علي شهاب *


يشرف الرئيس الأميركي على السلطة التنفيذية في واشنطن، ويليه مباشرة في الصلاحيات وزيرا الخارجية والدفاع وغيرهما.
وبخلاف المتوقَّع من «رائد الديموقراطية» في العالم، حوّل بوش إدارته إلى «شركة» كبيرة يحظى فيها الموظّفون بالمناصب الرفيعة بناءً على ولائهم للرئيس أو الوزير، من دون الوقوف كثيراً عند معايير الكفاءة والاحتراف، بل تطال التعيينات السياسية المناصب العادية أحياناً.
وبما أنّ لكلّ وزارة مجموعة من المصالح التي تتأثّر بالثقافة الخاصّة للوزير، تختلف رؤية الوزارات التي تخدم جميعها الرئيس بوش حول الأسلوب الأنجع الذي يخدم مصلحة الرئيس. من هذه النقطة تحديداً تنشأ «الخلافات» بين وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ووزير الدفاع روبرت غيتس مثلاً، ولتي يقتنصها الإعلام المتعطّش للمواد الدسمة ويبالغ في تقديمها.
وبسبب احتمال نشوء مثل هذه «الخلافات»، أصبح لدى الولايات المتحدة منذ أكثر من نصف قرن، مجلس للأمن القومي، مسؤول أمام الرئيس مباشرة ويعمل لتحقيق مصالحه.
وقد استخدم كل رئيس أميركي مجلس الأمن القومي بطريقة مختلفة؛ فتحوّل المجلس في عهد بعض الرؤساء إلى محكمة تُعدّ الحجج المناسبة لسيّد البيت الأبيض. وفي عهد رؤساء آخرين، لعب المجلس دور سلطة بيروقراطية قوية تقدّم سياساتها الخاصّة وتجادل ضدّ وزارة أخرى.
في ولاية بوش الحالية، لا يبدو أن أيّاً من التصنيفات السابقة ينطبق على مجلس الأمن القومي، ولعلّ سبب ذلك هو قوّة شخصيّة غيتس ورايس. كما يعزّز هذا الواقع السرية التي تحكم علاقة بوش بمستشاريه.
السلطة الثانية في الإدارة الأميركية هي الكونغرس. وتنحصر مهامه في تحديد نسبة الأموال والنفقات الواجب صرفها. ويبدو نظرياً كأنّ الفرع التنفيذي يتّخذ جميع القرارات المهمّة، وأن الكونغرس لا يعدو كونه مجموعة من المحاسبين. ولكنّ الواقع هو أنّه لا يمكن أيّ حكومة القيام بأي شيء ما لم يوفّر الكونغرس لها المال، ولا يمكنها القيام بأي شيء يمنعها الكونغرس من القيام به. وحين تفعل ذلك، كما حدث في قضية إيران ـــــ كونترا، حين قام موظّفو مجلس الأمن القومي بجمع مال خاص بهم لمساعدة الكونترا (الثوار ضدّ حكم الساندينيّين) في نيكاراغوا، يسفر الأمر عن عواقب وخيمة للجميع.
تدفق المعلومات
الحقيقة الثابتة التي ينبغي البناء عليها عند فهم السياسة الأميركية، هي وجود كمّ هائل من المعلومات، تنتجها الوزارات والدوائر الحكومية المختلفة، كما تنتج جماعات المصالح المختلفة كمية مماثلة أيضاً.
وفي هذا السياق، ذكر الباحث في الشؤون الرئاسية ريتشارد نويستات، أن الرئيس جيمي كارتر كان يقرأ 350 صفحة من المذكّرات يومياً. هذا الواقع الذي يعاني منه بالضرورة جميع الرؤساء المتعاقبين، يقودنا إلى حقيقة مفادها أنّ الأشخاص الذين يملكون أخطر السلطات في واشنطن يميلون إلى معالجة المشاكل في فترات زمنية متقطّعة تتراوح ما بين دقيقتين وثلاث دقائق. وعلى سبيل المثال، يُطلَب من الكثير من المسؤولين في السياسة الخارجية أن يكونوا خبراء في قضايا متباينة كأزمات الشرق الأوسط والملفّ النووي لكوريا الشمالية والمنافسة الصينية، وهم يعالجون جميع هذه القضايا أحياناً قبل الساعة التاسعة صباحاً. ولا يتوفّر لديهم وقت للتريث أو للتمعّن في الاختلافات الدقيقة.
في مواجهة هذا الواقع، يعمد أصحاب القرار في واشنطن إلى الاستعانة بمستشارين لتكوين وجهات نظرهم، ما يؤدّي حكماً إلى اتساع دائرة ضخّ المعلومات بازدياد دوائر القرار من مستشارين ومساعدين.
