتلك القوى والبلدان إلى تنحية رغبات واشنطن جانباً، وصولاً إلى حدّ معارضتها في بعض الأحيان، ومنح الأولوية لعلاقاتها مع طهران. والنتيجة ستكون تزايد حدّة التوتّر بين الولايات المتحدة والحلفاء والمنافسين الدوليين على حدّ سواء، ما سيمثّل تحدّياً واضحاً وجدّياً لقوة أميركا السياسية والاقتصادية على الساحة الدولية.
في ظلّ هذا التحدّي الجدّي الذي تواجهه واشنطن اليوم من طهران، التي تستخدم النفط والغاز كأداة ترغيب وترهيب في إطار حربها الباردة مع واشنطن، وكسلاح قاتل للاقتصاد الدولي في حال حصول أي مواجهة عسكرية بين الطرفين، يبقى السؤال عن قدرة واشنطن على تعديل موقعها السياسي لمواجهة هذا التحدّي النفطي ـــــ السياسي الإيراني، مركزيّاً في واشنطن، مع معرفة صقور الإدارة الأميركية أنّ أي مواجهة عسكرية مع أولئك الذين يمتلكون أسباب القوة (أي النفط والقدرة العسكرية)، سوف تكون خطيرة على أميركا نفسها.
* باحث لبناني