علاء اللامي *


تأتي المجزرة التي ارتكبها مسلّحو تنظيم «القاعدة» قبل بضعة أيّام في قرية «الدويليّة» من محافظة ديالى، والتي راح ضحيّتها 14 قرويّاً بينهم نساء وأطفال، بمثابة دليل آخر على استمرار النهج الذي اختطّه التنظيم منذ بداياته في العراق، والذي لا سم له غير نهج التكفير والعنف الطائفي الهذياني. غير أنّ هذه المجزرة ومجموعة عمليات مسلحة وتفجيرات أخرى، استهدف أغلبها قوّات الحكومة الصنيعة لا قوّات الاحتلال، كالمعتاد، لن تعيد «القاعدة» إلى ما كانت عليه قبل اصطدامها بالقوى العشائرية والميليشياويّة في عموم المناطق الشمالية ـ الغربية. بل يمكن النظر إلى هذه العمليات بوصفها من التشنّجات والاختلاجات القوية التي يبديها الكائن الحي المحتضر.
وكان أسامة بن لادن قد أكّد وضع الاحتضار هذا. تؤكّد ذلك النبرة المأساوية والكسيرة التي تحدث بها في آخر تسجيل صوتي له على الفضائيات، وتناول فيه الوضع الذي آل إليه التنظيم في العراق. كذلك لا يمكن نكران وجود الكثير من المكابرة والقفز على الحقائق أو السكوت عنها في كلامه، وبخاصة تلك المتعلقة بالأسئلة الجوهرية والأساسية التي قامت وامتدت عليها هذه تجربة.
لقد وسمت «القاعدة»، بخطوطها الفكرية والممارساتية العريضة، المرحلةَ المنقضية من عمر المقاومة العراقية ضد الاحتلال، إلى درجة تماهت معها. غير أن آثارها، وخصوصاً السياسية والاجتماعية، ستبقى ظاهرة وفعالة لزمن طويل يصعب تقدير مداه.
ومع أن «القاعدة» لم تكن صاحبة السبق أو الفضل في إطلاق شرارة المقاومة العراقية وقيادتها في فتراتها الأولى، لكنها غدت ما غدت عليه بفعل جملة أسباب لعل من أبرزها:
ـــــ مهارة المؤسسات السياسية والإعلامية والأمنية التابعة للاحتلال، ودهاؤها في استثمار جرائم استهداف مقاتلي «القاعدة» للمدنيين العراقيين والرموز الدينية على أساس الانتماء الطائفي، دون أن يعني ذلك تبرئة استخبارات الاحتلال والدول الإقليمية، وفي مقدّمتها إسرائيل، من دورها المباشر في ارتكاب عدد كبير من تلك الجرائمـــــ رد الفعل العنيف والقاسي، الذي لا يقل إجراماً في حالات عديدة، الذي قامت به قوات الاحتلال والأجهزة الأمنية الحكومية، خصوصاً في فترة قيادة باقر صولاغ لوزارة الداخلية العراقية. وكذلك الأفعال الدموية من قتل وتهجير طائفي مضاد وعمليات اغتيال واسعة قامت بها الميليشيات الشيعية الطائفية، خصوصاً بعد أن استحكمت ظاهرة اختراق ميليشيات «جيش المهدي» من قوى داخلية ومخابرات دول مجاورة في مرحلة ما بعد تفجير المرقدين في سامراء.
ـــــ حالة الفراغ السياسي وغياب القطب الوطني الشامل للتركيبة المجتمعية العراقية، ولا سيما بعد اتضاح حقيقة دوافع حزب البعث الذي فقد السلطة نتيجة هزيمة نظامه على يد المحتلين، وسعيه إلى ركوب موجة المقاومة لاستعادة سلطته الشمولية ولو على جبال من الجماجم.
