بولس الخوري *


يبدو أنّ اللبنانيّين، قادةً وشعباً، صاروا مقتنعين بأنّ التغيير ضرورةٌ ليتقدّم لبنان حضاريّاً، بل بكلّ بساطة لكي يكون ويبقى. ومن البديهيّ أنّ تغيير بلد بكامله ومجتمع شامل، نظاماً ودستوراً وقوانين ومعاملات، لا يكون بمرسوم يطلقه فلانٌ من المسؤولين أو الفعاليّات، مهما علا شأنه واشتدّت شوكته. لن يكون تغيير الأنظومة الاجتماعيّة إلا من خلال تغييرٍ ثقافيّ. وأعني بالتغيير الثقافيّ تغييراً في الذهنيّة الجماعيّة، أي في ذهنيّة كلّ فردٍ من أفراد المجتمع. ذلك لأنّ الأنظومة الاجتماعيّة، بوصفها مجالاً من مجالات الأنظومة الثقافيّة، إنّما هي تجسيمٌ موضوعيّ للبنية الذهنيّة. وهذا معناه أنّه لا سبيل إلى إنتاج أنظومة اجتماعيّة جديدة إلّا بواسطة بنية ذهنيّة جديدة. هنا نرانا مسوقين إلى طرح ثلاثة أسئلة، يتعلّق أوّلها بوجهة التغيير، وثانيها بالنتيجة المتوخّاة في نهاية المطاف من عمليّة التغيير، وثالثها بالوسائل التي من شأنها إنجاز التغيير المرتجى أو المخطَّط له. إنّ مسألة وجهة التغيير تطرح نفسها، لأنّه لا سبيل للسعي إلى التغيير من أجل التغيير. فالتغيير لا يكون، في كلّ الأحوال وبلا شروط، خيراً مستساغاً. فهو يكون خيراً بمقدار ما يجري في اتّجاه تعميق الكيان البشريّ وتأصيله. فوجب إذّاك تحليل التغيير المزدوج، تغيير البنية الذهنيّة وتغيير الأنظومة الاجتماعيّة.
تبديل بنيتنا الذهنيّة معناه الانتقال بها من شكلها التقليديّ، الذي ما زلنا نعيشه، إلى شكل عصريّ يحفظ منها النواة المميّزة. فلو كان الشكل التقليديّ يتيح لنا أن نتكيّف على وجه التمام مع الشروط الاجتماعيّة والتاريخيّة المستجدّة، لما كان من داعٍ لأيّ تبديل. لكنّه في الواقع لم يعد في ميسوره الوفاء بهذه الوظيفة التكييفيّة. ومردّ ذلك إلى السمات التي تميّزه، وهي الموقف اللاهوتيّ، والعشائريّة، والتطلّع إلى الآخرة. وهذي السمات تؤدّي عمليّاً إلى نوع من الخفض لقيمة الإنسان، وإلى الاستخفاف بالشخص الفرديّ، وإلى الهروب من الواقع الراهن نحو أمور ماورائيّة أسطوريّة.
ومن الواضح أنّ بنية ذهنيّة ينبغي تبديلها. والتبدّل المطلوب لا يكون حتماً بنكران الله، ولا بإقصاء الفئات الاجتماعيّة المتكوّنة ضمن المجتمع الشامل، ولا برفض الماورائيّات، بل هو يكون بأن نعمل على تحويل هذه العقلانيّة العتيقة، إلى عقلانيّة عصريّة، تتميّز بالروح العلميّة والمبادرة التقنيّة. ونعني بالعقلانيّة العصريّة عقلانيّة الوسائل وعقلانيّة الغايات في آن واحد. فالمبادرة وروح الإبداع تستوجب تحكيم القيَم على قدر ما يعيها الناس. وعلى هذا النحو يصحّ تحديد العقلانيّة الحديثة بأنّها نقديّة، ليس بمعنى أنّها مشروع تدمير، بل بمعنى أنّها وضوح في الرؤية وتمييز بين حقّ وباطل.
التحوّل من العقلانيّة العتيقة إلى العقلانيّة العصريّة، مع الاحتفاظ بالنواة الأخلاقيّة للثقافة التقليديّة، هذا التحوّل، لو تهيّأ له أن يتحقّق، فعندئذ يضحي من الممكن تغيير الأنظومة الاجتماعيّة. هذه الأنظومة الاجتماعيّة يمكن تلخيصها في ثلاث وظائف أساسيّة: السلطة والامتلاك والمعرفة. وهذه الوظائف تحدّد، على التوالي، مجالات السياسة والاقتصاد والإيديولوجيا. أمّا في السياسة، فيقتضي إجراء التغيير في اتّجاه الانتقال من العنف إلى الحوار. وأمّا في المجال الاقتصاديّ، فعلينا إقامة نظام المشاركة مكان نظام الاحتكار. وعلى الصعيد الإيديولوجيّ، يكون التبديل بإحلال الحقيقة محلّ الدجل.
