عانت «إسرائيل» على مدى سنوات وجودها الستين ما لم تعانه دولة على وجه الأرض في طريق تشييد أبنيتها وتثبيت هويتها وحماية أمنها. وعلى الرغم من الحروب الكثيرة التي خاضتها، والاتفاقات العديدة التي أبرمتها والقوانين العلمية التي كشفتها إلا أنّها لم تحظَ بهناء العيش ويقين البقاء. على الدوام كان الأمن الإسرائيلي مكشوفاً بدرجة كبيرة أمام الفلسطينيين وحركات المقاومة، وحتى الانتفاضات الشعبية المنخفضة الحدّة التي كان يقوم بها فلسطينيو الداخل (عرب 1948) كانت تُشكل عوامل ضغط جدّية على (الكيان) وتُبرز بأشكال متفاوتة مآزق القيادة الإسرائيلية في التعامل مع تعقيداتها.


وفي مراجعة سريعة لتسلسل الأحداث خلال العقد الأخير يظهر بوضوح أنّ عوامل القلق والتخوّف لدى الإسرائيليين كانت تتراكم بسرعة كبيرة، ثم جاءت التحوّلات الخطيرة في المنطقة لتُضعف من قدرة المؤسسات الأمنية الإسرائيلية على التحليل والتقدير والتوّقع وبالتالي تضمين استرتيجياتها أدوات جديدة فعّالة تسهم في تحقيق أمن الكيان عموماً. كانت التداعيات السيّالة التي تشهدها المنطقة العربية تنتج تدهوراً في النظام الإقليمي لا يمكن وقفه ووضع حدٍّ نهائي له، ولم يكن ما يحصل يعكس فحسب حالة الانتقال من نظام خائر القوى انتهت صلاحيته الزمنية، إلى نظام جديد يُراد له أن ينخرط بمجريات العولمة ومتطلباتها المتحركة؛ فهذه النواحي السلبية لم تكن تُشكل إلا جزءاً من الصورة العامة، والحقيقة أنّ التفتت العام الذي بدأ يحلّ ببلدان (الشرق الأوسط) لا يستثني إسرائيل نفسها. إذ صارت التفاعلات المجنونة والصراعات المصبوغ معظمها بالدم لا تفترض فقط، تعديلاً أو تفككاً للخرائط أو انهداماً كلياً للبلدان العربية المعروفة، وإنما حديثاً جدّياً يتناول العناصر الجديدة التي تطرحها المخاطر وتهديدات الوضع الراهن على بقاء إسرائيل ذاتها. ولطالما شكّلت المواجهات الدموية كما يقول: Schmookier القوالب الأكثر وضوحاً للمصائر الجماعية للشعوب. والإسرائيليون ليسوا خارج هذه القوالب ولا على خط تماس مع توترات المنطقة واضطراباتها بل في أتونها الملتهب، ما يعني أنهم محكومون أيضاً بنتائجها. هذه الحقيقة انعكست في نوعية التساؤلات التي بدأت الانتلجنسيا السياسية والعسكرية مناقشتها. فهل إسرائيل مستعدة للتحولات الراهنة والمقبلة؟ وهل هي قادرة على استيعاب آثارها وهضم تداعياتها؟ أم أنها لا تملك أن تواجه تهديداً أو أن تملأ فراغاً أو ترسم خريطة إما لفقدان المقوّمات أو لضعف في الإرادة والشجاعة، أو بسبب يأس استراتيجي بدأ يطاول كل مفاصل الدولة التي تعتمد على دور الولايات المتحدة الأميركية بشكل رئيسي في استمرارها على قيد الحياة. لقد بنى الآباء المؤسسون للكيان الإسرائيلي ومنهم بن غوريون العقيدة الأمنية على قواعد فرضتها توازنات وظروف تلك المرحلة بدءاً باستراتيجية شن الحروب الاستباقية الخاطفة، فاستراتيجية «نقل الحرب إلى أرض العدو»، مروراً باستراتيجية إقامة علاقات تعاون سياسي وعسكري وأمني مع دول الغلاف الإقليمي الآسيوي والأفريقي للوطن