عصام نعمان *


الأزمة في لبنان مستمرّة. نظامه السياسي والأزمة صنوان منذ عهد الاستقلال. حاضره كماضيه يعيش مرحلة انتقالية، هي مرحلة الانتقال من إدارة الأزمة المديدة إلى تغيير النظام الذي بات خطراً على الكيان. متى تنتهي المرحلة الانتقالية؟ وأيّ نظام سيكون للبنانيّين في نهايتها؟.
قوى 14 آذار ، وهي «نخبة» الطبقة السياسية القابضة، تعيش في الوقت المستقطع. كان يجب أن تخرج من ملعب الصراع في ختام حرب إسرائيل الثانية على لبنان منتصفَ عام 2006. الولايات المتحدة، وهي الخصم والحَكَم في آن، رفضت إخراجها من الملعب وفرضت بقاءها بفريق أعرج يفقد لاعبيه تدريجاً.
تبدو لعبة السلطة اليوم على مفترق: إما أن ينجح الخصم والحَكَم في رفد فريق 14 آذار برئيس جديد ولاعبين جدد وإما أن تتوقف اللعبة بعد أسبوع أو شهر أو سنة.
لعبة السلطة تعيش إذاً مرحلةً انتقالية. ومهما طالت الأزمة وإدارتها فإنها محكومة بنهاية محتّمة: إخراج الفريق الهزيل، المترهّل والمتعب، من الملعب وتغيير نظام اللعبة والتشدد، ربما، في تأهيل اللاعبين الجدد.
جوهر الصراع في الوقت الحاضر محاولةُ الخصم والحَكَم الاحتفاظ بفؤاد السنيورة رئيساً للفريق الحاكم أو الاستعاضة عنه بآخر من فئته ومعدنه، والحرص تالياً على أن يبقى ميشال عون شخصياً خارج الحكم لئلّا يصبح رئيسه. أمّا التسوية التي يرتضيها الخصم والحَكَم فهي تعيين ميشال سليمان رئيساً فخرياً لفريق السلطة، على أن يبقى السنيورة أو آخر من فئته ومعدنه «الكابتن» الفعلي.
عون، ومعه حزب الله وغالبية قوى المعارضة، يرفض المساومة والمقايضة. كان ينتظر وحليفه حزب الله خروج الفريق الحاكم من ملعب السلطة في ختام حرب إسرائيل الثانية، لكن الخصم والحَكَم استكثر على لبنان أن يفوز حزب الله في ملعب الحرب وأن يخسر فريق 14 آذار في ملعب السلطة. انتظر الخصم والحَكَم خروج إميل لحود من الملعب وفي ظنّه أن ذلك يُطلق يدَي السنيورة في إدارة اللعبة كما يحلو له ولفريقه، وحسب القواعد التي وضعها الخصم والحَكَم تحديداً. عون لم يتأثر جرّاء خروج لحود، بل ضاعف جهوده وانتقل مع حلفائه من اللاعبين من الدفاع إلى الهجوم، ونال إعجاب متابعي اللعبة في الملعب وعلى شاشة التلفزيون. الدليل؟ إنه الاستطلاع الذي أجراه مركز عبدو سعد الموثوق للأبحاث والمعلومات بين المسيحيين في مناطقهم ونال بموجبه تأييد 64 في المئة منهم. إلى أين من هنا؟
يبدو أن الخصم والحَكَم متمسك بموقفه ويرفض التراجع من أجل التوافق. قوى المعارضة، بشخص عون ودعْم حزب الله، متمسكة هي الأخرى بموقفها. هذا سيؤدي إلى إطالة الأزمة ويُبقي إدارتها بين يدي السنيورة. إدارة بوش لن تبتئس وإن سيعتريها خوف من مضاعفات سلبية لاحقة. قوى المعارضة لن تبتئس أيضاً لأنها تفضّل إطالة إدارة الأزمة على تسويتها بطريقة ناقصة وسطحية قد تؤدّي إلى استمرارها وتأجيجها تحت غطاء اسمه مشاركة المعارضة في حكومة ملغومة برئاسة السنيورة أو برئاسة آخر من فريقه. هل من مخرج؟
ثمة مخرجان يحسّنان إدارة الأزمة ويسهّلان، على الأرجح، وضعها على سكة التهدئة. المخرج الأول يكون بتخلّي واشنطن (ومعها الرياض) عن ترئيس السنيورة أو سعد الحريري الحكومة الجديدة، والقبول بآخر مستقل أو حتى بشخصية معتدلة من جماعة الحريري، مقابل انتخاب ميشال سليمان رئيساً للجمهورية لمدة سنتين أو ثلاث، يقوم بعدها مجلس النواب الجديد المنتخب في ربيع عام 2009 باختيار رئيس جديد، على أن يكون من حق سليمان الترشح من جديد للرئاسة. المخرج الثاني يكون بقبول واشنطن والرياض بانتخاب عون رئيساً للجمهورية لمدة سنتين أو ثلاث مقابل اعتماد الحريري رئيساً للحكومة، وذلك لمدة تنتهي مع انتهاء الانتخابات النيابية في ربيع عام 2009.