يبقى أن نعيّن الوجهة العامّة لتبديل الأنظومة الاجتماعيّة. ففي خطّ التوجّه الإنسانيّ، تغلب النزعة القائلة بأنّ على المنظومة الاجتماعيّة أن تكون في خدمة الإنسان. وهذا ليس بخطأٍ البتّة. ولكن في الواقع المحسوس، قد يتبيّن أنّ بعض الناس يستندون إلى هذا المبدأ ويحتكرون الأنظومة الاجتماعيّة على حساب مصلحة الغالبيّة من أعضاء المجتمع. عندئذ نرانا مضطرّين إلى توضيح صيغة المبدأ بغية استنقاذ قصدها الصحيح. وعلى هذا نقول إنّه ينبغي أن تكون الأنظومة الاجتماعيّة في خدمة كلّ الناس، وكلّ فردٍ منهم. وعلينا أن نقدّم توضيحاً ثانياً في ما خصّ الصيغة التي كثيراً ما تتردّد، الداعية إلى إعلاء شأن كلّ إنسان وكلّ الإنسان. ونحن لا نجادل في هذا، ولكنّنا ننبّه إلى أنّ في الإنسان نزعات أو بالحريّ عادات، من مثل العنف والتكالب والكذب، ما يستوجب بالطبع الاقتلاع لا التنشيط. فعلينا، والحال هذه، أن يكون رائدنا أنسنة الناس. جوابنا عن مسألة الناتج المرتقب في نهاية المطاف من عمليّة التغيير، قد أُعطي جزئيّاً في ما تقدّم من كلام. فيبقى علينا أن نحدّد تسميةً نطلقها على هذا النموذج الاجتماعيّ الجديد. وهذا ليس ممّا يستهان به، بل يقتضي إخضاعه إلى ضوابط تضمن له كلّ وزنه من الحقيقة، وتجعل الاسم مطابقاً تمام المطابقة للمسمّى. أوّل هذه الضوابط هو، من جديد، الإنسان في كيانه، أي الإنسانيّة في الإنسان. ونحن نعلم أنّ الكيان البشريّ يتحقّق بكلّيّته في أشكال ثلاثة. فالكائن البشريّ شخصٌ فرد، وهو لذلك يتحدّد بالاستقلاليّة أي بإمارة النفس. والكائن البشريّ مجتمعٌ، وعلى هذا يتحدّد بالاندماج والشراكة. والكائن البشريّ تاريخٌ، وهو لذلك يتحدّد بقدرته على الإبداع الثقافيّ، الذي يجعل الإنسان صانعاً للتاريخ، عوضاً عن أن يكون مجرّد شاهد على الحوادث أو ضحيّة لها.
ثمّ يبرز ضابطان آخران مهمّتهما إقامة نوع من المعالم على الطريق الواجب سلوكه. وهي ضابط المثاليّة، الذي يوجّه شطر المرتجى المثاليّ، وضابط الواقعيّة، الذي يدفع نحو ما يتيسّر ترجمته إلى واقع ملموس. فما هو مرتجى وما هو قابل للتحقيق، يمكن لهما التلاقي في إطار ما يسمّى الممكن.
والكلّ يعلم أنّ فنّ الممكن هو السياسة. فإذا تحدّد الممكن، وتحدّدت الأنظومة السياسيّة المبنيّة على الممكن، بالاستناد إلى مبدأ الإنسانيّة، ومبدأ أنسنة الناس، فإنّ الأنموذج الاجتماعيّ يُدعى حينئذ الديموقراطيّة. ونحن نعلم القيم التي تحدّد الديموقراطيّة، وهي الحرّيّة، والمشاركة في الحكم من قبل كلّ الأفراد، ومسؤوليّة كلّ إنسان عن الشأن العام. ثمّ العدالة، واحترام الكرامة الإنسانيّة، والمساواة والمشاركة في الحقل الاقتصاديّ من الامتلاك، أي في ما يتعلّق بالخير العام أو بالأموال والخيرات. ثمّ الانفتاح على الآخرين، والاحترام الواجب لقيمة كلّ شخص بشريّ، انفتاحاً واحتراماً تنظَّم بموجبهما العلاقات الاجتماعيّة بين الأفراد والجماعات البشريّة، أيّاً كان انتماؤها الدينيّ أو الإيديولوجيّ.
الديموقراطيّة إذاً نعني بها المؤسّسات الديموقراطيّة. غير أنّه يمكن تصوّر أشكال مختلفة من المؤسّسات الموصوفة بالديموقراطيّة. ولكن أكانت هذه المؤسّسات من نوع الديموقراطيّة الليبراليّة، أم من قبيل الديموقراطيّة الاشتراكيّة أو الشعبيّة أو الاجتماعيّة، فالمهمّ فيها جميعاً هو الممارسة الديموقراطيّة. والوقائع تظهر أمامنا مؤسّسات ديموقراطيّة، من النوع الليبراليّ أو الاشتراكيّ، كأنّها تعطي غطاءً مؤسّسيّاً لممارسة اجتماعيّة أو سياسيّة استبداديّة. فإذا ما رأيت سلطة الشعب، وحكم الشعب بواسطة الشعب، قد سُخّرت على وجهٍ ما لمنفعة بعض الناس، بحيث تمارَس في هيئة الازدراء بالشعب أو عدم الاكتراث له، فبأيّ وجه يمكن الاطمئنان والتغنّي بحيازة مؤسّسات مستوفية الشروط الشكليّة للديموقراطيّة؟ إنّ المؤسّسات الديموقراطيّة تُعرَف، ويُحكم لها أو عليها، طبقًا لمعيار الممارسة الديموقراطيّة دون سواه.
وما زال أمامنا مسألة الوسائل التي من شأنها ترجمة التغيير المرتجى إلى واقع حيّ، سواء في ميدان الأنظومة الاجتماعيّة أو في مجال البنية الذهنيّة. بيد أنّ هذه المسألة، إذا أنعمنا النظر فيها، تبدو على كثيرٍ من التعقيد والتداخل، بحيث ليس من المتّسع للكلام فيها الآن. يكفي هنا أن نذكر الوسيلة الأساسيّة لهذا التغيير المزدوج، عنيت بها التربية، علماً بأنّ نظامها يتطلّب هو نفسه الكثير من التغيير والتطوير. ومن اللازم الحتميّ أن نباشر هذا السعي إذا شئنا أن نكون أهلاً لأن نوصف بأنّنا كائنات بشريّة.
* كاتب لبناني