وفي هذا الإطار، يقدّر نويستات أنّ أفراد هذه الدوائر ازداد، في الفترة الممتدّة ما بين عامي 1950 و1980، عشرة أضعاف بحيث وصل إلى خمسة عشر ألف شخص؛ وازداد عدد الموظّفين في لجان الكونغرس ثمانية أضعاف في نفس الفترة حتى وصل إلى ثلاثة آلاف شخص؛ فيما ازداد عدد الموظّفين الخاصّين بكلّ عضو في الكونغرس خمسة أضعاف فارتفع إلى عشرة آلاف شخص. وبالرغم من عدم وجود إحصاءات أكثر حداثة، فإنّ مسار تضخّم المعلومات مستمر في الصعود على قاعدة «التوالد الذاتي»، لأنّ كل مستشار بحاجة إلى مستشار خاص لمعالجة تدفّق المعلومات. انطلاقاً من هذه الإشكالية نشأت مراكز الدراسات والكيانات «غير الرسمية» كمراكز الدراسات والـThink Tanks ومنظّمات الضغط (اللوبي) التي تهدف جميعاً، بأساليب مختلفة، إلى الضغط على دوائر القرار وحتى تشريعات الكونغرس (كثيراً ما تلجأ لجان الكونغرس إلى شهادة خبراء ومستشارين وباحثين)، فضلاً عن الثقل الذي تمارسه هذه الكيانات على مسار الحملات الانتخابية.
في الحرب على إيران
المراقب للسياسة الداخلية الأميركية في الأشهر الأخيرة التي سبقت غزو العراق عام 2003، يلحظ أنّ النقاش سرعان ما تخطّى جدوى العمل العسكري و«العقوبات الذكية» وصدقية التقارير المتعلّقة بأسلحة الدمار الشامل ليقفز مباشرة إلى قدرة الجيش الأميركي على حسم المعركة مع الجيش العراقي!
وكما هي العادة منذ هجمات 11 أيلول 2001، وجدت دوائر المحافظين الجدد في مفهوم «الضربة الاستباقية» مبرّراً كافياً لإقناع الشعب الأميركي بالعلاقة بين أسامة بن لادن وصدام حسين، فأصبح غزو العراق جزءاً من الحرب على الإرهاب. ومن أجل الوصول إلى هذا الربط وتثبيت الفكرة ـــــ الهاجس لدى الشعب الأميركي، استعانت الإدارة بمراكز الدراسات وجماعات الضغط والمستشارين والخبراء.
وهكذا تحوّل السؤال من: هل من المناسب غزو العراق؟ إلى متى وكيف ستغزو الولايات المتحدة العراق؟
بالنسبة إلى الملفّ الإيراني يكرّر التاريخ نفسه. الإدارة الأميركية هي نفسها. المحافظون الجدد هم أنفسهم. النقاش الداخلي هو نفسه.
يميل المسؤولون الأميركيون إلى تشخيص إيران على أنّها العدو الجديد: ذهب بوش أخيراً إلى تشبيه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بهتلر. اللافت أنه بعيد هذا التشبيه تضاعفت نسبة الأميركيين الذين يرون في الجمهورية الإسلامية خطراً على «الحلم الأميركي»، بحسب ما تشير إليه استطلاعات الرأي.
غير أن الفارق بين سقوط بغداد عام 2003 والضربة المفترضة لطهران قبيل انتهاء ولاية بوش يتمثّل في الإجراءات التي ستمهّد للحرب المقبلة عبر تهيئة الرأي العام من خلال تنميط صورة «العدو الإيراني الشرير» الذي يشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي؛ تماماً كما كان صدام خطراً على أمن أميركا!
وفي هذا الإطار، تبرز الخطة العسكرية التي وضعها وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد مطلع عام 2006 استعداداً لـ«11 أيلول ثانٍ»، إذ تُفرد الخطة، التي سرّبتها دوائر رسمية إلى صحيفة «واشنطن بوست»، ملاحق طويلة وقوائم من خيارات الردّ العسكري «ضدّ جماعات إرهابية أو أفراد أو دول راعية لهم» في حال وقوع هجوم إرهابي يستهدف الداخل الأميركي.
لم تأخذ الخطّة المذكورة حيّزاً هامّاً على صعيد النقاش في وسائل الإعلام، إلى أن صدر، في أيار 2007، توجيه رئاسي حول الأمن القومي يحاكي بأهدافه خطّة رامسفيلد.
ويؤسّس التوجيه للإجراءات اللازمة «لاستمرارية الحكومة» في حال إعلان «طوارئ كارثية». وهذه الأخيرة تُعَرَّف على النحو التالي: «أي حادث، بغضّ النظر عن مكان وقوعه، تنتج عنه مستويات استثنائية من الخسائر العامّة، والأضرار والإرباك الشديد الذي يؤثّر على سكّان الولايات المتحدة، أو البنية التحتية، أو البيئة أو الاقتصاد أو المهام الحكومية».
ولم يُذكَر توجيه الأمن القومي في وسائل الإعلام الرئيسية. ولم يكن هناك أي إيجاز صحافي من البيت الأبيض أو وزير الأمن الوطني مايكل شيرتوف، وفقاً للممارسة المتَّبعة عادة، بالنظر إلى أهمية ومضاعفات التوجيه. ونصّ التوجيه المشترك الذي أعلنه البيت الأبيض (ونشره على موقعه الالكتروني) لم يُذكَر حتى في موقع وزير الأمن الوطني.