ـــــ الدور النشط الذي مارسته المرجعيات والهيئات والشخصيات الدينية ذات التوجهات والانشغالات الطائفية من الجهتين، «الشيعية والسنية»، في تأجيج الاستقطاب والتقاتل الطائفي، والذي راهنت عليه «القاعدة» لتفجير المجتمع العراقي من الداخل وإغراق المحتلّ بدماء العراقيين لا بدمائه كما هو معتاد في تجارب التحرر
العالمية.
ـــــ مسؤولية بعض الجهات المحسوبة على معسكر مقاومة الاحتلال ومناهضته، عن الترويج لتنظيم «القاعدة» أو على الأقل عن محاولة تبرير جرائمه الطائفية بحق المدنيين أو السكوت عنها على اعتبار معلن هو أن التنظيم «جزء من المقاومة».
ـــــ غرق الأحزاب السياسية العراقية الكلاسيكية الممثلة لنموذج «الوطنية واليسارية العلمانية» في مستنقع التعاون مع المحتلين، واندماجهم بحماسة وفاعلية في العملية السياسية الاحتلالية ومؤسساتها التي فبركها المحتل لتسويق سادة بغداد الجدد القابعين في المنطقة الخضراء.
ـــــ إرث القمع والانحياز الطائفي الطويل وضخامة المشكلات الاجتماعية المتراكمة بفعل أربعة عقود من الحكم الدكتاتوري.
هذه الأسباب، وغيرها بالتأكيد، هي التي مهّدت التربة وضبطت الإيقاع التاريخي العام لتجربة المقاومة العراقية، وأيضاً لظاهرة صعود وسقوط تجربة «القاعدة» في العراق. غير أن تحميل «القاعدة» وحدها المسؤولية التاريخية والأخلاقية عن المآل المأساوي الذي آلت إليه أحوال العراق ومقاومته، ليس أمراً عادلاً ولا هو بالدقيق. فالاحتلال الأميركي هو الذي يتحمل مسؤولية البدء والمنتهى في كل ما حدث للعراق وشعبه، لا لأنه هو مَن أوجد تنظيم «القاعدة» الأم وحسب، بل أيضاً لأنه تبنّى استراتيجية «تجميع العدو بعيداً ثم سحقه» التي أشرف على تنفيذها الثنائي رامسفيلد وبول بريمر، فوضعا خططاً لاستجلاب آلاف المسلحين «الجهاديّين» واستقدامهم إلى العراق بهدف «سحقهم». ففُتحت الحدود على مصاريعها وتمّ التغاضي عن تسرب المسلّحين وعدّتهم القتالية وعرباتهم المفخّخة، وحين حلّ وقت السحق، كان نصيب العراقيين منه هو الأكبر...
إن كل هذه الحيثيات ليست من بنات الخيال ولا هي شائعات وتقوّلات، بل هي وقائع موثقة اعترفت بها مصادر أميركية رسمية ودافعت عنها تحت شعارها العنصري الشهير «لنقاتل الإرهابيين بعيداً عن شوارع أميركا ومدنها قبل أن يأتوا إلينا».
لكن إلى أي مدى يمكن الحدّ من آثار تجربة «القاعدة» الضارة مستقبلاً على المقاومة والمجتمع العراقي ككلّ؟ وهل يمكن فعلاً المراهنة على قوى بعينها يمكن أن تُخرج المقاومة العراقية من مأزقها الراهن؟ لا يمكن بالطبع اعتبار تلك الفصائل والجماعات المسلحة التي هربت من سيوف «القاعدة» ومفخّخاتها لترتمي في حضن الاحتلال وتحولت إلى ميليشيات من المشتغلين لديه بالقطعة، من ضمن تلك القوى المراهَن عليها، كذلك لا يمكن التفاؤل بأن حزب البعث بشقّيه، «الدوري والأحمد»، وشقوقه الأخرى الأصغر حجماً، قادر هو الآخر على اجتراح المعجزة المرتجاة والبدء بالإقلاع الجديد للعمل المقاوم.
إن مشكلة، أو مشكلات البداية الثانية للعمل المقاوم العراقي مطروحة اليوم بقوة، بل إنها المسألة الأساس.
* كاتب وصحافي عراقي