العربي، وصولاً إلى استراتيجية اللحظة الحالية التي تقوم على العبث بالبيئة العربية من خلال النزاعات والفتن بين مختلف المكونات الطائفية والعرقية. وكانت صورة الكيان عبر المراحل المتفاوتة ترتبط بثلاثة مبادئ أمكن في ظلها تحقيق انجازات مهمة رغم أنها لم تكن كافية بأي حال لتحقيق أمان نهائي، وهي: الأعمال الردعية العدوانية، والتضامن الداخلي، والاعتماد على الرعاية الخارجية. ومقارنة بما كانت عليه الحال سابقاً تبدو إسرائيل عاجزة عن شن ضربة استباقية على المفاعلات النووية الإيرانية رغم تهديداتها المتكررة. ومردوعة من حزب الله، فحتى الساعة لا يجرؤ أحد من القادة السياسيين والعسكريين على أن يستخدم مع الحزب، الذي يكتسب مهارات وخبرات قتالية متزايدة، عبارة كلينت ايستوود الساخرة: «عندما يكون عليك إطلاق النار، اطلق النار، ولا تتحدث». ومنقسمة من الداخل بسبب الخلافات الحادة بين أقطابها وأحزابها حيث تعكس الانتخابات المزمع إجراؤها في السابع عشر من الشهر الجاري صورة مصغرة عن هذه الخلافات خصوصاً بين نتنياهو الذي يطمح لفترة جديدة على رأس السلطة التنفيذية ومنافسيه وأبرزهم اسحق هرتزوغ وتسيفي ليفني بسبب سياساته الداخلية الرعناء. أما العبث بالبيئة العربية ودعم جماعات تكفيرية متطرفة فيبدو أنّه جاء بنتائج عكسية، وباتت المخاطر على إسرائيل أكبر مما كانت عليه حتى في زمن وجود أنظمة عربية معادية. وأمّا دعم الولايات المتحدة فهو في تناقص مضطرد مع انكفائها من المنطقة وتحوّل اهتمامها إلى مناطق أخرى من العالم ما سمح لإيران أن تتمدد أكثر وتملأ الفراغ بل وتصبح على تخوم الكيان مباشرة من جهات ثلاث، غزة وجنوب لبنان والجولان السوري. كما أنّ التوجه الأوروبي للاعتراف بدولة فلسطينية وتباين وجهات النظر بين نتنياهو وأوباما حول الملف النووي الإيراني والأزمات التي تعصف بالدول الآسيوية والأفريقية التي أنشأت معها إسرائيل تحالفات سريّة أو علنية، تحبط الآمال بمستقبل هادئ. وحين تبلغ الفوضى العالمية مستوى يهدد بتقويض أركان النظام الذي تتزعمه الولايات المتحدة، يحق حينها لنتنياهو أن يقول: «إنّ الشعب اليهودي وإسرائيل في خطر»، وأن تتشكل لجان للنظر في العقيدة الأمنية ويضطر أعضاؤها لإضافة (مفهوم الدفاع) للمرة الأولى إلى جانب المفاهيم الاستراتيجية الأخرى، وأن يقول وزير إسرائيلي: حقاً، ماذا بقي من قواعد بن غوريون؟ وأن يتوجه نتنياهو لرئيس أركانه الجديد غادي إيزنكوت بالقول: «السنوات الأربع المقبلة ستكون أصعب بكثير من السنوات الأربع السابقة التي مرت تحت قيادة بيني غانتس».
تشعر إسرائيل أنّ الخطر عندما يصل إلى نقطة الوجود وعدم الوجود، فإن الصراع لا يعود قائماً على هاجس الحصول على مغانم قابلة للاقتسام مع حلفائها الغربيين أو على توزيع أدوار، وإنما على مبادئ لا تنقسم حتى ولو بقيت بمفردها تحارب (كل الأعداء ومن جميع الجهات). ولذلك ما تبقى للإسرائيليين من حياة سيعيشونها بمقدار قوتهم ووفقاً للسيف الذي سيحملونه في أيديهم، هكذا خلصت أدبيات مؤتمر هرتسيليا الأخير!
* كاتب وأستاذ جامعي