إن أيّ من المخرَجين المشار إليهما قد يحقق حداً أدنى من التهدئة، لكنه لن يحقق تسوية متوازنة قابلة للحياة. شرط التسوية الجدّية المتوازنة أن تتوافق قوى الموالاة والمعارضة مسبقاً على تنفيذ إصلاحات اتفاق الطائف في المرحلة الانتقالية، وأبرزها تلك المنصوص عليها في المادة 22 من الدستور : (أ) استحداث مجلس للشيوخ، إلى جانب مجلس النواب، تنحصر صلاحياته بالقضايا المصيرية والأساسية، (ب) انتخاب أعضاء مجلس النواب على أساس وطني لا طائفي (وفق قانون للانتخابات النيابية يُستحسن ان يكون على أساس التمثيل النسبي). كل ذلك من اجل أن يصبح المجلسان بمثابة جمعية تأسيسية تجسّد صحة التمثيل الشعبي وعدالته، فتتمكن القوى الإصلاحية إذذاك من مباشرة مسار إعادة تكوين السلطات في إطارٍ من المشروعية الشعبية والشرعية الدستورية.
من دون هذه الإصلاحات الأساسية لا سبيل إلى إنهاء الأزمة المزمنة الناشئة من عدم وجود دولة في لبنان. ذلك أن ما نراه ونلمسه ليس دولةً بالمعنى المتعارف عليه، بل مجرد نظام أشبه ما يكون بآلية Mechanism لتقاسم السلطة والمصالح والمغانم بين أركان طبقة قابضة قوامها متزعّمون في طوائف، ورجال أعمال وأموال، وآمرو أجهزة أمن واستخبارات.
أزمة لبنان في الواقع، هي أزمة الطبقة السياسية القابضة المتحكمة بمقدّراته منذ الاستقلال والتي سبّبت، بفسادها وسوء إدارتها ومناحراتها ومغامراتها وإفلاسها الأخلاقي، تهديم الوحدة الوطنية، وشلّ هيكلية الإدارات العامة، وتدمير الاقتصاد الوطني، وتركيب مديونية عمومية تناهز خمسين مليار دولار، ووضع البلد على حافة فتنة أهلية.
لا سبيل إلى إنهاء الأزمة المستعصية ما دامت هذه الطبقة السياسية القابضة ممسكةً بمفاصل السلطة والاقتصاد. وإذا كان من غير الممكن، كما من غير الجائز، اللجوء إلى القوة لإزاحتها من السلطة، فإنه من غير الجائز أيضاً أن تلعب قوى المعارضة، وهي في معظمها من خارج الطبقة القابضة، لعبة أهل النظام الطوائفي الفاسد. آن الأوان لاعتماد مناهج سياسية واجتماعية جديدة وفعالة في مناهضة الطبقة القابضة، بما هي الفئة المسؤولة عن تدهور الاقتصاد الوطني والضائقة المعيشية والبطالة وهجرة الشباب والمديونية العامة والتبعية المذلّة لسياسة إدارة بوش المعادية للعرب ولسائر شعوب عالم الجنوب. ألم يحن الوقت للارتقاء بفعالية المعارضة عن طريق المباشرة بتنظيم مؤتمر وطني لجميع القوى الحية يُنتج قيادة مركزية ولجاناً شعبية محلية وبرنامجاً مرحلياً للإصلاح السياسي والاقتصادي؟.
يجب بالتأكيد أخذ ظروف الناس الدقيقة بعين الاعتبار، فلا تكلّفهم قوى المعارضة فوق طاقتهم في مجال مناهضة الطبقة القابضة. لكن يقتضي، مع ذلك، عدم لجوء المعارضة إلى أساليب الطبقة القابضة نفسها في المماحكة والمساومة والمقايضة، لأنها تستنزف الكثير من الوقت وتؤخّر حسم الأزمة، وتلحق تالياً مزيداً من الضرر بالطبقات الشعبية. أخيراً وليس آخراً، يجب ألاّ يغيب عن أذهان قادة المعارضة أن ثمة فرصةً تاريخية قلّما أتيحت لها في الماضي، يجب اغتنامها على أحسن وجه. إنها فرصة التكافؤ النسبي غير المسبوق بين القوى المحلية المتصارعة وبين القوى الإقليمية المتصارعة. نعم، ثمة تكافؤ بين قوى الموالاة والمعارضة في الداخل أخذ يميل أخيراً لمصلحة قوى المعارضة بوتيرة محسوسة. كما أن ثمة تكافؤاً بين القوى الوطنية والقوى الإسلامية التحررية في المنطقة المتحالفة مع محور إيران ـــــ سوريا من جهة ومحور أميركا ـــــ إسرائيل من جهة أخرى، وهو آخذ بالاختلال لمصلحة المحور الأول. ولا يجوز، والحالة هذه، أن تفوّت قوى المعارضة على نفسها الفرصة المتاحة للخروج من حمأة الأزمة المزمنة إلى تسوية تاريخية تكفل وضع لبنان على سكة إقامة دولة مدنية ديموقراطية، على أساس حكم القانون والحرية والعدالة والتنمية المستدامة وتضامن شعوب الأمة في مواجهة الصهيونية والهيمنة الأميركية. إدارة الأزمة ملهاة ومأساة. تغيير النظام مطلب ورسالة. متى يراهن اللبنانيون على أنفسهم؟
* نائب ووزير سابق