ويَمنح هذا التوجيه المشترك صلاحيات غير مسبوقة للرئاسة ولإدارة الأمن الوطني، تتجاوز أسس الحكومة الدستورية. ويسمح توجيه الأمن القومي للرئيس الموجود في سدّة الرئاسة بإعلان حالة «طوارئ قومية» بدون موافقة الكونغرس. وتبنّي هذا التوجيه سيؤدّي إلى تعطيل الهيئة التشريعية وعسكرة تطبيق العدالة والقانون، كأمر واقع، على أن يتولّى الرئيس قيادة نشاطات الحكومة الاتحادية لضمان وجود حكومة دستورية. ومن أجل تقديم المشورة والعون للرئيس في تلك المهمّة، يُعيّن مساعد الرئيس للأمن الوطني ومكافحة الإرهاب، بموجب هذا التوجيه، منسّقاً لاستمرارية الحكومة.
ويَمنح توجيه الأمن القومي هذا صلاحيات دولة بوليسية استثنائية للبيت الأبيض ولإدارة الأمن الوطني.
وفي حال اللجوء إلى هذا التوجيه، فإنّ نائب الرئيس ديك تشيني، الذي يمثّل القوّة الحقيقية وراء القرار، سوف يتولّى أساساً صلاحيات ديكتاتورية بحكم الأمر الواقع، ملتفّاً على الكونغرس والهيئات القضائية، فيما يواصل استخدام الرئيس جورج بوش كرئيس صوري في الواجهة.
وإذ يلتفّ التوجيه على الدستور، فإنّه يتضمّن تصوّراً لصلاحيات نائب الرئيس في الفقرة الآتية:
«يجب تنفيذ هذا التوجيه على نحو يسهّل التنفيذ الفعّال لمواد الدستور المتعلّقة بتداول الرئاسة أو ممارسة الصلاحيات، وقانون خلافة الرئيس لعام 1947 بالتشاور مع نائب الرئيس، ومع المعنيّين الآخرين، وفقاً لما هو مناسب. وعلى مسؤولي الإدارات والوكالات التنفيذية التأكّد من أن الدعم المناسب متوفّر لنائب الرئيس والمعنيّين الآخرين وفقاً لما هو ضروري، ليكونوا مستعدّين في جميع الأوقات لتنفيذ هذه الأحكام».
وتجدر الإشارة إلى أنّ التوجيه يلحظ تعليق مهام وصلاحيات الوظائف المدنية لصالح القوات المسلحة التي تملك الحقّ القانوني بالإشراف على وسائل الإعلام وتعطيل الحريات المدنية واتخاذ الخطوات العسكرية اللازمة تحت شعار «حماية الأمن القومي».
ومع تنامي الحديث الداخلي عن هجمات إرهابية محتملة بين الفينة والأخرى والتحذيرات المتتالية التي تطلقها الوكالات الأميركية، ناهيك عن لازمة «مكافحة الإرهاب» في خطاب جورج بوش، يسود مناخ من الخوف الدائم في أوساط الأميركيّين؛ خوف يؤدّي، مع استمرار معدّلاته المرتفعة، إلى شيء من الهلع والرعب من عدوّ خارجي أشدّ خطراً من تنظيم «القاعدة».
منذ 11 أيلول 2001 ، هناك العديد من القصص والإعلانات التي تحدّد طبيعة «الحرب العالمية على الإرهاب» جرى ضخّها ضمن سلسلة الأخبار. فبرزت عبر العالم أسطورة تنظيم «القاعدة».
ومع التكرار غير المحدود، أصبحت الحرب على الإرهاب جزءاً من الإجماع السياسي بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي.
لقد أصبحت الحرب على الإرهاب عقيدة مقبولة لدى الجمهور الأميركي من خلال الضخّ الذي تمارسه وسائل الإعلام.
ووراء وسائل الإعلام هذه، يقف المجمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة؛ المستفيد الأول من الحروب، إلى جانب شارع المال «وول ستريت»، وعمالقة النفط الذين يعملون جاهدين على خصخصة احتياطيات النفط والغاز الهائلة في المنطقة.
من أجل هذا كله تبدو إيران هدفاً مناسباً.
في الوقت الراهن، يمكن القول إنّ سياق التمهيد لخوض حرب أميركية جديدة في الشرق الأوسط قد دخل مرحلة متقدّمة: الحراك الدولي تجاه طهران يعزّز ذلك. الصعود الإيراني نفسه يجعل من خيار المواجهة أمراً محتوماً.
أمّا تصريحات بوش فهي تحتاج الى التوقّف قليلاً عندها والاعتراف بأن وراء «أغبى» رئيس في التاريخ الأميركي يقف «أدهى» فريق من المستشارين والخبراء... والمحافظين الجدد.
* صحافي لبناني