عمر كوش


رواية من داخل الكواليس عن محاولة تكرار السيناريو العراقي

يثير الملف النووي الإيراني تجاذبات كثيرة ما بين إيران والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، بوصفه من أخطر الملفات التي تواجه العالم، ويعبّر عنه بأزمة تجري بخصوصها لقاءات عديدة بين كبار الممثلين السياسيين للاتحاد الأوروبي وكبار المفاوضين الإيرانيين، مع إصرار إيران على رفض التهديدات الأميركية ورفض تعليق نشاطات برنامجها النووي، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم.
ويروي سكوت ريتر في كتابه قصة تحدّيه للإدارة الأميركية في الفترة التي سبقت غزو العراق، وكشفه الأكاذيب التي لفّقتها إدارة بوش، ونشرتها وسائل الإعلام الأميركية والأوروبية بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية والخطر العراقي.
ومعروف أن ريتر كان أحد كبار مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة في العراق في الفترة الواقعة بين عامي 1991 و1998، وعمل قبل ذلك مع الأمم المتحدة، وضابطاً في مشاة البحرية الأميركية، ومستشاراً للجنرال نورمان شوارزكوف في شؤون الصواريخ البالستية أثناء حرب الخليج الأولى. وقد قرر في كتابه هذا أن يروي قصة استهداف إيران، لا بوصفه أحد المشاركين المباشرين في الأحداث التي يذكرها، بل لأنه لم يشارك فيها.
ولا شك في أن ريتر يعرف غالبية الجهات الفاعلة في لعبة البرنامج النووي، سواء كانوا دبلوماسيين أوروبيين، أو جواسيس إسرائيليين، أو مفتشين من الولايات المتحدة. ويقول إنه أمضى «ساعات في مناقشة قضية إيران وبرنامجها النووي مع هؤلاء الخبراء، وتوصلت إلى خلاصة مفادها أننا، في القضية الإيرانية، نرى التاريخ يعيد نفسه. وأنا مذهول من أوجه الشبه بين الطرق الجماعية التي سلكتها الولايات المتحدة، وإسرائيل، وأوروبا، وروسيا والأمم المتحدة بصعوبة نحو الدخول إلى حرب في العراق، بناءً على مزاعم خاطئة ادّعت امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، وما يرشح بشأن إيران»، حيث يبدو أن طريق الصراع هي نفسها، وتجد مسارها في الدفع بأشباح الأسلحة النووية، التي لم تظهر خارج إطار الافتراء والمبالغة وأكاذيب أولئك الذين تكمن برامجهم السياسية في تغيير النظام الإيراني، أكثر منها في منع انتشار الأسلحة النووية ونزعها.
بعد غزو العراق واحتلاله من طرف الولايات المتحدة الأميركية، أطلّ عليّ رضا جعفر زادة، مسؤول الارتباط الرئيسي لدى الكونغرس في ذلك الوقت، والمتحدث الصحافي باسم المكتب التمثيلي للبرلمان الإيراني في المنفى، ليعلن أن الوقت قد حان لتغيير جذري في النظام الإيراني، فدعا «لجنة إيران الديموقراطية» المرتبطة مباشرة بإسرائيل ومنظمة «مجاهدي خلق»، إلى الضغط على حكومة الولايات المتحدة لتشمل حربها على العراق إيران أيضاً. وتلك كانت أيضاً أمنية حكومة أرييل شارون، التي سرى لديها اعتقاد واسع، يفيد بأن على الولايات المتحدة أن تتهيّأ بعد انتهاء غزو العراق لإكمال مهمتها من المنظار الإسرائيلي، أي تغيير النظام في كل من سوريا وإيران، وضرب حزب الله في لبنان وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى رأسها حركة «حماس» الفلسطينية. ثم عاود جعفر زادة ظهوره، ليكشف عن العديد من البرامج النووية الإيرانية السريّة، التي يجري العمل عليها من دون معرفة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأهمها منشأة «ناتانز» النووية، ومنشأة «آراك» التي تقع في وسط إيران. وبسرعة البرق تحوّلت هذه المعلومات إلى حقائق وإثباتات، بناءً على هذه المعلومات غير المؤكدة، وعلى مزاعم اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية، التي تزعم أن كل نشاط تقوم به إيران وله علاقة بمواد نووية، سواء أكان لأغراض سلمية أم لا، فإنه يدخل في سياق برنامج لإنتاج أسلحة نووية. وقد وسّعت الإدارة الأميركية نطاق حملتها على إيران، وشرعت ببذل كل جهدها لنقل تركيز أي مواجهة وشيكة مع إيران إلى معادلة تضع إيران في مواجهة «المجتمع الدولي»، أي في مواجهة العالم بأكمله.
وكان ردّ إيران إثر غزو العراق هو حمل الولايات المتحدة على الدخول معها في حوار مباشر، فاقترحت عبر وسيط سويسري التوصل إلى سلام دائم مع إسرائيل، يرتكز إلى إعلان القمة العربية في بيروت 2002، أي على ما عُرف باسم المبادرة العربية للسلام، كما اقترحت قطع الأموال عن حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية، والسعي إلى وقف الهجمات التي تستهدف المدنيين داخل حدود عام 1967، ووافقت أيضاً على صيغة خاصة بأعمال التفتيش عن الأسلحة النووية وموادها، وإنهاء الحظر، والحصول على ضمانات من الولايات المتحدة الأميركية، بما في ذلك إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. لكن إدارة بوش لم ترد على المبادرة الإيرانية لأن سياستها الأساسية تهدف إلى تغيير النظام في إيران لا التفاوض معه والسماح باستمرار وجوده.
ودخلت الترويكا الأوروبية على خط الأزمة مع إيران، فأجرت مباحثات مع ممثلي النظام الإيراني بشأن البرنامج النووي، وطالبت إيران بتعليق برامج تخصيب اليورانيوم. بينما كان موقف إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، يستند إلى خطوطهما الحمراء المتعلقة بالطموحات النووية الإيرانية: لا تخصيب. ولكن كان لدى إيران خطوطها الحمراء الخاصة بها، التي تقول إن إيران لن تتخلى عن نشاطاتها النووية بالتأكيد. وبذلت الولايات المتحدة جهوداً حثيثة من أجل زيادة فاعلية محاولاتها لإحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن.
ويجد سكوت ريتر سنداً، لما يكتبه عن استهداف إيران، في ما قاله بوش من أن الولايات المتحدة الأميركية غير قادرة ببساطة، كما كانت حالها مع العراق في السنوات السابقة، على فصل سياسة تغيير النظام عن سياسة منع انتشار الأسلحة النووية. فالولايات المتحدة، حسبما أوضحت استراتيجية الأمن القومي لعام 2006، ملتزمة سياسة تغيير النظام في إيران، وهي تستخدم البرنامج النووي ستاراً لتسهيل عملية التغيير. لكنه يحذر من أن حرباً مع إيران ستلحق الأذى بمصالح الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية، وستمتد على الفور لتشمل إسرائيل.
إلا أن ريتر يرى أن التهديدات التي توجهها إيران اليوم لإسرائيل هي تهديدات كلامية صرفة، وإيران لا تمثّل أي تهديد مباشر للأمن الإسرائيلي بما يبرر القيام بأي عمل عسكري استباقي، وخصوصاً حين يتعلق الأمر بالبرنامج النووي الإيراني.
* كاتب سوري






العنوان الأصلي
استهداف إيران
الكاتب:
سكوت ريتر
الناشر
الدار العربية للعلوم